الأرض والإنسان

لطالما بدا الاهتمام برفع معدّل الوعي البيئي، لعيوننا ـ نحن مواطني العالم الثالث ـ كحالة من الترف الحضاري، تمارس خارج إطار حيواتنا في الشرق.. ننقسم كالعادة بين لا مبال بزيادة التلوّث، وارتفاع منسوب المياه، وتهتّك طبقة الأوزون، أو رأي شخص مبالغ لا يودّ إنجاب أطفال وتربيتهم فوق سطح كرة أرضية مهدّدة بفقدان مواردها، يقول أحدنا: “الكرة الأرضية تغرق بفائض بشريّ شوّه وجهها، واستهلك مياهها، ودّمر اخضرارها. البشر مارسوا قوامة مزوّرة، مُنحوها من نصوص دينية، ولغوية، وسلطوية، ألّفوها لأنفسهم، ولوعيهم. عقل ملتوٍ أنتجوه، أباح لهم سمك البحر، وطيور الجبال، وغزلان الصحارى، استهلكوا جمال الأرض بتخمة جشعة، تخدّروا بنشوة الملكية، فنسوا شركاءهم، من فراشات الغبار الذهبيّ، ودلافين زرق، وحتى حمير “رافسة”. المتطرّفون يقرّون بما يلي: ما يجري لا حلّ له، إلا بفناء العنصر البشريّ، وجوده لم يقدّم، بل أخّر.. لأنّ كرتنا الأرضية وجدت قبل أن نوجد نحن، وعت ذاتها وحقّقت توازنها العبقريّ قبل تدخّل عقولنا الملتوية، الكرة الأرضية اكتمل قوامها، تحقّقت جماليتها، وتنويعات ألوانها، تعشّقت على أجنحة مخلوقاتها البديعة، قبل أن نحضر”نحن” عروضها الساحرة، اكتملت هيئتها قبل ملايين السنين من وجودنا “البشريّ”، وتستطيع الاستمرار بدون تخريبنا، مليارات من سنين أخرى، لكنّنا على عكسها لا نستطيع الوجود إلا على سطح هذا الكوكب، وبشروطه! ومع ذلك، وبكلّ استرخاء، نتعامل مع شرط بقائنا الوحيد بلامبالاة، لا يملكها إلا أشدّ البلهاء غباء وبلادة. تلوّث، وإشعاعات نووية، وفائض أجساد وفضلات.. تصحّر، وحرائق.. مع دمار ذاتي مثل هذا، أوجدت الأرض حلّها، فهي تتحرّر من ثقل جاثم، برميها آلاف البشر، ومقتنياتهم عن حوافّها، بإغراقهم، وتجويعهم، وبنحرهم في الحروب، وقتلهم في الأعاصير، أو حتى بقذفهم، بارتحالات جماعية من شرق إلى غرب، من جنوب إلى شمال، حتى تجد مرتكزاً آخر لمحورها الدائر منذ الأزل..

يقرّ المتشائمون بأنّ الفناء يهدّد الجنس البشريّ، ويعتقد البعض الآخر في عالمنا العربيّ، أنّ الحديث عن البيئة ومشاغل الموارد وخلوّها من التلوّث ومفهوم الفائض والقيمة، هو حديث أوربيّ، هوليوديّ، واستيراد أخرق لهموم من عالم آخر لا يعلم عن عالمنا، عالم الحقيقة، شيئاً، تكلّمهم بكلّ حذر فيجيبونك: برفاهية تتحدّث أنت، عن مفهوم الفائض أمام شعب جائع، برفاهية تناقش الحياة بعد ملايين السنين لأشخاص، لا يتحكّمون بها بعد ساعات، أفلام هوليود تلك، أفسدت وعيك بمشكلاتك اللحظوية، الآنية، الأكثر إلحاحاً، ورمتك إلى المستقبل البعيد، تصديرها لصورة الرعب تلك، الأرض بلا البشر، الخلاء، اليباب، التدمير الذاتي، وكلّ ذاك الهراء، شكّلته الدول الأخرى، صنّعته على شكل رعب خارجيّ، لا يأتي إلا كي يفجّر الكلّ، ويساوي الموت بين الكلّ، فينقذ، أو لا ينقذ المخلّص”العالم” هذا الكلّ!

خطاب تعميميّ، لا يحترم خصوصيات البلدان، ولا تجاربها، ولا ثقافتها، وتمايزها. ما تقول هو تصدير ساذج لمساواة بين بشر، يحرصون أو لا يحرصون على كرتنا الأرضية، وتلك المساواة الهوليودية الكاذبة، بين الجنس البشريّ، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، لم تعد تنطلي على أحد.. مساواة تطالب الكلّ بدفع ثمن حياة لم يعيشوها، وفائض غذاء لم يتذوّقوه، وأوكسيجين باذخ لم يتنفسّوه.

{{“الجنس البشري، كرتنا الأرضية”}}

تعمّم أنت، ونحن لا زلنا يا صديقي نتحدّث عن، شمال وجنوب، بوسنيّ وصربيّ، عن سوريّ ولبنانيّ، عن حمصيّ وحلبي، عن سنّي وشيعيّ، مسيحيّ ومسلم، عن امرأة ورجل، عن أسود، وأصفر، وأبيض.. وأنت بببغائية ممضّة، تستورد قناعات توحيدية، عولمية، مرفّهة، تعامل العبد والسيّد، الحاكم والمحكوم، الجلّاد والضحية، بنفس المعيار، معيار من يسكن هذه الكرة “كرتنا الأرضية”، بينما الأساس هو الصراع، عالمنا قائم عليه، البقاء والفناء لهما معايير مختلفة، البقاء ليس للأقوى فقط، بل للأخبث، للأدهى، للأقسى، البقاء للفاسدين حتى العمق، لمزوّري الحقائق، ومشوّهي التاريخ، البقاء لكتّابه المنتصرين، وأنت برفاهية وانفتاح وتجرّد، وتثاقف، وتعالٍ، تتحدّث من جحرك الذي تسكنه، في عالم ثالث، أو عالم أخير، تتحدّث بحبّ، ورغبة في إنقاذ كرة أرضية، توهمك كرويتها بالمساواة!

أقول: “الأرض” كوكب خلّاب والوردة فيها أعجوبة لن تتكرّر إلا على سطحها، مجرّات هائلة لم تستطع تطوير جناح فراشة خافق، عوالم جرداء باردة وغبارها جليديّ تحيط بكوكبنا المضاء بقمر.. على سطحها نغيب مع صور حبيبات سابقات، وأخريات نحتضن أيديهم بدفء التمنّي، نبحر في فضاء خارجيّ لنرى ألوان كوكب حيّ، لنا فيه وجه يضحك، وروح نابضة تتذكّرنا، الكرة الأرضية كاملة الهيئة، أرها تتنفّس، تتحشرج وأتمنّى أن أحمل كيس قمامة عملاقا وأنظّف السطوح من مرور مؤذ على قممها، وسهولها ، ووديانها ، وأنهارها، وكلّ تنويعات قزحية على ثوب حسناء عشقناها كلّنا وخنّا رجالنا، نساؤنا معها، على جسدها، بزواياها الملتوية وعتمة مغيب شمسها، تمرّغنا بحرارتها، وبرودتها، غرقنا ببحورها، وبكلّ ما منحته لأجسادنا من لذّات مجانية، أتمنّى أن أمرّ بكلّ بلد لأتذوّق خصوصيته، طعماته، أدوخ بعبق روائحه، أتمنّى أن تسطع شموس بمختلف درجات الضياء على تفاصيل أخزنها في الذاكرة احتفالا بمروري على الأرض، أتمنّى عيدا ممتدّا من عواطف مسفوحة كرمى لخاطرها، أتمنى أن أحضن كلّ حبيباتي في وجهكِ العتيق، أتذكّركِ أجمل الكواكب..

احتراما لقدسية كوكب نتشارك جماله أكتب أسطرا كي نتذكّر جميعنا كم مُنحنا وكم أغدقت علينا العطايا منها، هي الأرض كوكب لنا..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق