الأزمة الاقتصادية الراهنة، أزمة حقيقية للحداثة

كثر الحديث عن أسباب الأزمة الراهنة، وكثرت مقارنتها أيضا بالأزمات السابقة وبأزمة الانهيار المالي لعام 1929 على وجه الخصوص. وهي مقارنة غير موفّقة بعض الشيء. ذلك أنّ أصل الأزمة الحالية يرجع إلى انفجار الفقاعة العقارية بالولايات المتحدة، إلى جانب تواجد كثيف لقروض سكنية عالية المخاطر.

يجب، من أجل فهم أسباب الأزمة، أن نفهم العوامل التي سمحت وسهّلت تطوّر قروض المخاطر المذكورة. وتنقسم هذه العوامل إلى فئتين أساسيتين.

لنبدأ أوّلا بعروض القروض التي تجمع جلّ العوامل المفسِّرة. كيف كان ممكنا للقطاع المالي، أن يمنح قروضا عالية المخاطر، بطريقة غاية في السخاء؟ الأسباب ترتبط بالتحوّل الذي شهده هذا القطاع خلال العشرينية الأخيرة، وقد وقعت مناقشتها بصورة ضافية.

كما نوقشت كذلك آلية التسنيد (titrisation) الأساسية التي تسمح بتقاسم الأخطار على صعيد السوق المالية بأكملها وبإسقاط المسؤولية عن كل مُقـِرض تجاه مخاطر عدم سداد القروض التي يمنحها. تمثل هذه الآلية، في حدّ ذاتها، تقدّما عظيما للقطاع المالي، غير أنّ الإعلام حول نوعية مطالبات الديون، يتلاشى مع الأسف، مع المخاطر، إلى درجة تصبح فيها قدرة السوق على القيام بتقييم ذاتي لوضعها الصحي منعدمة تقريبا. أمّا بقية القصة فهي معروفة: انفجار الفقاعة، انتشار سريع (لآثارها السلبية) في سوق معولمة على نحو واسع، أزمة ثقة، و أخيرا انتقال (العدوى) إلى الاقتصاد الحقيقي.

من ناحية الطلبـات، كيف يمكن للفاعلين الاقتصاديين أن يكونوا متهافتين على القروض إلى هذه الدرجة؟ إنّ إجابة – ساذجة- عن هذا السؤال توحي بالقول بأنّ الأُسر تذهب في الاقتراض إلى أقصى حدّ يسمح لها به. إلا أنّ جموحها، في الحالات العادية، عن التداين يضاهي جموح المُقرضين عن الإقراض. ولها في ذلك أسباب وجيهة: فالحصول على قرض من قروض الرهائن العقارية subprime يساوي المخاطرة بمصادرة العقار في حال العجز عن تسديد الدين. فلماذا إذن هذا الإقبال القويّ على القروض؟ إنه، بدون شك، ناتج عن تفاقم التفاوت في الدخل منذ ثلاثة عقود. إنها على كل حال الحجة الأكثر احتمالا.

فبعد انخفاض متواصل للفوارق استمر طيلة “ثلاثينية الرفاه” وارتقاء سريع، ما بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، إلى مستويات من الرخاء، مقبولة من الطبقات المتوسطة والفقيرة، شاهدنا انتكاس الدينامكية منذ بداية الثمانينات. مذ ذلك التاريخ، صار الأثرياء يثرون بنسق أسرع من الفقراء، ويستولون على كامل ثمار النمو تقريبا.

يمكن الاعتقاد بأنه كان صعبا على الفئات الأكثر فقرا أن تقبل بانتكاسة دينامكيتها الاجتماعية، وهذا ما دفع بها إلى ملء هذا البون المتنامي بين مستوى معيشتها ومستوى معيشة الطبقات المرفهة عن طريق الاقتراض. وهكذا، ففي حين نمت فوارق الدخل بقوة خلال عقدين ونصف بالولايات المتحدة، نرى أن فوارق الاستهلاك بقيت مستقرة على حالها أو تكاد. لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بزيادة الطلب على القروض من طرف الذين هم أكثر فقرا.

وسواء تعلق الأمر بالزيادة في عروض أو في طلبات القروض، فالأسباب الرئيسية للأزمة بدأت ترتسم أمامنا. إنها تلتقي حول نقطة مشتركة: فهي ما كان لها أن ترى النور لولا اختراع الحاسوب والإنترنت.

فمن ناحية العرض، نرى أن أوالية التسنيد (le mécanisme de titrisation) والتعقيد اللامحدود تقريبا لعمليات التوسط المالي والزيادة الأسِيّة في حجم المبادلات، ما كان لها أن توجد لولا تطوّر الإمكانيات الخارقة للحساب ومعالجة المعطيات التي وفـّرها لنا الحاسوب والانترنت. ثم إن افتراضية التبادل هي التي يسّرت كذلك، بقسط كبير، التعتيم المحاسبي وجُنَح العالمين ببواطن الأمور الاقتصادية les délits d’initiés وكل تجاوزات مواقع الهيمنة الأخرى، مميعة إياها في سيل هائل من الصفقات والمعلومات اليومية.

أما من ناحية الطلب، فالعلاقة تبدو أقل وضوحا. وهي تتصل بالعوامل التفسيرية لزيادة الفوارق التي تكلمنا عنها آنفا. لقد أعد خبراء الاقتصاد قائمة تحتوي على عدد من العوامل المفسِّرة لهذه الظاهرة: الصدمات البترولية، تطوّر قطاع الخدمات في الاقتصاد، سياسة الصرامة الاقتصادية لبداية الثمانينات، ظهور التكنولوجيات الحديثة. وتمثل هذه الأخيرة، من بين العوامل الأخرى، أحسن تفسير للتفاقم الهيكلي والمستمر للفوارق وعدم المساواة. وهو ما يعبر عنه الاقتصاديون بالتقدم التقني المنحرف.

{{مقارنات بالية}}

خلال “ثلاثينية الرفاه ” كان التجديد أو الابتكار أساسا ذا طبيعة صناعية، وكان يتمثل إجماليا في صنع أدوات- آلية أكثر تجلية وأرفع أداءً. نتج عن هذا تزايد إنتاجية الشغالين وبالتالي تحسّن أجورهم أيضا. غير أن ظهور الحاسوب أشّر إلى مقاربة مختلفة. فهو مُكمِّل لعمل الإطار (فالإطارات هم المستعملون الأمثل للحواسيب) ومُعوِّض لعمل الكاتبة. ترتفع إنتاجية الكوادر مع “الثورة التكنولوجية” وبالتالي تتحسن أجورهم، ونحرز في النهاية على تزايد في الفوارق. كحوصلة إذن نقول: بلا ثورة تكنولوجية ليس هناك زيادة مستمرة في الفوارق وبالتالي ليس هناك زيادة في الإقبال على القروض من طرف الذين هم أكثر فقرا.

ويتضح من هذا، أن أسباب الأزمة، من ناحية العرض كما من ناحية الطلب، تنحدر من الانبثاق الحديث للتكنولوجيات الجديدة. عندئذ، لماذا لا نتخلـّص – إلى حد ما – من مقارنات بالية للأزمة الحالية بأزمة الانهيار المالي لسنة 1929، ونحاول صياغة تأويل بديل عنها: فقد تكون الأزمة الراهنة، أزمة ًحقيقية للحداثة، وحصيلة ً للابتكارات السريعة ذات النتائج المبهمة وغير المستوعبة، حتى ولو بقيت، بطبيعة الحال، آليات انتشارها داخل الاقتصاد الحقيقي على إثر اختلالها الوظيفي الأوّلي، مطابقة لآليات انتشار معظم الأزمات، بما في ذلك أزمة 1929.

الكاتب: توماس بريدا، دكتور في الاقتصاد بمدرسة الترشيح العليا – فرنسا.

نشر المقال بصحيفة “لومند” بتاريخ 01- أفريل/نيسان 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق