الأزمة السورية، في جانب منها: غياب الحلقات الوسيطة وانقطاع بين الأجيال

أطلق أحد السياسيين السوريين ما يشبه الطرفة إذ قال: “إن الرئيس السوري هو أصغر السياسيين السوريين سنّاً”. وبدا حينها أن هذه المفارقة تعبّر عن واقع الحال، ولكن بإضافة صغيرة وهي أن الرئيس الحالي هو أصغر السياسيين سنّاً بحكم منصبه، وهو وإن جاء من بيت سياسي إلا أنه لم يُعرَف سابقاً بانشغاله بالسياسة، بل عُرِف بانشغاله الأكاديمي إلى أن اقتضت ظروف مقتل شقيقه الأكبر التحول من الحقل الأكاديمي إلى الحقل السياسي.

يبلغ الرئيس السوري حوالي الأربعين عاماً، أي أن التصنيف الجيلي يفترض وجود جيلين تاليين له ممّن يحقّ لهم الاقتراع في سوريا، وإذا أخذنا بالمقولة السابقة فهذا يعني أن الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشر والأربعين، أو قد تتجاوز الأربعين، يشاركون في الاقتراع من دون معرفة بالسياسة أو خبرة بالعمل السياسي. طبعاً هذا على الصعيد الشكلي، فالنسبة الغالبة من هؤلاء لا تشارك في عمليات الاقتراع في ظل عملية سياسية تفتقد المنافسة الحقيقية. أما إذا أضفنا إلى ذلك كله ما يوصف به المجتمع السوري من حيث أنه مجتمع شاب، يتشكّل بغالبيته ممّن هم دون الخامسة والثلاثين، فإن النتيجة التي نخلص إليها هي أن الأغلبية الساحقة من السوريين “مجرّدة” من السياسة. وهذه الخلاصة البسيطة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تفحّص ما دامت محاولات المعارضة السورية، في السنوات الستّ الماضية، لم تثمر عن إعادة السياسة إلى المجتمع، أو جرّ المجتمع إلى السياسة، وعلى العكس من ذلك يبدو المجتمع السوري اليوم أكثر انفضاضاً عن نخبه السياسية، سواء تلك التي في السلطة أو التي في المعارضة.

عندما تسلم الرئيس الحالي منصبه لم يكن أصغر القادة السياسيين سناً وحسب، بل كان أيضاً الأصغر سناً من بين مَنْ يشغلون المناصب الإدارية العليا في سوريا، وهذه الحالة الخاصة لا يُقاس عليها حيث إنها تُعدّ خروجاً عن المألوف السوري. وللتذكير فإن أول منصب شغله الرئيس الحالي، بعد وفاة الرئيس الأب، هو منصب قائد الجيش والقوات المسلحة، إذ تم ترفيعه من رتبة عقيد إلى رتبة فريق في خروج عن التراتبية في أعتى مؤسساتها وهي المؤسسة العسكرية.

لا نريد من الكلام السابق الإيحاء بخروج عن بيروقراطية سورية قائمة بالمعنى المؤسسي الناضج، أو حتى بالمعنى البدائي، فتجربة دولة الاستقلال لم تكد تبدأ حتى انقلبت عليها “ثورة” البعث. وللتذكير أيضاً فإن أول منصب شغله الرئيس الراحل حافظ الأسد كان منصب وزير الدفاع وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، وكان حينها في رتبة لواء التي لا تتناسب مع هذا السنّ. وإذا استرجعنا تجربة الراحل في الحكم نلاحظ بسهولة أن جميع الذين تحكموا في مفاصل الدولة ينتمون جيليّاً إلى عمر الرئيس، وقد بقي هذا الجيل مسيطراً على مراكز القرار لثلاثة عقود بلا منافسة من الأجيال التالية، وفي الواقع لم تسمح هذه المجموعة إطلاقاً بأن ينازعها أحد على مراكز نفوذها. لكن هذه الهيمنة، في أحد وجوهها، يمكن النظر إليها على أنها هيمنة جيليّة أعاقت التطور الطبيعي للحياة العامة، مثلما أعاقت إمكانيات تطوير الحكم نفسه حين افتقد الحكم حيوية الحوار التي تضخها الدماء الجديدة.

لقد لفتت ظاهرة ابتعاد الشباب السوري عن السياسة انتباه الكثيرين، وحاول البعض تقصّي أحوال الشباب واهتماماتهم، وخلال السنوات الأخيرة نُشر أكثر من تحقيق أو استطلاع حول هذا الموضوع، وأظهرت هذه التحقيقات إلى حدّ ما حجم الفجوة الجيليّة والمفهومية، بين شبان في مقتبل العمر وطبقة سياسية تعاني في معظمها من أمراض الشيخوخة. لكن النقص في هذه الدراسات يتجلى في التركيز على جيلين متباعدين، ومجافاة الطبيعة بالبحث عن تقارب بينهما، من دون الأخذ بالحسبان الحلقات الوسيطة المناط بها القيام بهذا الدور. وفي هذا يتم القفز على عقدين، وجيلين، كانت فيهما الطبقة السياسية إما مغيَّبة في المعتقلات، أو تجتر أيامها في السلطة. إن لحظة القطع لم تبدأ اليوم، وأي توصيف لها سيبقى منقوصاً ما لم يُبحث في جذورها التي ترجع، كما نعتقد، إلى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ونعني بذلك تقصّي أحوال من كانوا في سنّ الجامعة حينها، فهذا هو الجيل الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي، في حالة شديدة الخصوصية إذ لا نرى من أفراد هذا الجيل مَن يحتل مكانة مرموقة سواه، أو على الأقل لا نجد من أفراد هذا الجيل مَن يحتل المكانة التي يستحقها بموجب كفاءته، فحيثما تسود المحسوبيات لا يمكننا الأخذ بعين الاعتبار ما يُبنى على العصبيات أو الفساد.

أدرك حكم البعث مبكراً أهمية وخطورة الشباب، ففي ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية، “الحاكمة” منذ أوائل السبعينات، أبقى العمل السياسي في صفوف الجيش والطلبة حكراً على البعث، مانعاً بذلك حتى الأحزاب التي تشاركه الحكم من النشاط في أهم قطاعين للشباب. ومع ذلك بقيت الجامعات السورية حتى عقد الثمانينات ساحة للنشاط السياسي فغالبية من اعتُقلوا حينها كانوا طلاباً في الجامعة، سواء كانوا من اليساريين أو الإسلاميين، بل إن نسبة جيدة منهم كانت من بين الطلاب المتفوقين. ولهذا أُطلقت يد الأجهزة الأمنية فاستبيحت الجامعة واعتقل الآلاف، وفي عقد الثمانينات أصبح يُنظر إلى أي نشاط جامعي على أنه محل شبهة، بما في ذلك النشاطات الفنية والأدبية.

لم تقتصر حرب السلطة على خصومها، بل امتدت إلى كل ما من شأنه أن يصبح مدعاة للاجتماع بين أفراد هذا الجيل. وفي الواقع، عاش أبناء هذا الجيل حالة من الرعب لم تشهد لها سوريا مثيلاً، إذ لم يعد معروفاً ما هو المسموح أو الممنوع ما دام تدخل الأجهزة الأمنية في كافة مفاصل الحياة هو القانون. إننا نتحدث عن الرعب الحقيقي الذي يشلّ فاعلية البشر، لذا ليس من المستغرب في هذا الجو أن تتعزز ظاهرة الاستزلام، وأن تصبح حصانة أي شخص أو مكانته مرتبطتين بمدى قربه من السلطة، وتحديداً المفاصل الأمنية. ولم يقف الأمر عند حدّ هيمنة هذه الأجهزة على الحياة العامة بل تعداه إلى الهيمنة على حزب البعث نفسه، فانحرفت مؤسسة الحزب لتصبح بمثابة ذراع أمنية أخرى للنظام، قبل أن يتم تهميشها هي الأخرى، ونتيجة لذلك افتقد الحزب الحاكم الكوادر الجديدة المؤهلة مما ينفي ما أُشيع قبل سنوات عن وجود حرس قديم وحرس جديد، وعندما استُبدلت القيادات البعثية القديمة بأخرى جديدة لم تكن الكوادر الجديدة سوى عناصر ترعرعت هي الأخرى في ظل المحسوبية والاستزلام.

لم يكن عقد التسعينات أفضل حالاً من سابقه، وقد أصاب أحد المحللين عندما وصفه بأنه يمثل المرحلة البريجنيفية في سوريا. أما الأجيال التي شبّت في هذا العقد فوجدت نفسها وسط بقايا من الرعب القديم، مضافاً إليها حالة مزمنة من انعدام الأمل. وللتذكير، فإن أجهزة استقبال البث الفضائي لم تنتشر إلا في النصف الثاني من التسعينات. ولا نستطيع حتى الآن الحديث عن انتشار لشبكة الإنترنت بما يقترب من النسب العالمية؟ وهذا التوضيح ضروري لبيان حالة العزلة عن ثقافة العصر التي عاشتها تلك الأجيال.

إن الابن الشرعي لتلك المرحلة يكاد يكون ذلك الفاسد، الأمّي ثقافياً، المتجرد عن القيم الأخلاقية لصالح انتهازيته الرخيصة. ومع ذلك لم تعدم تلك المرحلة ظهور مواهب جديدة، وخاصة في المجالين الفني والثقافي، لكن اليأس سرعان ما تسلل إلى بعض تلك المواهب، فيما امتلك بعضها ما يكفي من العناد ليستمر من دون الحصول على فرص حقيقية. ففي المجال الثقافي أيضاً، بقيت الهيمنة للكتّاب الذين عُرفوا في ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، لا بسبب احتلالهم لمواقع سلطوية ولكن بسبب إسناد المفاصل الثقافية إلى موظفين عديمي الموهبة، جلّ اهتمامهم هو التكسب، وبالتالي محاربة كل جديد إذا كان أكثر جدارة منهم. وعلى وجه الإجمال عُطِّلت الحياة. وبينما كان الآلاف معتقلين خلف القضبان، تم اعتقال المجتمع بأكمله وشلّ فاعليته، مثل أي محكوم بالمؤبد. لم يكن حينها حاضر ومستقبل السوريين يَعِدان بالجديد.

لا نسترجع تلك المرحلة بوصفها تاريخاً، فآثارها السلبية، والمدمرة أحياناً، ما تزال ماثلة وفاعلة إلى الآن، ويكفي أن نشير إلى بعض الأخلاقيات الموروثة عنها. فعندما تغيب المؤسسات، وتسود ظاهرة الاستزلام، يفقد العمل قيمته الحياتية والأخلاقية معاً. وحيث فكّت الثقافة السائدة الارتباط بين الكفاءة أو الجهد والمردود نشأت أجيال لا تؤمن بالعمل أو التراكم، بل تبحث عن الربح السريع، واغتنام الفرص أسوة بأثرياء الفساد الذين لم يعد يُنظر إليهم كظاهرة مشينة. على العكس من ذلك أضحت سلوكياتهم المبتذلة، كحديثي نعمة، مصدر إلهام لشريحة من الشباب السوري.

وإذا بدأ حكم البعث بتحطيم طبقة الإقطاع، المتداخلة مع رأسمالية ناشئة، فقد أجهز في المرحلة التالية على الطبقة المتوسطة. وعبر رأسمالية الدولة، المدججة باستبداد آسيوي، تحولت الكتلة الأكبر من المجتمع السوري إلى أُجراء عند الدولة، حيث تعرضت هذه الكتلة إلى إفقار مضطرد تحت شعار مخاتل هو زيادة الأجور. وفي الواقع موَّل الحكم زيادة الأجور بالتضخم ورفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والخدمات، أي أنه استردّ بالشمال أضعاف ما دفعه باليمين. وهذه العملية لم تتوقف إلى الآن، بل زادت وضوحاً مع دعوات المسؤولين إلى التخلي عن الدور الاجتماعي للدولة، ومع التحول إلى اقتصاد السوق الاحتكاري تحت لافتة مخادعة هي “اقتصاد السوق الاجتماعي”. ثمة حلقة وسيطة لم تعد اليوم قائمة بالفعل، فالمجتمع السوري بات ينقسم إلى طبقتين: قلة من أثرياء الفساد، بأخلاقياتهم التي أشرنا إليها سابقاً، مقابل السواد الأعظم من الفقراء. ومن المعلوم أن الطبقة المتوسطة هي موضع الحراك الاجتماعي بمعناه الشامل، وكلما اتسع حجم هذه الطبقة ازدادت حيوية المجتمع، وتعززت فرص التحولات السلمية. وفي المقابل، دللت التجارب على أن غياب الطبقة المتوسطة أفسح المجال لنزعات التطرف والعنف، ونعني بذلك العنف المعنوي والمادي، الظاهر منه والكامن.

ودّع السوريون مرحلة من تاريخهم، لكنهم لم يغادروها بالفعل، وهناك ظاهرة “احتباس” سوري على أكثر من صعيد، وإلى درجة تدعو البعض إلى التسليم بالحل البيولوجي، وانتظار انقراض أجيال كاملة بما تحمله من مفاهيم. ولربما كان الجانب الاجتماعي هو الأكثر خطورة على المدى البعيد، حيث تبدو اللوحة قاتمة ومقطّعة الأوصال، ولهذا فإن غياب الصراع الاجتماعي والسياسي لا يدلل على استقرار مجتمعي بقدر ما يدلل على غياب الحوار المجتمعي، وانعدام التواصل الداخلي بما هو آلية لصناعة التسويات. وإذا أضفنا إلى ذلك ما يمتاز به المجتمع السوري من تعددية أثنية ودينية، فإن المشكلة تتفاقم مع الضغوط التي يتعرض لها هذا المجتمع حالياً من خاصرتيه العراقية واللبنانية، وتزداد الخشية من أن يتحول القَطع إلى قطيعة، فيما لم يستطع السوريون إلى الآن إنجاز القطيعة المطلوبة حقاً مع مرحلة بائسة من ماضيهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق