الأديان اليوم أو الدين فى عصر الحداثة وما بعدها

{{لماذا نحن فى حاجة إلى الأديان؟}}

لقد اندفع الإنسان، تحت تأثير خوفه من الموت، وجهله وحيرته ممّا يحدث في العالم الآخر، إلى بلورة العديد من الأساطير والأديان. فالإيمان بوجود مفارق أسمى، هو نتيجة لا يمكن القفز فوقها، لإدراك الإنسان أنّه مكوَّن من وحدة الجسديّ-البيولوجيّ من جهة، والعقليّ-الروحانيّ من جهة أخرى؛ وبما يعنيه ذلك من أنّه كائن فان.
والحقّ أنّ عدم التسامح الدينيّ هو السبب وراء القدر المتزايد من العنف والإرهاب. فالتعصّب المتخفّي وراء ذلك التابو (المحرّم)، الذى ندعوه بالدين، هو أحد الآثار الجانبية المتولّدة عن الدّين. فإنّ الله يقدّم نفسه كذريعة أو مبرّر لسعي الإنسان إلى توسيع مدى هيمنته وسطوته على الآخرين. وهكذا، فإنّه وبالرغم ممّا يوجد من اختلافات بين الأديان، بمعنى أنّ البوذية قد تكون أكثر تسامحاً من الكاثوليكية، فإنّ المعاناة التى تسبّبها للإنسان تفوق بكثير ما تقدّمه، عبر وعودها بحياة أبدية أخروية، من سلام للروح.

{{من الذى أعطانا الدين؟}}

يتعذّر على الإنسان ذي العقل الناقد أن يشك في أنّ النوع الإنسانيّ هو الذى اخترع الأديان كافّة. وضمن هذا السياق، فإنّ الحقيقة الوحيدة المؤكّدة هى أنّ كلّ، وأيّ واحد من الأديان والمذاهب المعروفة، يعتبر نفسه الحقّ وحده، وما سواه هو الباطل.
وهنا يُشار إلى أنّ الجانب المركزيّ فى كلّ دين، إنّما يتوافق ويتجاوب مع وضع اللحظة التاريخية التى شهدت ولادته؛ تماماً بمثل ما يمكن القول بأنّ رؤية العالم المنبنية على أنّ الأرض هى مركز الكون geocentric weltanschauung ، تتناسب مع ذهنية العصور الوسطى. ولعلّ مثالاً على ذلك يأتي من أنّ ديانتنا المسيحية لم تعد تتناسب مع الطريقة التى ينظر الجمهور الواسع من خلالها إلى وضعه فى العالم. وأكثر من ذلك فإنّي أتجاسر على القول بأنّ الكتاب المقدّس قد فقد موقعه كمصدر سخيّ لإمدادنا بما هو أساسيّ فى بحثنا عن الله؛ وهو الذى ظلّ يلعب هذا الدور لوقت طويل قبل أن تحلّ محلّه أعمال (أو نصوص) أخرى تقدّم أساساً أفضل لمقاربة الحقيقة (الله).

{{من سفر” تكوين” الأيام الماضية إلى سفر “رؤيا” الزمن الحاضر:}}

من الصعب على المرء، حين يكون على دراية مناسبة بالأمور العلمية، أن يفهم أقوالاً أساسية وردت فى الكتاب المقدّس؛ وذلك من قبيل ما ورد فى الإصحاح الأوّل من سفر التكوين: “وباركهما الله قائلاً أثمري وأكثري”، آية22، وكذا قوله فى الآية 26: “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كلّ الأرض، وعلى كلّ زاحف ممّا يزحف ويدبّ على الأرض”.
فالآية 22 لا تنطوي فقط على ضرب من المفارقة التاريخية التى تقع خارج مجال الإهتمام، بل إنها تمثّل، في الوقت الحاضر، أساساً للإنتحار الجماعيّ، وذلك فيما تقدّم الآية 26 التسويغ لعملية تدمير الكوكب الذى نعيش عليه مع غيرنا من الكائنات المُسخّرة لنا.
فهل يمكن، بعد ذلك، للسردية الكبرى التى ندعوها بالكتاب المقدّس أن تواصل الادّعاء بأنّها لم تزل هى آداتنا فى البحث عن الله حتى اليوم؟

{{الدين والأخلاق:}}

بعد أن فصل العهد الجديد نفسه، وفكّ روابطه مع العهد القديم الذى يفيض بصور الغضب والإنتقام الإلهيّ المرعبة، فإنّ عدداً من الحكايات الجميلة (وفيها أعظم قصّة حُكيت على الإطلاق) قد راحت تُظهر لنا كيف أنّ علينا أن نحيى حياتنا فى أخوّة مسيحية. لكنه يلزم التنويه بأنّ ثمة من الفلسفات الإنسانية ما قد تبلور قبل ميلاد المسيح، وذلك فضلاً عن أنّ فصل الأخلاق عن الدين كان حقيقة مستقرة فى كثير من الثقافات (السابقة على المسيحية).

فهل يمكن القول بأنّ ديانتنا المسيحية هى حقّاً أقرب إلى الحقيقة من الأديان الأخرى؟ وهل أصبحنا من خلالها أكثر إنسانية؟ فقد بشَّر المسيح بالتسامح، وكنّا نحن الذين اضطهدوا الوثنيين وأبادوهم. ولقد كنا نلوّح بالصليب أمام وجوههم، ولكن بعد أن نكون قد سلبناهم ذهبهم وممتلكاتهم.

إنّ مباركة ذوي المناصب الكهنوتية الرفيعة، لماكينة الموت التى تحصد الأرواح، هى أمر يمكن غفرانه والتسامح معه بوصفه خروجاً عن الطريق القويم. ولكن ما يبعث على الأسى حقاً، هو أنّ الكنيسة لم تنجح فى الإمساك بفرصتها الفريدة فى أن تلعب دور القائد الموجّه للجماهير فى الوقت الحاضر. فعلى عكس الساسة الفاشلين، يمكن للكنيسة، حين تعي مسؤليتها، أن تقود خُطى الناس بعيداً عن طريق الهلاك الذى يصيبهم من أنفسهم؛ تماماً بمثل ما تفعل عندما تحذّر “الزناة” من عذاب الجحيم.

{{وقت التجديد:}}

إنّ ديناً جديداً لعالم اليوم لا يمكنه أن يستنفد ذاته فى مجرد الثرثرة بالمفاهيم التقليدية المعروفة للعوام. إذ أنّ الإنسانية قد خطت خطوة صغيرة نحو مرحلة المراهقة منذ ظهور المسيح حتى الآن؛ وأعني من حيث أصبح الفرد الإنسانيّ قادراً على أن يبلور، بنفسه، أفكاره الخاصة حول الله والعالم. وهذا النوع من الإيمان الجديد سوف يتوافق مع مجال خبرة الفرد.

ونحن كلما حاولنا أن نفهم، على نحو أعمق، التفاعلات المثيرة فى الكون أو في الطبيعة الحيّة اللصيقة بنا، فإنّ وجود كائن أسمى سوف يكون أمراً أكثر يقينية. فالحقّ أنّ تجلّيات هذا الموجود الأسمى، إنما تظهر جلية كلّ يوم في ما لا يُحصى من عجائب الطبيعة. تلك العجائب التى يظلّ معها السؤال عن المسبّب الأعظم مفتوحاً أبداً، وذلك بالرغم من التفسيرات التى يقدّمها منهج البحث العلميّ القائم على السببية. فإنّ نظرية داروين فى التطوّر ليست كافية تماماً لتفسير السبب فى أنّ حشرة ما يمكنها، عبر التحوّر إلى ورقة نبات ذابلة، أن تحفظ كلّ النوع الذى تنتمي إليه من الانقراض. ولا تكتفي كلّ التفاصيل التركيبية لتلك الحشرة أن تتكامل، فحسب، في هذه الورقة الذابلة، بل وتظهر فيها كذلك “اللدغات التى تعرّضت لها الحشرة” وهجمات الفطريات عليها.

{{المعجزات:}}

إنّ النتائج الإعجازية لعلم الكونcosmology تقدّم لنا، هى وليس الكتاب المقدّس، نقطة بداية، ذات صدقية قصوى، فى البحث عن الله. فإنه إذا كانت المعجزات هى تجليات الله وعلامات ظهوره، فعندئذ ماذا يعنى إبراء مريض قياساً بصنع المجرّات؟ وكم يكون تافهاً وسخيفاً، ذلك الادّعاء بأنّ ثمّة “إيمان هو وحده الحقّ”؛ ذلك الادّعاء الناتج عن شكل الحياة على سطح كوكب واحد بعينه (هو الأرض)، والذى يكون صحيحاً لجانب منه فقط (أى لبعض سكانه دون غيرهم). إنّ ذلك الضرب من الإيمان لا يمكن أن يستلفت الملاحظة والانتباه مع احتمال وجود حياة على غير كوكب الأرض. والحقّ أنّ العصور الوسطى المظلمة قد وضعت غشاوة على رؤية المؤمنين التقليديين.

{{أنسنة الله:}}

إن أيّ دين سوف يمضي فى الاتجاه الخاطئ إذا ما وضع الإنسان فى مركز الكون كمعيار أوليّ للأشياء. فعندما يتأنسن الله، فإنّه يحوز سمات اللامعقولية، في نظر أولئك الذين نالوا تدريباً علمياً على الأقل.
وهكذا فإنّه إذا كان الله قد صنعنا على صورته، فإنّي لا أقبل به كخالق للكون.
إنّ وصم المؤمن بوصمة الإلحاد، فقط بسسب رفضه أن يعزو إلى الله صفات الإنسان، إنما يكشف عن غطرسة طريقة متحجّرة فى التفكير.
ممّا يبعث الأسى أن الإنسان خليط من الخير والشر.
مع صرف النظر عن الإسم الذى أعطيناه له، فإنّ الله ينبغي، بالضرورة، أن يقف وراء الخير والشرّ.
فى إطار عظمته الشاملة، ولا زمانيته، فإنّ الله أبعد ما يكون عن أفهامنا، ولهذا فإنّ الدفاع عن أيّ صورة مؤنسنة للمبدأ الأسمى، يبدو ببساطة عملاً مربكاً فى الوقت الراهن.

{{العنف:}}

إذا كان الله، من أجل أن يكون قادراً على غفران خطايانا، قد ترك إبنه (لماذا لم يكن بنتاً، ولماذا لم يكن من الجنس الأسود) يُعذّب ويُقتل، فإنّ هذه قصة ذات بنية وخصائص إنسانية، وليست ديناً.

نحن دائماً نعني بتاريخ العالم، تاريخ الحرب والعنف والوحشية التى ينزل بها جانب من البشر على رفاقهم. إنّ ذلك، على نحو ما، ليس تاريخ العالم. ولكم كنّا غاية فى الغرور والغطرسة، حين أخذنا هذه المظاهر الجزئية المخزية كتاريخ للعالم. فتاريخ العالم لا ينكشف لنا من بين أغلفة الكتاب المقدّس الأنيقة، بل من خلال دراسة العلوم الطبيعية. فالدهشة الطفولية فى مواجهة جمال الخلق وأبّهته، والتقدير الصحيح لأهميتنا المتواضعة فى الكون، هى أساس الإيمان الحقيقيّ بالله.

{{الخطيئة:}}

إنّ نظرتنا إلى الله يجب أن تجاوز ما هو إنسانيّ. وإذا كان من المتعذّر أن تعمل أدياننا ذات الطابع الجماهيريّ، كدليل للأخلاق، فإنّ الوقت يكون قد حان لمراجعة مفهوم الخطيئة.

إنّ الجحيم والمطهر ويوم الحساب، كمصادر للتهديد بالعقاب الأخرويّ، إنما توجد فقط كاختراعات إنسانية ذات طبيعة حقوقية وقانونية. وإذا كان مسموحاً لفكرة الخطيئة أن تستمرّ، فإنّها لا بدّ أن تحدّد كلياً مختلف الآثام الإنسانية فى الوقت الحاضر. وأعني أنّ الغريزة الجنسية، والحال كذلك، لا يمكن أن تكون هى الخطيئة، بل الخطيئة تقوم فى التحقّق المنفلت لهذه الغريزة، على نحو تصبح معه مصدراً لازدياد وتفاقم نموّ النوع الإنسانيّ على نحو يؤول إلى دمار الكوكب الذى وهبه الله إياه. ومن جهة أخرى، فإننا نقترف الخطيئة حين نتدخل فى تطوّر نوع أوجنس خلقه الله، فنقوم بإبادة عائلة كاملة من الحيوانات، ولو كان ذلك من أجل أن نفسح مكاناً يتسع لتكاثرنا المطرد. إذ تبقى الخطيئة قائمة بصرف النظر عن هذا القصد (شبه النبيل). وكذلك فإنّ الخطيئة تعنى تدمير أساس الحياة لرفاقنا، على سطح الكوكب، من البشر، وذلك عن طريق تسميم الماء الذى يشربون، وحرمانهم من الهواء الذي يتنفسون من خلال قطع الغابات والعمران الكثيف. (هل يجب أن نقول عن أنفسنا إنّنا أقرب إلى إنسان العصر الحجريّhomo petrifax ، منا إلى الإنسان العاقل؟). إن محاولتنا إقناع رفاقنا فى الإنسانية بحقنا فى إضرام حربنا المقدسة ضدهم، هى أيضاً-ومن غير شك- خطيئة.

وهنا فإنه ليست هناك حاجة لنصائح الكتاب المقدس المنذرة لكى ندفع أذى تلك الانتهاكات، فالعقاب سوف يطال الجميع، سواء كانوا متوّرطين فيها أو غير متورّطين. وبالأخصّ فإنّه سوف يطال ذريتنا. وكذلك فإنه لن يكون هناك غضب أو سخط من الله، بل، وفقط، ستكون هناك النتائج المرعبة لسلوكنا وتصرفاتنا. إنّ نظرة أكثر حداثة على المردود الكارثيّ الذي ينبغي أن يتخلّف عن استغلالنا للكوكب، سوف تنظر إليه على أنه نوع من نظام التحكّم المجنون (الجاياني؟). ولقد فقدت الكنيسة المسيحية فرصة ممتازة لتعمل لخير النوع الإنساني من خلال وقف هذا النموّ. وبالرغم من أنّها كانت غالباً فى وضع يسمح لها بأن تفعل ذلك على مدى تاريخها، فإنها لم تفعل أيّ شيء على الإطلاق. أليس ذلك، بتعريف الكتاب المقدّس، من قبيل الخطيئة؟

{{إرشادات:}}

إنّ علينا أن نبحث عن الله فى مكان آخر، غير الكتاب المقدّس. ربما نبحث عنه في عالم الجسيمات دون المجهرية (التى لا تُرى حتى بالمجهر)، وفى الفضاء ما بين النجوم، وربما فى جانب من جنبات نفوسنا. فإنّ الله يوجد، أينما تنكشف للباحث عنه علامات عمله أو خلقه. إنّ نطاق ما يقبل القياس والتفسير ينتهي، حينما يبدأ نطاق الألوهة.

إنّ كلّ المحاولات الرامية للإجابة عن أسئلة النوع الإنسانيّ: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟، فى شكل صور وقصص مؤنسنة لله قد فشلت تماماً تحت أيّ مسمّى. ولعلّ محاولة جديدة لبناء دين جماهيريّ لا يمكن أن تنجح من دون أن تتضمّن شكلاً شعبوياً للعلم.

إننّي أتصور الله، لا كموجود خُلقنا نحن البشر على صورته، بل كمبدأ متعدّد الأبعاد، وأزليّ لا يُسبر غوره، يقف وراء الزمان والمكان، وخالق لأشكال لا تُحصى من الحياة (نحن من بينها)، فى كون معقّد.
إنّ التواضع العميق فى مواجهة عظمة الخلق وتعقّده، بالإضافة إلى جسارة القبول بما لا يمكن تفسيره (كما هو حال بعض علماء الطبيعة) تمثّل اللبنة الأولى فى بناء هذا الإيمان الجديد.

ينبغى أن تقرّ ديانة الفرد المعاصر بتفاهة الجنس الإنسانيّ وكلّ منجزاته فى إطار المرجعية الكونية. وبمجرّد أن تقبل الجماهير ذلك التصغير والتبخيس للأهمية الكونية للنوع الإنسانيّ، فإنّ الموت؛ الذى هو السبب فى وجود الدين، لن يظلّ يرهب البشر. وأيضاً فإنّ إبطال الجدية التأمّلية المفرطة قد يبشر بميلاد ضرب من سخرية النقد الذاتيّ المفيدة صحياً.

{{الله ذو القوة المطلقة}}

باعتباري قد درجت فى بيئة متسامحة، وغير دوجماطيقية، فإنّ لي مشاكلي الخاصّة بفهم السبب في أنّ كلّ الأديان تتمركز بقوّة حول الجنس الإنسانيّ. فسواء كان البشر من الجنس الأبيض أو الأسود أو الأحمر أو الأصفر، وسواء كانوا قدماء أو محدثين، فإنّ الألهة ورسلهم إلى البشر هم دوماً من الذكور، ودائماً يسلكون مثلنا، فيغضبون ويثأرون ويكافئون… إلخ.
كان إيمان أبي، الذى كشفه حديث شخص بروتستانتيّ فى جنازته – يتمثّل في أنّ الله هو المبدأ الأسمى الذى يقيم في، أو حتى خارج، البعد الرابع (ولعلّ هذا البعد هو الزمان). وإنّنا لن نكون قادرين، فى حالتنا الراهنة، على أن نفهم طبيعة الله، لكن كلّ واحد منا يمكن أن يستشعر طبيعة الله من خلال منطق وجمال خلقه.
لكى نجعل الدين مقبولاً على نحو كونيّ من جهة، وأكثر توافقاً مع زماننا الحاضر من جهة أخرى، فإنّه ينبغى أوّلاً، وقبل كلّ شيء، أن لا نؤنسن مفهوم الله.
• فلنقطع مع تصوّر الحكماء القدامى بأنا خُلقنا على صورته (أي الله).
• ولنقطع مع صورة الله المؤنسن الذى أرسل إبنه ليُعذَب ويُقتَل، حتى يجد السكينة.
• ولنقطع مع صور الألهة-الأبطالman-gods ، الذين أصبحوا فى بعض لحظات التاريخ بمثابة تجسّدات للموجود الأسمى، فى معتقدات كثير من الجماعات الإثنية.
إنّ دراسة الإشراق والبهاء المروّع للكون، والوعي بتفاهة حضورنا داخل انفساحه العظيم، يقدّم لنا- أكثر من أيّ إيمان يكون قد تبلور، من قبل، ليناسب أفهام القدماء- خدمة عظيمة للتغلّب على خوفنا من الموت. وإنّ الإيمان بأنّ الله هو شيء ما على شبه بنا، ولو حتى من بعيد، هو من نتاج التفكير المتمركز حول الذات (الإنسانية)؛ والذى يرتدّ إلى أزمنة كان يُعتقد فيها أنّ الأرض المسطّحة (والإنسان داخلها) هى مركز الكون. وبالطبع فإنّ الإحساس بامتياز فهم جزء بالغ الضئالة من الضخامة الكونية، ومعاينة عظمة وجمال الخلق، هو أكثر إشباعاً لي من أيّ معتقد صنعه الإنسان.
وإنّي لأعجب برؤية Fred Hoyle فى (“الوطن إنما يكون حيث تعصف الريح”1994، ص421):
“إنّ الأديان التى تعتقد فى إله مطلق القدرة تكون بلا معنى، ما لم يؤمن المرء بأنّ الله هو الشرّ الجميل، أو أنه لا يبالي، على الأقلّ، بالشرور التى تحدث (فى الكون).

إذا ما اعتقد المرء فى إله مطلق القدرة، فإنّ عليه أن يعزو لله حسّاً أخلاقياً أدنى من ذلك الخاص بالبشر. وذلك بالضبط ما يشكل أساساً لإدانته.
لكن الحقيقة الفعلية هى أنّ الله ليس مطلق القدرة. فالله لا يمكنه التغلّب على شرور الحاصلة عن الفساد والتفسّخ (في الكون)، لأنّ ذلك ليس أمراً خاضعاً للاختيار[أعتقد أنّ البروفيسور هويل يشير هنا إلى القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية]. فإنه إذا ثمّة كون، فلا بدّ من حضور التفسّخ والفساد فى قلبه، وإذا لم يكن ثمّة فساد، فلن يكون ثمّة كون. فلتختر من بين ذلك ما تشاء”.
إنّ الأديان هى أساطير صنعها الإنسان، وهى تدين بوجودها لما يلي:
*اللغز القديم الخاص بالروح وما بعد الحياة.
*الخوف من الموت.
*إرادة رجال الكهنوت والدوائر العلمانية الموحّدة فى أن تتحكّم فى الجماهير.
ولعلّ الخاصية الثابتة للأديان أنها قد أدخلت الإنسانية فى خضمّ معاناة لا تنتهي من رعب الحروب والإرهاب والاستعباد.
لقد حان وقت التجديد، وإن أيّ إيمان جديد ينبغي أن ينبني على الأبعاد الفردية والعولمية. وفى الأسفل بعض المقترحات المحدّدة لما ينبغي استبعاده من الأديان التقليدية، وكيف يمكن للمرء أن يحدّد نسخته المعاصرة من الدين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق