الأدب وسؤال الميتافيزيقا

إذا كانت الميتافيزيقا سؤال الوجود المتعالي والمفارق لكل من العلم والدين والخرافة، فكيف يمكن أن تتمظهر بالأدب مثلما فعلت وما زالت؟

إن العلم- البارد- هو ليس أكثر من ميتافيزيقا وقد تقنّنت، أي أنه سؤال ميتافيزيقي وجد جوابه. أما الدين- الحامي- فهو ميتافيزيقا تحولت إلى خرافة أي وهمٌ حاكمٌ.

إن تطلّع الميتافيزيقا إلى ماوراء الواقع والطبيعة وظواهر الأشياء يجعل من الأدب، إذا ما نظرناه من نفس زاوية الرؤية، هو ميتافيزيقا الكلمات.

{{
البطء ….السرعة}}

يبني الروائي والأديب التشيكي ميلان كونديرا روايته القصيرة “البطء” على السؤال الميتافيزيقي المقارن والذي ليس له جواب شاف، لا في العلم –الواقعي ولا في الدين –الوهمي، حول أيهما هو النموذج الأفضل، الأجمل، الأكثر عمقاً ومناسبة للوجود الإنساني، أهو البطء أم السرعة؟

من خلال قصتي حبّ تتسايران عبر طول الرواية إحداهما تجري أحداثها في القرن السابع عشر – زمن البطء- والأخرى في عالمنا المعاصر- زمن السرعة-. يبرز السؤال الفلسفي المضمر، وأنا هنا لن أدخل تفاصيل الأحداث بل سأبقى في حدود الكلمتين المفهومين.

في الحبّ: يجعل زمن البطء من الحب ناراً تسري في الأعماق على مهل لتتملّك منها بهدوء، والوصول إلى الحبيب يغدوا أمراُ صعباً ومليئاً بالمغامرات والإثارة فتنبجس الرغبة والشهوة كبركاناً يؤبد المعنى ويطيل العلاقة التي قد تستهلك عمراً كاملاً، كما تترك خيانة الحبيب أو هجرانه أو فقدانه أثراً مميتاً قد يستمر مدى الحياة أو ينهيها. لننظر على سبيل المثال- آلام فيرتر- مرتفعات ويذرنغ- جميلة- سيرانو دوبير جيرديراك-.

في زمن السرعة يبدو التنقل بين الأحبة أمراً عادياً بل مطلوباً، يفقد الحب جزءاً من هالته الميتافيزيقية ويندرج التجاوز ضمن ضرورات الصحة الجنسية والنفسية، تصبح العنّة والبرود الجنسي عناوين معاصرة، تتوازى سرعة العبور مع سرعة الوصول وخفة الأثر، وفرة البدائل تجعل من الخيانة والهجر والفقدان أمراً دائم التوقع، التوقع هو فعل يسبق الحدث ويؤسس التجربة، رغبة اكتشاف الجسد العاري عبر الجنس يوازيها الخوف من امتلاك الروح عبر الإتحاد وسرعة الهرب نحو كشف جديد.

في الموت: يبقى الموت سؤال الميتافيزيقا البشري الأهم، منذ سؤال جلجامش ودهشته أمام فقد صديقه الحبيب أنكيدو وحتى يومنا هذا، معنّداً أمام تطمينات الدين والعلم الدائمة.

في زمن البطء يأخذ الموت معنىً أبهى وأكثر جرأةً وقرباً وقسوة، فالقاتل يغرز سيفه في صدر القتيل فيشعر كلاهما بطعم الموت وبالتالي أهمية الحياة. يرخي الموت ظلاله طويلاً، حداداً على من فقدناهم، ومعروفة حكايا الواقع وحكايا الأدب حول من قضت عمرها- وبشكل أقل- من قضى عمره يبكي على الأطلال حزناً، أو خجلاً من البدايات، أو شعوراً بالذنب والحصر والحصار.

في الزمن السريع يغدو الموت أكثر تجريداً فلا وقت لوقت الحداد الطويل، لا يرى القاتل جثة القتيل ولا يصدّق القتيل بأنه فعلاً يموت، يسرع الموت والموتى نحو العدم ليبرزوا من جهة أخرى خفة الحياة ولا معناها؛ فمن مراسم الدفن الفرعونية القديمة إلى مراسم الدفن الأمريكية المعاصرة هنالك فعلاً فرق كبير.

في الحياة: نعرف الحياة من الحركة، حركة الجسم أو النبض أو التنفس، والحركة تخلق الزمان، ولذلك فإنه من غير حركة وزمان ليس هناك حياة، ليس سوى العدم، لكن سرعة الحركة تقلّص الزمان، أي ببساطة افتراضية ومن دون حساب دقيق، إن من يخرج بسرعة الضوء من الأرض يعود بعد عشر دقائق ليجد أبناء جيله يكبرونه بسنوات أو ربما ماتوا. إن العلم الحديث هو بمعنى ما يمدّد العمر ولكنه يقلص الزمن.

في زمن البطء ينضج المرء مبكراً ويفهم الحياة البسيطة قبل نهاية عقده الثاني وبالمقابل فإنه يتجاوز عقده الثالث الآن ولم يتخلص بعد من أوهامه حول الرجال والنساء والدول على حد تعبير وول ديورانت، إن حركية الزمن البطيء تمدد الحدث وتثقل المكان بفعلي التأمل والسيطرة، بينما يتقلص المكان وتنعدم السيطرة في حركية الزمن السريع ويبرز العصاب كمرض الحضارة المعاصر حسب فرويد وفروم وبشكل آخر نيتشه.

{{
الخفة… الثقل}}

ينّطرح السؤال الميتافيزيقي في رواية كونديرا “كائن لا تُحتمل خفته” من الفكرة الفلسفية النيتشوية المُربكة فكرة “العود الأبدي” التي تحمل وجهين متناقضين للسخرية والمأساة، فالتكرار اللانهائي والأبدي لفعل ما، أو حدث ما، يثقل الوجود إلى درجة لا تطاق، ولكن ماذا لو كان هذا التكرار نفسه يحدث في كل مرّة وكأنه المرّة الأولى؟ إن ذلك ليجعل من الوجود خفيفاً لدرجة التفاهة. ففي الوقت الذي يعيش فيه البشر تجاربهم وأفعالهم، التي تتجلى كأحداث، كمن يمثل على خشبة المسرح للمرة الأولى ومن غير نصّ مكتوب مسبقاً. فهو لن يكون لديه المجال للتصحيح أو التعديل أو العودة، فمثلاً لو قُيد لنا أن نعيش تجاربنا السابقة مرّة أخرى لعشناها بشكل مختلف وبأخطاء أقلّ، أو ربما اخترنا أن لا نعيشها أصلاً ولكن لامجال أبداً لذلك. فنحن كبشر علينا دائماً وفي كل لحظة من لحظات الحياة أن نختار، مما يعطي فعلنا خفة لا تُحتمل ويجعلنا ربما، نبدو حمقى أمام أنفسنا ولكن بعد فوات الأوان، أما إذا نظرنا لأفعالنا من جهة أخرى فسوف نجد أنها ليست أكثر من تكرار أبدي لنفس الأدوار التي عاشها غيرنا، لننظر إلى دور الأب أو الأم أو الحبيب أو…..إلخ.

للخفة جمالية الطيران والتنقل والجدّة والاكتشاف والمغامرة واللامسؤولية بينما للثقل جمالية الأمان والثبات والهدوء والاستقرار، إنهما وجهان للحياة التي نعيشها دون أن يمكنـنا، بأي شكل، القبض عليها.

{{
الجمع… والطرح}}

نموذجان ميتافيزيقيان متطرّفان للبشر نختارهما من رواية كونديرا “الخلود” الأول يقوم دائماً بعملية الجمع والثاني، بعكس الأول، يقوم بالطرح.

النموذج الأول يمثله الأشخاص الذين يعيشون حياتهم على الجمع، جمع الأصدقاء، جمع المعلومات والأفكار، جمع المال، جمع كل ما يجعلهم يشعرون بوجودهم على نحو خاص ومميز، كل ما يشعرهم بالقوة والسيطرة على الحياة، كل ما يثبت أناهم في العالم وبين الآخرين. بينما يعيش الأشخاص الذين يقومون بالطرح على طرح أفكارهم ومعتقداتهم وشخصياتهم في المجتمع وبين الآخرين كما هي، ودون حساب ورهبة من الأخطاء التي قد يرتكبونها، وبالطبع هذا ما يشعرهم بالتميز والحضور والتفوق على غيرهم. سأوضح الفكرة بمثال أستقيه من رواية “كائن لا تحتمل خفته” حيث يطرح كونديرا فكرته حول النموذج الملحمي والنموذج الغنائي، فهناك أشخاص يبحثون في الحياة عمّن يحبونه من خلال مثال أو صورة مثالية للحبيب ليست موجودة سوى في عقولهم، فمن طبيعة المثال أنه لا يمكن أن يتحقق في الواقع، الناقص دائماً، ولذلك فهم يقضون حياتهم وهم يجمعون الأحبة دون أن يجدوا ضالّتهم، وهم يبدون كمن يجمع فتات الصورة دون أن يستطيع إكمالها، هذا هو النموذج الملحمي. أما النموذج الغنائي فهو على العكس أو هو يبدأ بالمقلوب، فهو يتعامل على أنه هو نفسه المثال الذي يطرح نفسه على التبدل اللانهائي للأحبة، فليس شكل أو محتوى الحبيب من أولوياته، ولا يهتم بتغيير الحبيب أو إصلاحه على طريقة النموذج الملحمي، بل هو يعبره ليترك بصمته الألوهية (المثالية) عليه، دون أن يهتم إن بقيت فعلاً، هو يطرح نفسه دائماً ليثبت ذاته، أمام صورته، التي يحملها عن نفسه.

إن الإبراز الفلسفي للسؤال الميتافيزيقي المضمر في الأدب، والذي اخترنا جزءاً من أدب ميلان كونديرا، وهو الزاخر بهذه الأسئلة، ليعبر عنه، هو إبراز لما يحمله الأدب، بكافة أشكاله، من أسئلة إنسانية وفلسفية لا تني تتجدد. فمن يقرأ شعر درويش أوسان جان بيرس، قصص زكريا تامر أو عزيز نيسين، مسرح سعد الله ونوس أو شكسبير، روايات نيكوس كازانتزاكس أو غابرييل ماركيز أو سلمان رشدي أو جيمس جويس ورابلييه وكويهلو…..والقائمة طويلة، سيدرك عمق الأسئلة الفلسفية والميتافيزيقية التي يطرحها الأدب، لكن بغية تجنب الانخراط في النظريات الفلسفية المقعّدة والمعقّدة، يطرح الأدب أسئلته بشكل أقل مسؤوليةً وأكثر حريةً وانفلاتاً من القواعد الضابطة للنظريات الفلسفية. ومن هنا هذا التداخل العميق للأدب والفلسفة الآتي من وحدة السؤال الميتافيزيقي حول الوجود والمصير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق