الأحوال الشخصية في لبنان: أية مرجعية؟ أي مسار حقوقي؟ / انطوان مسرّة

لطالما افتقرت أنظمة الاحوال الشخصية الى نظرية حقوقية عامة في سبيل تفسير مضامينها وتبايناتها واجراءاتها ومفاعيلها، وبخاصة مرجعياتها في البناء الحقوقي العام.

أُدرجت غالباً انظمة الاحوال الشخصية في كليات قانون (ولا نقول حقوق) في لبنان والمجتمعات عربية عامة في اطار القانون الخاص المتعلق بالعائلة واهملتها تالياً من اقسام القانون العام. يتمظهر الافتقار الى نظرية عامة في مؤلفات لبنانية وعربية في القانون الدستوري حيث مُؤلفون، عندما يتطرّقون الى بعض المواد في الدستور اللبناني (9 و10 و19) وفي دساتير عربية عامة حول الاحوال الشخصية يُسارعون الى ادراج الموضوع في اطار مصطلح "الطائفية" وايديولوجيات الرجعية والتقدمية حول اشكال ادارة التنوع الديني والثقافي.

 

تطور البحوث المقارنة

 

المحامي والاستاذ الجامعي والباحث ابرهيم طرابلسي في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "انظمة الاحوال الشخصية، في لبنان: بين الاصالة والتحديث" (دار صادر) يجمع البُعدين النظري والتطبيقي في خبرة جامعية وحقوقية يومية في منازعات الاحوال الشخصية. انه يُؤسس لمرجعية لبنانية وعربية وعالمية في انظمة الاحوال الشخصية التي هي اطار دستوري في ادارة التعددية الثقافية والدينية وهو اطار يندرج في منظومة الانظمة الفيديرالية الشخصية او الادارة الذاتية على اسس شخصية.

يُشكل المؤتمر الرابع لـ"منتدى الفيديراليات" الذي عقد في نيودلهي في 4-8/11/2007، بمشاركة اكثر من خمسمئة من المهندسين السياسيين والباحثين في العلم الدستوري المقارن من كل القارات والذي اختتمت اعماله رئيسة جمهورية الهند، تحولاً جوهرياً في البحوث حول فاعلية مختلف الاشكال الدستورية في ادارة التنوع. عنوان المنتدى: "الوحدة في التنوع: التعلم من بعضنا البعض".

منذ المؤتمر الاول الذي عُقد في مورا Morat (سويسرا)، افتتاح معهد الفيديرالية في كانون الاول 1984، بالتعاون مع الجمعية الدولية للعلم الدستوري، حصل تطور بارز في توسيع مفهوم الفيديرالية التي لا تقتصر على تقسيمات جغرافية، بل قد تكون على أُسس شخصية في الحالات حيث الاقليات الثقافية غير متمركزة في مناطق محددة، وذلك استناداً الى التراث الدستوري العثماني. هذا التراث عربي، واسلامي ايضاً، وعلى اساسه تمكنت الامبراطورية العثمانية لاكثر من اربعة قرون من حكم مناطق شاسعة متعددة الدين والمذهب والإثنية.

ضربت الانظمة العربية بدرجات متفاوتة، باستثناء لبنان، التقاليد الدستورية في الفيديرالية الشخصية (انظمة الملل، حرية التعليم للمؤسسات الدينية…) بحجة تحقيق الاندماج، او بالاحرى "الانصهار" أي بقوة الحديد والنار. وترافقت الايديولوجيات الاندماجية القسرية عربياً مع ذهنية الاستيلاء على الارض بين مجموعات دينية وتقاسم السلطة جغرافياً ومذهبياً بشكل يتخطى مجرد التنافس الانتخابي النيابي والبلدي. ادى ضرب التقاليد الدستورية العربية بعد عهود ما سُمي التحرر الى تفكيك مساعي الوحدة والى تأزيم العلاقات بين الشعوب. وليس في المنطقة العربية تقاليد في الفيديرالية الجغرافية.

 

خمسة ضوابط حقوقية

 

ان الادارة الذاتية الحصرية، في بعض الانظمة في العالم وحسب المادتين 9 و10 من الدستور اللبناني، يجب ان تتضمن في سبيل انتظامها ستة شروط على الاقل:

1. ان تكون محددة لبعض القضايا.

2. ان تكون متساوية أي ان لا يطغى أي نظام خاص في الأحوال الشخصية على آخر في حال تنازع بينها كما هو الحال في لبنان.

3. ان تتولى هيئات مركزية ضبط المعايير بشأنها. يُذكر في حالة لبنان دور محكمة التمييز في قضايا الاحوال الشخصية والدور الناظم لوزارة التربية والتعليم العالي.

4. ضرورة توفر مخرج بحيث لا يجوز إرغام شخص على الانتماء الى مجموعة او طائفة.

5. أطُر لامركزية ادارية فاعلة في سبيل تسريع عملية التقرير التي قد تتعطل بسبب تجميع القضايا داخل السلطة المركزية وادخال هذه القضايا في صراع على النفوذ.

6. ثقافة المجال العام العابر للطوائف للحؤول دون الانغلاق.

 

حماية الحقوق الثقافية

 

منذ الخمسينات من القرن الماضي، ألغت سلطات عربية الحق الممنوح للطوائف في انشاء مدارسها الخاصة، اما من طريق تأميم التعليم، وإما من طريق مُراقبته بصورة مباشرة. لم يُؤد ذلك الى اندماج ثقافي اكبر. وكذلك ألغي تدريجياً التمثيل النسبي المضمون في المجالس السياسية والادارات العامة. أما في ما يتعلق بنظام الأحوال الشخصية، فإنه لا يتمتع بالمساواة مع الشريعة الاسلامية، باستثناء حالة لبنان حيث لا تحظى أية طائفة بأي تفوق على طائفة اخرى في ما يختص بنظام الأحوال الشخصية الخاص بها، الأمر الذي شجّع على تراجع التحايل على القانون.

وأوجد النظام اللبناني، من حيث المبدأ، كما يورد ابرهيم طرابلسي، وسيلة عملية خلال الانتداب الفرنسي لتطبيق فيديرالية شخصية منفتحة او غير مُغلقة عندما لحظ، بموجب القرار 60 ل.ر في 13 آذار 1936، انشاء طائفة الحق العام التي لا تعرف التشريعات العثمانية وجودها. فالذين لا ينتمون الى طائفة، أو الذين يرغبون في التخلي عن انتمائهم الأصلي بالولادة، يمكنهم الانضمام الى مجموعة الحق العام التي هي طائفة غير مذهبية.

ان نشوء اسرائيل، على أسس دينية، وبتحويل الدين الى قومية صهيونية، يدخل تقسيماً جغرافياً وهندسة شعوبية ويخلق مأزقاً داخل الدولة العبرية ذاتها وفي علاقاتها مع محيطها المباشر، في فلسطين المحتلة، وفي محيطها الاسلامي والمسيحي المجاور. وأعادت حروب لبنان في 1975-1990 احياء مشاريع تقسيم جغرافي لما لا ينقسم.

لكنه يقتضي اليوم العمل على عصرنة ودمقرطة انظمة الاحوال الشخصية في لبنان والمنطقة العربية عامة في اتجاهين: نحو جعل هذه الانظمة اكثر مساواة في الحالات حيث تفتقر هذه الانظمة الى المساواة، وجعلها منفتحة بشكل يحق فيه لكل شخص الانتماء الى نظام مدني اختياري في الاحوال شخصية. الكتاب الجديد لابرهيم طرابلسي هو المدخل لعلم دستوري مقارن ونظرية حقوقية معاصرة لانظمة الاحوال الشخصية.

ليس عمل الباحث والمحامي والاستاذ الجامعي ابرهيم طرابلسي مجرد اغناء للمعرفة الحقوقية، بل المدخل لثقافة دستورية وحقوقية تُعالج اشكاليات عديدة من الحياة العامة في لبنان حيث، فكراً وممارسة، نحن غالباً متأرجحون في فدرلة جغرافية مُستحيلة في حين يقتضي التقيد بموجبات الميثاق اللبناني فدرلة شخصية لها شروط ومرتكزات في اطار نظرية فصل السلطات.

 

قلق ودعوة الى الجدّية

 

ما يُميّز كتاب ابرهيم طرابلسي مرجعيته الدستورية استناداً الى احدث الابحاث المقارنة، وشُموليته مختلف جوانب الاحوال الشخصية، واعتماده على الخبرة الطويلة والمعاشة في المحاكم المذهبية وشؤون العائلة، وامانته لتراث قضائي لبناني عريق أُهمل غالباً في البحوث، ومُقاربته التحديثية لمنظومات حقوقية هي اليوم عنصر نقاش واسع على المستوى العالمي.

لطالما في لقاءاتي مع القاضي الكبير منح متري شجعته لنشر خبرته في محكمة التمييز في شؤون الاحوال الشخصية. منح متري هو من ابرز المنظّرين لمفهوم النظام العام من خلال اجتهادات رائدة. يذكر طرابلسي العديد من اجتهادات منح متري، بخاصة في اطار دراسة رقابة الهيئة العامة لمحكمة التمييز على الاحكام المذهبية والشرعية.

مما يقترحه المؤلف انشاء غرفة خاصة في محكمة التمييز للنظر في الاعتراضات المقدمة اليها استناداً لاحكام المادة 95 من قانون اصول المحاكمات المدنية الجديد (اعتراضات على الاحكام والقرارات المذهبية لاسباب تتعلق باختلاف ايجابي او سلبي على الاختصاص). قدم المؤلف الاقتراح بتكليف من هيئة تحديث القوانين في مجلس النواب برئاسة النائب السابق اوغست باخوس. وفي مجال انفتاح انظمة الاحوال الشخصية يُورد المؤلف، مضموناً وتفصيلاً وتحليلاً، مشروع الرئيس الياس الهراوي: الذي لا يقتصر على الزواج بل على مفاعيله في العائلة عامة والارث.

كتاب طرابلسي دعوة الى الجدية في مقاربة انظمة الاحوال الشخصية: ولماذا الجدّية؟ بسبب حالات التهرب من القانون، وابدال الدين والمذهب لاسباب لا علاقة لها بالايمان، والنزاعات الناشئة عن اختلاف الدين، وضرورة حماية الطفولة… كتاب طرابلسي يؤسس لدراسات قضائية مقارنة حول الادارة الديموقراطية للتعددية الدينية.

في المجتمعات العربية الاخرى غير لبنان الازمة اكثر تفاقماً.    ما يُبرر قلق المؤلف ودعوته الى الجدية ان قواعد حقوقية بديهية في الحرية والمساواة والممارسة الايمانية والموجبات العائلية منتهكة في حالات التحايل على القانون.

المنطلق العلمي والاستنتاجي الذي يؤسس له طرابلسي في دراسة انظمة الاحوال الشخصية دستوري وحقوقي وعائلي بعيداً عن مقاربات ايديولوجية وعقائدية وسياسية وسجالات تقليدية رائجة. هذا المنطلق هو بطبيعته عابر للطوائف لان مرجعيته مفهوم النظام العام في قضايا الاحوال الشخصية في الانظمة الفيديرالية الشخصية.

 

عن جريدة النهار البيروتية 3/5/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق