الأستذة وتضييع الجهود

لم تتمكن الأحزاب السورية المعارضة من تشكيل إطار لمشروع عمل جماعي أو شبه جماعي يتفق المتشاركون فيه على الحد الأدنى الممكن الاتفاق عليه فيما بينها ليتم إنجازه في برنامج زمني محدد بالرغم من أن الجميع تقريبا يتحدث عن مشروع تغيير وطني ديمقراطي سلمي ومتدرج، وقد شكل التجمع وإعلان دمشق لاحقا إطارا هشا قلقا لم يصمد أمام ابسط الاستحقاقات التمهيدية، وفي تقديري أن هناك عدد من الأسباب تقف وراء ذلك منها :

1- أن بعضا من الأحزاب المشاركة في هذه المشاريع أو المبادرة إليها تسقط الأيديولوجية الحزبية الخاصة بها على مشاريع العمل الجماعي أو الثنائي حتى وتطلب ضمنا من الآخرين التخلي عن هويتهم السياسية الخاصة والإقرار بطروحات تلك الأحزاب، والبعض الآخر من المشاركين أو المبادرين يريد من الأحزاب الأخرى أن تقرّ له بأهدافه الخاصة الغير مقبولة لديها ” مثل أصحاب المشاريع الانفصالية ” كشرط مسبق من شروط المشاركة، مما يؤدي إلى عدم فاعلية هذه المشاريع وفشلها باعتبار أن كل حزب يتمسك عادة بطروحاته.

2- معظم الناشطين القدماء في العمل العام و بالكاد نستطيع أن نصفهم بالسياسيين يكون همهم الرئيسي في النقاشات و الحوارات التي تضم ممثلين عن أكثر من حزب أو تيار سياسي أن يمارسوا نوع من الأستذة على الآخرين معتبرين أن لهم وحدهم الحق والقدرة على تحديد ما له أفق وما ليس له أفق في المشاريع السياسية وهم يوّصّفون ويقيّمون البرامج السياسية للأحزاب الأخرى قبل دراستها بما يتوافق مع فهمهم المعوج لها ومع عقائدهم التي حملوها منذ أكثر من نصف قرن ولم يطرأ عليها أدنى قدر من التطوير الجدي بالرغم من رمي الناس لها خلف ظهورهم، معتمدين في أستذتهم على أنهم أمضوا عمرهم في العمل السياسي أو أنهم قضوا فترات من الاعتقال في سجون النظام، هذه الأستذة الممجوجة تنفّر المشاركين في الحوار وتجعله بالنتيجة فاشلا، بسبب عدم الخوض فعليا بالأمور الجوهرية المجدية، مع إقرارنا القاطع بوجود شخصيات هامه وقامات عالية في العمل السياسي المعارض تستحق فائق الاحترام والتقدير.

3- تستند معظم اللقاءات بين هؤلاء المعارضين أنفسهم إلى فكرة التجييش و التجميع والتجمّع بغض النظر عن مدى التوافق الحقيقي بين الحاضرين أو بغض النظر عن وعي وإدراك طبيعة هذا التجمع ومدى انسجامه أو بالتحديد على أي أساس يقوم، و فكرة التجييش هذه هي من أخص خصائص النظم والأحزاب الشمولية.

4- الأحزاب التي تعتبر نفسها عريقة نظرا لعمرها الطويل تمارس نوع من التسخيف والتهميش بحق ما تعتبره أحزابا حديثة حتى ولو كانت هذه الأحزاب الحديثة لها أضعاف عددها من الأنصار ولها برنامج سياسي معلن، وعلى الخصوص تبرز حالة ملفته من العداء والنفي والإقصاء ضد الأحزاب والتيارات الليبرالية السورية مورست أكثر من مرة من قبل أساتذة الأحزاب القديمة الذين يمارسون عداءا سافرا بحق الأحزاب والتيارات الليبرالية ويصفونها بما ليس فيها وليس من طبيعتها وهذه مسالة تستحق الوقوف عندها وبحثها لأن النفي والإقصاء هنا يأتي من أحزاب سياسية تدعي الديمقراطية وتطالب بحرية التعبير ويقع النفي على تيار فكري سياسي له الحق في التعبير عن نفسه وطرح برامجه السياسية للمواطن السوري والمواطن السوري هو وحده صاحب الحق في تحديد أي البرامج السياسية يؤيد من مجمل البرامج السياسية المطروحة على الساحة والتي ينبغي أن تكون متنوعة وتغطي كامل الطيف السياسي الموجود على الساحة السياسية السورية ليكون الخيار فاعلا ومنتجا للفائدة على مستوى الوطن وهذه الازدواجية بالمعايير تخلق ردود فعل تضر بالعمل السياسي في سورية.

5- من يمارسون الأستذة أنفسهم يطعنون العمل السياسي المعارض في سورية ويشتتونه بإلقاء التهمة بالعمالة للنظام وأجهزته الأمنية على كل الأحزاب والتيارات السياسية السورية المختلفة معهم بالفكر وبالممارسة أيضا مما يلقي حالة من الشك وفقدان المصداقية على اللقاءات و الحوارات التي تتم بين مجموعات من الأشخاص والأحزاب أيضا، وبدون شك فإن لبعض أجهزة النظام وأصابعه دورا رئيسيا ومصلحة واضحة في هذا الموضوع .

أخلص إلى القول أن مجرد العمر الطويل للحزب أو للشخص لا يعطيه بحد ذاته أية شرعية خاصة ولا يعطيه أية أفضلية على غيره بل على العكس من ذلك فإن الأحزاب القديمة ومن ناحية منطقية مسؤولة مسؤولية مباشرة عما وصلت إليه أحوال البلاد والعباد وإن كانت أحزاب السلطة وبدون شك تتحمل القدر الأكبر من المسؤولية. ومن ناحية أخرى فإن كون الشخص معتقلا في ” سجون النظام ” لمدة من الزمن قد تطول أو تقصر لا يمنحه الشرعية الفكرية والسياسية بشكل تلقائي لأن العمل السياسي والفكري يحتاج إلى مقومات أخرى ،وقولنا هذا لا يشكل استهانة بتضحية المعتقلين بأي شكل من الأشكال فنحن نقف بخشوع أمام تضحيات معتقلي الرأي ، ولكن المقصود أن الاعتقال بحد ذاته لا يعطي منفردا الشرعية القيادية والفكرية لمن عاناه ،وبكل الأحوال فإني أقترح الابتعاد عن الشخصنة في العمل السياسي وعن التقييم والتوصيف للآخرين والحوار ينبغي أن يكون حول الحد الأدنى الممكن أن يتم التوافق عليه وأن يتم الحوار بهدوء وروية وبدون إقصاء لأي هوية سياسية ليشكل مشروعا أوليا وبدون شروط لعمل سياسي مشترك متعدد الأطراف ومتنوع المشارب ومتنوع في غاياته النهائية ما يقدم فائدة جلّى للبلاد وهو خير من الاجترار الذي لا خير فيه القائم حاليا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This