الأسطورة: التأويل الفلسفي (2/2)

ننشر القسم الثاني من البحث القيّم الذي كتبه بول ريكور وترجمه الأاستاذ علي المخلبي بعد أن نشرنا [القسم الأول->http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D9%88%D9%8A%D9%84.html].

{{ الأسطورة وتاريخ الخلاص:}}

يرتكز تاريخ الخلاص، وهو أنموذج عن الأدبيات العبرية وخاصة الكتب الستة L’Hexateuque، على منظومة سردية قريبة من الأسطورة، مع الاختلاف في البنية والقصد. ففي حين تربط الأسطورة الزمن التاريخي بالزمن الأساسي، يصل تاريخ الخلاص الإعلان عن الإيمان بسرد وقائع الإنقاذ. وما ورد في سفر التثنية (XXVI, 5-9) مثال قويّ على ذلك. إنه قطعا ليس حكاية أسطورية في المعنى الدقيق الذي ذكرناه منذ حين، إنه “حكايةٌ-اعترافٌ” يغطّي تاريخ إسرائيل منذ الهبوط إلى مصر إلى المنِّ عليهم بالأرض مرورا بالحدث المؤسّس وهو الخروج. هذا المقطع الكبير، المنظّم حول حدث مركزيّ، والمحدود بحدثين ظاهرةٌ زَمَنِيَّتُهُمَا، يكوِّن بنية متقبِّلة بالنسبة إلى حكايات وأخبار من أصول مختلفة، وجدت نفسها، بشكل ما، مدسوسة، في فضاء الحكاية الأمّ. وهكذا جاءت قصة الآباء البطولية، إضافة إلى وحي الاسم في جبل حوريب Horeb، ووحي وثائق التشريع الكبرى في سيناء، والمسيرة إلى الصحراء، لتحشر في البنية الأولى الممتدّة إلى ما لانهاية. ويمكننا أن نلاحظ مدى تنوّع الموادّ غير السردية: كالتجلِّي الإلهي والوثائق القانونية الخ. لقد انجذب محرّرو التراث الياهوهي yahwiste والإلوهيمي élohiste إلى مدار جاذبية الاعتقاد القديم الذي بدأه السلف الآرامي، بطل الهبوط إلى مصر، فوسّعوا الخطاطة السردية إلى الخلف بطريقة تستوعب، عبر امتداد متكرّر للشكل ذاته، إشارة الأجداد، ومجموع قصص الآباء البطولية، وأخيرا أساطير الأصول.

إنّ خطابا يتميّز جنسه تميّزا كبيرا شأن حكايات الخلق، الواردة من العهد الثقافي الأكادي والسومري والكنعاني، استطاع أن يندمج في تاريخ الخلاص بفضل هذا التضخم للخطاطة السردية، وللنصوص التي أغنته، وللجاذبية التي سلّطها على وثائق أخرى. يمكن، من ناحية، أن نتكلّم عن تحويل الأسطورة إلى حدث تاريخيّ في علاقته بتاريخ الخلاص: فحدث الخلق جاء على رأس أحداث الإنقاذ باعتباره أوّل حدث للخلاص. ونحن نفهم كيف أصبح هذا ممكنا: إنّ قصص الآباء البطولية، كانت تُمَكِّنُ، إذ تصعد نحو جدّ أوّل، من التعامل مع أساطير الخلق باعتبارها مقدّمة لتاريخ الشعوب التي يصوّرها الآباء، وهذا التاريخ نفسه، كان يشغل محلّ المقدّمة، في تلاوة نصّ عقيدة الخروج. ويمكن أن نرى التحام شكليْ الخطاب في مستوى رسالة إبراهيم التي تغلق تاريخ البدايات وتدشِّنُ تاريخ الآباء.

لكننا نستطيع، من ناحية أخرى، أن نتحدث عن أسطرة تاريخ الخلاص في ارتباطه بحكايات الأصل؛ فكلّ أسطورة هي، في المعنى الصارم للكلمة، أسطورة خلق: فقديما، في الأزمنة الأولى، خلق الله، أو خلقت الآلهة؛ فالأصل ونشأة الكون متزامنان إذن. ولكن الأسطورة تتوقّف عن كونها نشكونية cosmogonique، في المعنى الدقيق للكلمة، إذا اعتبرنا أفعال الخلق والتأسيس والمؤسسات، وقد جاءت بعد الخلق، خلقا متواصلا، إنّ حكاية النشأة الإنسانية l’anthropogonie تواصل النشكونية cosmogonie المندمجة هي ذاتها في حكاية الأصول. وهذه النشكونية تمتد، بدورها، إلى زمن الهدم، إلى زمن “اللاخلق” الذي دشّن هو أيضا أمرا، ألا وهو وضع الإنسان الحالي (بما هو): شرير، متألم، فانٍ؛ ومن هنا أساطير الكارثة الكونية، والتغيّرات العنيفة، والسقطات؛ ومن هنا كذلك ازدواج الأصل: إنسان كامل في الأصل، أو الإنسان الحالي الذي ظهر عن الكارثة الأولى.

إننا نفهم كيف اصطدم تاريخ الخلاص، وإن كان له أصل مستقلّ مقارنة بالبنية الأسطورية، مع الأسطورة التي يحتويها. فالفعل المنقذ يمكن أن يكونَ خلقا جديدا، بداية من جديد. وأسطورة الطوفان في هذا المجال مثال مفيد؛ إنها أسطورة خلق مرتبطة بأسطورة عجز، بأسطورة هدم. وهكذا فكلّ حكاية تجدُّدٍ تغوص في قوّة الأسطورة بفضل هذا التقارب العميق: فكلّ شيء يبدأ في هذا العالم هو بداية عالم. إنَّنا لا نفهم الخلق إلاّ عبر إعادة الخلق، ولكن للخلق، في المقابل، هيبةَ ذلك الذي بدأ ذات مرة، في الزمن الأوّل il illo tempore. هذا سيؤدي إلى تحول كل القوة المجازية والخيالية، وكل قوة الأنموذج الأول للطقس، وكل الانفعال العميق الخاص بالمقدس، نحو الخلق الجديد. إنّ أهمّ مسألة تطرح على نقد الكتاب المقدّس هي فهم كيف تحمّلت البنية الخاصة لتاريخ الخلاص قوى الأسطورة (قوى تمثيلية، واستبدالية، وانفعالية). إنّ تركيز شعب عبر الفعل المنقذ يصبح إذن المفتاح التاريخي للخلق قبل التاريخي.

{{* الأسطورة والحكاية الأخروية Eschatologie:}}

هنالك حدٌّ ثانٍ لمجال الأسطورة يحتاج إلى اكتشاف: إنه الحدّ الذي يجمعه بالحكاية الأخروية؛ هنا أيضا نحن أمام شكلين من الخطاب متمايزين، موجّهين بقصدين دلاليين ذوَيْ سمات مختلفة، ولكنّهما تَمَكَّنَا من الاندماج بفضل بعض الضروريات الداخلية لمحتوياتهما ممّا أعطى ما يمكن تسميته بالأساطير الأخروية.

من حيث المبدأ، الأسطورة والحكاية الأخروية بنيتان مختلفتان، وارتباط الأولى بتاريخ الخلاص والثانية بالنبوّة يفهمنا ذلك بشكل أفضل. ما تشترك فيه الأسطورة مع تاريخ الخلاص هو التفاتهما المشترك نحو الماضي، ولذلك فهما يشتركان في شكل مخصوص هو الحكاية. ولقد استطاع ج. فون راد G. von Rad أن يعتبر المهمة الرئيسية لتيولوجيا العهد القديم هي الاعتناء بفهم هذه الثنائية المتمثلة في خطابين كبيرين تتوزّع حولهما كلّ أشكال الخطاب الأخرى.

هنالك، فعلا، طريقتان مختلفتان جدّا لتشكيل التراث: فنحن، من ناحية، نعيد أفعالا تأسيسية، ومن ناحية أخرى، نعلن عن اقتصاد جديد للتاريخ. فالنبوّة تفترض زمن الحكاية ولكن لتقطع معه. إنّها تفترضه على أساس أنّ زمن النبوّة لا يمكن أن يكون إلاّ زمن المبادرات المقدّسة، زمن تاريخ مع الله. ولكنّ النبوة تقطع مع زمن الحكاية، أَوَّلاً من حيث أنها مشدودة إلى التاريخ الفعليّ وليس إلى تقاليد مؤلّفة: إنها تقول الحدث الوشيك (التهديد الأشوري الذي يبدو في أفق رسالة عاموس Amos وإشعيا Isaïe، وتهديد الشمال الذي يمثله البابليون الجدد عند إرمياء Jérémie، وصعود فارس على عهد سيروس Cyrus بالنسبة إلى إشعيا الثاني)؛ يطبّق الرسل على هذه الأحداث وعلى وقوعها الوشيك، مقولات تاريخ الخلاص في شكله الرسميّ، وذلك لكسر هذا التاريخ ذاته. فالنبوّة تعمل على خرق الحكاية: هنالك تدخّل جديد وشيك للربّ Jahvé سيحجب التدخّل القديم. إنه إذن إله الأفعال المحرّرة، ولكنه بصدد إرساء تاريخ جديد؛ هذا التاريخ الذي يُعْرَضُ قياسا على شاكلة خروج جديد، وحلف جديد.

هكذا، وبضربة واحدة، بدا كلّ الماضي “استعارةً”: فالأرض الموعودة تصبح رمزا لما لم نصلْ إليه. هنالك نبرة مستقبلية تجديدية تفجّر كلّ مقولات الحكاية؛ فالقطيعة ضرورية فعلا لتأسيس تاريخ جديد، وهي قطيعة مُمَثَّلَةٌ في الحساب الذي هو علامة على انهيار كل أنواع الأمن؛ إنّ النبوّة هي أوّلا التراث المكسور، واستنفاذ تاريخ الذي مضى للخلاص، و”إبطال” الحادث؛ وعلى أساس هذا النسخ للماضي أُعْلِنَ عن إقحام أفعال جديدة خارج عهد الخلاص، وهي أفعال تحريرية تُنْشَدُ ضمن الاعتراف الذي يأتي في شكل روائي. هذه هي النبوة، الضدّ بالنسبة إلى الحكاية. ورغم ذلك فإنّ على النبوّة أن تعقد حلفا جديدا مع الأسطورة وذلك في شكل هو شكل الحكاية الأخروية.

لقد قلنا سابقا كيف اندمجت الأسطورة وتاريخ الخلاص ليعطيا فكرتين، الأولى فكرة الخلق مفهوما باعتبارها أول فعل تحريريّ، والثانية فكرة التحرير مفهوما باعتباره فعلا خالقا. إن الحكاية الأخروية، وخصوصا في الأدب المتأخّر للسنن العبري، تعرض شكلا للنبوة قادرا على عقد حلف جديد مع الأسطورة. فالحكاية الأخروية باعتبارها تمثيلا للنهايات الأخيرة، نوع من النبوة، ولكنها خارج التاريخ، في نهاية التاريخ. وفي حين تنشدّ النبوة إلى الحدث الوشيك داخل التاريخ، تعلن الحكاية الأخروية عن خلق جديد، آت من هناك، وذلك بمناسبة كارثة كونية.

ولئن تمكنت هذه البنية الجديدة من أن تصبح هي بدورها أسطورية رغم التقابل البيِّن بين الوعد بشيء مخالف، وتكرار الشيء نفسه، فهذا أمر نفهمه دون عناء. فإذا أصررنا، في المقابل، على جدَّة الخلق أكثر من إصرارنا على قدمه، فإن أسطورة الأصل يمكن أن تصبح لا أسطورة الأساس الذي مضى، بل أسطورة كل أساس آت في المستقبل؛ فلقد رأينا أن الأسطورة يمكنها أن تروي نشأة الأشياء الجديدة، وقبل ذلك نشأة الإنسان والإنسان الجديد، في عالم موجود ها هنا. وفي هذا الإطار فإن الطقس هو بلا ريب عامل يجعل الأسطورة مستقبليةً. إن التأمل في الأصل يمكن أن يتحول إلى المستقبل بواسطة الفعل النموذجي للطقس الذي يرجع الوضع الأصل إلى الوجود الحاضر. وبهذا المعنى فإن ذاكرة الخلق هي من الوهلة الأولى وعد بالمستقبل؛ والأسطورة من خلال خاصيتها النموذجية، مثال عن كل فعل خلق وافد؛ فكل ولادة جديدة تلخص الولادة الأولى؛ وكل البدايات هي بدايات من جديد. هكذا، وفي مهرجان السنة الجديدة الكبير في بابل، كل سنة جديدة هي شريك في اليوم الأول.

وبهذا يمكننا أن نفهم تولد المعنى بين أسطورة البداية وأسطورة النهاية كما يلي: كل بدايات الماضي هي بدرجات معينة، أساطير نهاية وذلك حتى تكون أساطير بدايات جديدة؛ هنالك خلفنا نهايات متعددة للعالم، وعودات كثيرة للعماء، وانبثاقات. بل إننا نجد، في حكايات ولادة الآلهة وأنسابها، نهاية بعض الآلهة، و”ميتات الآلهة”؛ فخلع مردوخ Mardouk هو نهاية الآلهة القديمة؛(1) وزيوس Zeus يعني موت كرونوسCronos؛ والتراجيديا تروي نهاية غضب الإيرينياس Erinnyes وتقدُّمَ أبولو Apollon، إله النور؛ فكل خلق جديد هو نهاية خلق، نهاية عمر من أعمار العالم؛ وهكذا فمن الطوفان نهايةُ عالم وانبثاقُ آخر. إضافة إلى ذلك فأساطير النهاية تبقى أساطير من حيث أنها تنقل إلى النهاية القوة الافتتاحية التي للأسطورة.

والحالة المعاكسة بديهية: فبما أن الحكاية الأخروية تأخذ نماذجها من أساطير الخلق، فإنها تفشل في عرض افتتاح عهد جديد بشكل يختلف عن استعادة العهد الأصلي. وفي هذا المعنى، يسمح بالقول إن أساطير النهاية تبقى أساطير طالما أنها ظلت أساطير استعادة. ويمكننا التساؤل عندئذ إن كانت الحكاية الأخروية، حين تشحن بقوة الأسطورة، تفقد شيئا من قصدية معناها، هذا المعنى الذي يقابل بشكل جذري الأسطورة. إن التبشير بملكوت الربّ، باعتباره تنبؤا بقدوم الربّ، ليس تكرارا للأصول، بل هو شيء آخر تماما؛ وفي هذا الصدد فمن الشرعي أن نقول إننا لا نتوصَّل إلى لبِّ معنى التبشير بملكوت الربِّ إلاّ بواسطة إلغاء الثقل الأسطوري، في المعنى الدقيق للكلمة، أي عبر العودة إلى لحظة بداية النبوة التي تضع فاصلا، من حساب وموت، بين تكرار الذات والوعد بما يخالفها.

{{* الأسطورة والحكمة:}}

ليس من المؤكد أن هذه الصلة المضاعفة بين الفضاء الأسطوري وفضاء تاريخ الخلاص من ناحية، وبين الفضاء الأسطوري وفضاء النبوة والحكاية الأخروية من ناحية أخرى، تستنزف إمكانات التبادل بين الأسطورة وأشكال أخرى من الخطاب، تحمل هي أيضا أنماطا مختلفة من التفكير. إن حدود الأسطورة مع الأدب الحكمي sapientiale، أو، باختصار، مع الحكمة، تحتاج إلى فحص بالعناية ذاتها التي فحصنا بها الحدَّين السابقين. ورغم أن هذا الأدب في شكله المكتوب يبدو متأخرا عن تاريخ السُّننِ وعن النبوة، فإنّ له فيما يبدو وجودا خفيا داخل الأسطورة ذاتها. إن الحكمة، قبل أن توزع نصائحها على الإنسان، تمثل محاولة لاكتشاف العالم حتى تباشر تنوعه الشديد وتتحكم فيه. وبهذا الاعتبار، نتج عن عملية الاكتشاف هذه جملة تصنيفات الحيوانات، والنباتات، والحجارة، إضافة إلى تصنيفات الشعوب والحوادث، وخصوصا التصنيفات الثنائية (ذكر- أنثى، سماء – أرض، نور – ديجور، كائن حي – كائن جامد، روح – جسد، أهلي – وحشي، طاهر – مدنس، جنة – صحراء، شجرة الحياة– نبات عقيم)؛ وبصفة عامة إن كل عمليات تسمية الأشياء المخلوقة تعبر عن علاقة الكون بشكل تفكيرنا.

هذا الحدّ بين الأسطورة والحكمة المثليّة، شبيه في عدم يقينيته بالأسطورة. كما بينها التحليل البنيوي؛ فهي تستند، في مستوى فكري لاشعوري، على منطق في التصنيف شبيه بهذا ولكننا يمكن أن نقول إن ما تفعله الحكمة بوعي تفعله الأسطورة بلا وعي. ونحن لا نستطيع احتقار هذا النشاط الـحكمي المثلي: إن الوصفات الطقوسية ذاتها تستند إلى تصنيفات من هذا النوع وهي تصنيفات تطبع الأساس المشترك للفكر الديني والفكر العلمي؛ فالإنسان، من خلال إطلاق الاسم، يبحث عن دلالة، عن نظام؛ ومن هذا جهة الحكمية المثليّة، لا تقف الأسطورة مع الأمثولة fable، ولكنها ترتبط مباشرة بالبنية التحتية للتفكير. إن نتائج هذه الدرجة الأولى من الحكمة المثليّة هامة: فمن خلال التصنيف يتخذ الفكر موقفا حيال غموض الواقع؛ إنه يقطع بين التشابه والاختلاف، وبين القرابة والتقابل، وبين التواصل والقطيعة، وبين نعم ولا.

ويمكن لهذه المسارات الاستكشافية أن تطبق، على أساس من هذا التنظيم، على الإنسان ذاته، في مواجهة الفوضى الظاهرة في الحياة الإنسانية؛ فيتلقى البحث عن المعنى هنا، بعدا وجوديا، ولكن دون تغيير وجهة البحث بشكل جذري. ولا تتخذ الحكمة مدًى أخلاقيا إلاّ في حالة ظهر فيها العالم باعتباره معنى مهدَّدًا: فأن تعرف العالم، هو أن تكون قادرا على أن تعيش فيه وأنت تواجه العبث.

وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن لأساطير الأصل نفسِها بعدا حكميا، إذ أنّ فهم كيف بدأت الأشياء، يعني معرفة ما تعنيه الآن وأي مستقبل ستواصل فتحه أمام الإنسان. إن أساطير السقوط تبدو حقا محققة وظيفة استعادة المعنى هذه، وذلك في ظروف من الفوضى واليأس؛ فهي تعمل على تحقيق نوع من التوافق مع المناطق المظلمة في التجربة الإنسانية؛ وتمثل واجهة الليل التي ينبغي على الإنسان أن يعيش معها. ولكن الحكمة تضيف دائما إلى إنشاد الأصل، استرجاع المعنى في وضع راهن مليء بالتهديد والشكّ. والحكمة تُولِجُ أيضا في قلب الأسطورة قوةَ السؤال: لمَ لم تكن الحياة بَرَكَةً فحسب بل كانت لعنة أيضا؟ لمَ لا نجد الجنة، بل الصحراء؟ لمَ لا نجد المتعة بل العمل؟ لمَ لا تكون الطبيعة صديقة بل حيوانات وحشية؟ لمَ لا نجد الحب فحسب، بل نجد معه آلام المخاض؟ لمَ لا يكون جمال الجسد العاري، بل الحياء والطهر؟ لمَ لا تكون قوانينُ تعطي الحياة، بل قوانين تولّد الانتهاك؟ لمَ لا يكون فرح الحياة، بل الانتهاء إلى التراب؟ إن الأسطورة، بإجابتها على هذه الأسئلة، وبتقديمها عالما ذا دلالة للتجربة الإنسانية، تُطوِّر حكمة من أجل الحياة.

إذن بإعادة بناء تقابلات الأسطورة وبقية أشكال الخطاب وبوضع تخطيط إجمالي للعبة التبادلات بين كل أشكال الخطاب هذه، نستطيع أن نبرز أفقا لمعنى تسعى من خلاله الحكايات والأساطير والنبوات والحكمة معا إلى تأليف لغة كلية قد يتصالح فيها الصوت والإشارة، والإنشاد والحركة الطقسية، ودقة التمييزات وعمق العاطفة، والذاكرة والأمل. إن الأسطورة، بمتاخمتها بقية أشكال الخطاب، تحصل على دلالتها العميقة، المتمثلة في، حسب عبارة جان بول أودي Jean-Paul Audet (الذي عمل، بجهد، على إعادة الدلالة للأدب الحكمي)، اقتراح “استبداد كلي” بكامل ميراث طائفة ما.

{{3- الأسطورة والفلسفة:}}

يمكن العودة، في نهايات هذا البحث، إلى السؤال الذي طُرِحَ في المقدمة والخاص بلقاء رؤية الأسطورة للعالم بما تقتضيه الفلسفة. سنكتفي هنا بالقضايا التي تطرحها الأسطورة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، مع الإبقاء رغم ذلك، على التعارض البدئي بين الميتوس واللوغوس في الفلسفة الإغريقية باعتبارها خيطا موصلا. حقا إن الفلسفة الحديثة والمعاصرة تعيد ابتكار هذا التعارض ذاته في أشكال متعددة. ومن وسائل بيان هذا التعارض هو تأطيره في مستوى التمثيلات، في المعنى الذي أعطيناه عند تقديم اللازمة الأولى لتعريف الأسطورة باعتبارها حكاية الأصول. فعلا، إن الفلسفة تلتقي بالأسطورة وطموحها الابستيمولوجي، أولا باعتبارها تمثيلا. فتصبح عندئذ قضية ميتوس-لوغوس قضية “تمثيل-مفهوم”. فإذا كانت الفلسفة هي التفكير بالمفهوم فإن السؤال هو أن نعرف إن كان التمثيل الذي تنقله الأسطورة يمكن أخذه باعتباره صورة قبلية للمفهوم. هنالك إجابتان ممكنتان: إمّا أن التمثيل يمكن إرجاعه إلى المفهوم (وحينئذ لمَ كل هذا الالتفاف الذي أبرزت نظريات المجاز القديمة تفاهته؟)، أو على العكس إذا تمسكنا بعدم إرجاع التمثيل إلى المفهوم، فماذا عن مهمة العقلانية؟.

إن إجابات كانط Kant وهيغل Hegel عن هذه المفارقة مفيدة بشكل قوي. فهذان الفيلسوفان، وبطريقتين مختلفتين، يحاولان التمسك بأولية المفهوم (بمعان مختلفة للكلمة، والحق يقال)، مع المحافظة على أهمية التمثيل. والحلان اللذان اقترحاهما يمكن اعتبارهما أنموذجين فلسفيين لم يُتَجاوَزا بعدُ. كل ما سنثيره من نقاشات أخرى، يفترض، بطريقة أو بأخرى، التنازع الناشئ من التقابل بين كانط وهيغل.

{{التأويل الكانطي للميثولوجيا:}}

لا ينبغي أن نبحث، عن إجابة كانط عن سؤال وضع التمثيل في اقتصاد الفلسفة، في الدين في حدود العقل البسيط فقط. إن كامل مشروع فلسفة الحدود هو الذي يعطي معناه لهذه الإجابة الجزئية. إن ادعاء معرفة أشياء مطلقة، في فلسفة الحدود، خارج دائرة التجربة الحسية والمعرفة العلمية متهم بالوهم؛ وبهذا المعنى يسقط العالم الأسطوري تحت نقد كانط لـ”الوهم المتعالي” الذي لا يشمل الحجج الكلاسيكية للميتافيزيقا فحسب، بل كل المواقف الخاصة بالخوارق التي تروجها ثقافة عظيمة.

ولكن فلسفة كانط ليست مجرد فلسفة وضعية. فإذا كان هناك وهم متعال، فلأن العقل لا يُخْتَصَرُ في الفاهمة ويفرض ما لا يخضع للشرط على رأس السلسلة الكاملة من الشروط؛ وما لا يخضع للشرط هذا يمكن أن يكون “مفكرا فيه” pensé، لا “معروفا” “connu”. هذا الاختلاف بين فكر وعرف، ملحقا بنقد الوهم المتعالي، يفتح تأويلا ممكنا لعالم الأساطير. فعلا، فإذا أدينت الأسطورة باعتبارها ميتافيزيقا ضمنية، فإنها قابلة لتلقِّي معنى من خلال صلتها بما لا يخضع للشرط. ولكن أي معنى.؟ بالنسبة إلى كانط لا يمكن أن يكون هذا المعنى إلاّ معنى أخلاقيا. إن خرق الحدود الوحيد الذي لا يؤدي إلى العودة إلى “الوهم” المتعالي هو موقف حريتنا في صلتها بالأخلاق.

إنه على هذا الأساس العملي فقط يمكن بسط “مسلمات” تخص الله والخلود والحرية. وعلى خلفية مسلمات العقل العملي هذه يمكن للفلسفة أن تفهم “في حدود العقل البسيط” شيئا عن التمثيلات الدينية. وهذا أمر ممكن للفلسفة بل واجب عليها، ما أن تُوَاجِهَ مشكلة الشرّ. إن إمكانية التغلب على الشر هي إمكانية أن تكون الحرية حقيقة وليس مجرد إلزام أو حلم. ومن هنا يصبح ارتكاز الأمل العقلاني على تمثيلات تصوِّرُ انتصار “المبدإ الطيِّب” على “الخبيث” مقبولا. فالفلسفة لا تفهم ما يمكن تسميته بالرسوم البيانية لـ”لانتصار على الشر” أو ما يسمى برموزه لا في حدودها فحسب بل في تخومها كذلك، إلاّ باعتبارها “مجازات” تدعم الأمل العقلاني.

طبعا، لم يفكر كانط في الأساطير، بل في المسيحية؛ ولكنه لا مانع أن نوسّع تصوّر كانط لـ”رمزية”، في مستوى الخيال، وتصوّره لطلب المعنى الذي يصدر عن العقل ذاته، نحو مجمل رؤية العالم التي عرضناها سابقا. يمكن أن نجد وخصوصا في باريرغا Parerga الدين في حدود العقل البسيط لبّ التأويل الكانطي للميثولوجيا. فعلا، إنّ كانط يعني بالـباريرغا، التمثيلات التي لم تعد في حدود العقل البسيط فحسب بل في تخومه كذلك. وهكذا فإن فلسفةً للحدود، وهي في نفس الوقت، فلسفةٌ عملية، لا تستطيع مباشرة حقيقة الكون الأسطوري إلاّ باعتبارها معرفة للتخوم.

ولكن ثمن كل هذا باهظ، إن الأساطير ليست قابلة للفهم إلاّ عند تجريدها من كل مدًى تأمّليّ وعند ربطها بالوظيفة العملية للعقل، أي، في النهاية، عند ربطها بشروط تحقق الحرية الإنسانية. وبهذا المعنى يمكن القول إنّ كانط قد فتح الطريق أمام تأويل وجوديّ للأساطير.

{{هيغل والتمثيلات الدينية:}}

يفتح هيغل إمكانية أخرى، فالتمثيلات الدينية ليست، بالنسبة إليه، ماوراء au-delà حاجز حَدَّدَهُ العقل الذي يراقب ذاته. إنها، بالعكس، أمام en deçà اكتمال للمعرفة، داخل وعي الروح المطلق بذاته. إن التمثيلات الدينية ليست، إذن، في تخوم الحدّ؛ إنها تنتمي إلى المرحلة قبل الأخيرة لمسار ينتهي عند المعرفة المطلقة. بل إن الأمر أكثر من هذا، إذ لا يمكن أن يكون محتوى الدين ومحتوى الفلسفة مختلفين، لأنه لا يمكن أن يكون هنالك وعيان ذاتيان للروح المطلق. إن الدين والفلسفة لا يختلفان في المضمون بل في درجة المعرفة. فالدين يبقى في مجال التمثيل؛ أمّا الفلسفة فهي وحدها التي تلج مجال المفهوم. وبهذا يكسر هيغل الإطار الضيق للفلسفة العملية الكانطية ويعيد للكون الأسطوري، ضمنيا، صلته بالحقيقة التأملية.

ولكن أي صلة؟ كيف الخروج من التعارض المتمثل في أن التمثيل إمّا أن يكون زائدا، وإمّا أن يكون ضروريا؟. ما يبقى من عمل هيغل هو تصوّرُ تنظيم هرمي لعالم التمثيل وديناميكية تحمل التمثيل نحو المفهوم بفعل حركة قهرية لـ”الإلغاء” Aufhebung. وما يقابل، في فلسفة الدين عند هيغل، العالم الأسطوري هو الدرجتان الأوليان لما يسميه الدين: “الدين الطبيعي”، و”الدين الجمالي-الأخلاقي”. وعالم التمثيل في السجلَّيْن مبرر تماما؛ ففي التمثيل يتلقَّى الروح المطلق حقيقة جوهرية، لا تنفك عن التحوّل إلى وعي ذاتي وإلى مفهوم. لكن لا بدّ من الرجوع دائما إلى نقطة الانطلاق هذه حيث يكون الروح شيئا، حجرا؛ ذلك أننا نتثبت دائما، من خلال التصوير الحسي، من أن الروح ليس بعيدا عنا، وأنَّ له القدرة على التعريف بنفسه، وأنه عرّف بنفسه. ولكن، وفي نفس الوقت، فإنّ مهمّة بيان أنّ هذا الاغتراب يحمل في ذاته لزوم تجاوزه هي مهمّة الفلسفة. ويمكن إرجاع الإقرار القائل “لا بدّ من أن يموت الوثن ليولد الرمز” إلى التأثير الهيغلي. فموت الأوثان هو الذي يضع فعلا علامات ارتقاء التمثيل نحو المفهوم.

هنالك، أوّلا، موت التمثيلات الطبيعية، أي ما يمكن تسميته اليوم، مع ميرسيا إلياد، بـ”الرموز الكونية”. ورغم ذلك فهذه الرموز هي التي تغذّي بقوّتها الدفينة فعل الإظهار حيال المطلق كل الرموز العليا التي تتمركز على أساسها. إن موت الرموز الطبيعية قد اكتمل في الفنّ الإغريقي والديانة الإغريقية؛ وخلافا للرموز الكونية والحيوانية، بل خلافا لرمزية الهرم والمسلّة الهندسية obélisque، فإنّ التمثال الإغريقي ذات؛ على أنه يجب الاتجاه نحو موت ثان، هو موت الصورة الهيلينية ذاتها. لقد طُبِعَ موت “التمثال” الإغريقي هذا بميلاد الكوميديا، وبجوّانية الذات في الشخصية القانونية الرومانية. ولقد رافقه شعور كبير بالتعاسة والفراغ. وفي هذه المناسبة أعلن هيغل الكلمة المشهورة “مات الربّ” آخذا إياها من النشيد اللوثري ليوم الجمعة المقدّس.

وعلى أساس الموت هذا تنبثق الظاهرة الوحيدة التي يقول عنها هيغل إنها “تجلّي” الروح بما هو هنا étant-là، أي التجسيد المسيحي. بيد أنّ سياق الموت، هنا أيضا، ينتمي، ضرورة، إلى استئثار الطائفة بمعنى هذا التجلّي المطلق. فعلا، إن سيادة التمثيل لم يبطلها التجسيد؛ لقد أخذت هذه السيادة، فقط، شكل الحدث الجديد، من ناحية، وشكل تأويل الطائفة له من ناحية أخرى. ولهذا وجب إعادة تأويل كلّ المحتوى التأمّليّ للمسيحية في لغة المفهوم.

سيبقى التساؤل حول إن لم يكن هيغل، في الحقيقة، قد أذاب الكون الأسطوريّ للتمثيل بوضعه في المرحلة قبل الأخيرة لمسار ينتهي في المعرفة المطلقة، مثلما فعل ذلك كانط في فلسفة للحدود تترك خارج حقلها ما لا تستطيع إدخاله في دائرتها، وإن أخذت عنها، بشكل ما، من الخارج، نظرة حدودية؛ سيبقى هذا التساؤل محلّ نقاش لمدّة طويلة.

يبدو، رغم كل ذلك، أنّ هيغل قد وضع، لعلم أصول التفسير Herméneutique المعاصر، جملة من القواعد لو يستطع هذا العلم تجاوزها. أوّلا: للتمثيل الأسطوري معنى، ويتمثل هذا المعنى في جعل المطلق ظاهرا بيننا. ثانيا: هذا المعنى يكمن، أساسا، في التمثيلات الأكثر مادية التي تعطي امتلاء جوهريا لتعابير المطلق. ثالثا، إنّ التمثيل ليس رسما جامدا، بل هو حركية فكرٍ يسعى إلى إلغاء ذاته في المفهوم؛ وفي هذا الإطار، يمكن القول إنّ هيغل قد أرسى المبدأ القائل بأنّ التأويل لا يكون خارج الموضوع المؤوَّلِ، وإنما هو ما تقتضيه الرمزية ذاتها، والتي تباشر، بطريقة ما، تفسيرها الذاتي؛ فالتمثيل، كما يقول لوثر عن الكتاب المقدس، “يؤوِّل نفسه”. رابعا، يحتوي فعل التأويل هذا على مرحلة فانية، ولا ينبغي أن يدهشنا هذا، فلقد قابلنا، دون انقطاع، موضوع الموت هذا، موت عالم بما هو شرط لكل خلق عهد جديد. وهذا الموت ليس هو ما يقوله التمثيل فحسب، و-المثال على ذلك في رمزية يوم الحساب وغضب الربّ التي تقلب حكاية الأصول إلى نبوءة نهاية-، بل هذا الموت هو ما يعمل داخل نسيج التمثيل ذاته: إن الرمز هو تمثيل مَيِّتٌ باتجاه المفهوم. أخيرا، إن الوجهة ذات الدلالة، وسهم المعنى الذي يشقّ كل هذه الحركيات، تهدف إلى انبثاق رمزية أنموذجية هي الوعي ذاته وقد سكنه المطلق. هكذا بَرَّرَتْ الفلسفةُ، أو إن جاز القول تولّت الفلسفة، هذه الخاصية التي ينتهي بها هذا البحث حول قصد الأسطورة الدلالي، وهذه الخاصية هي أنّ الأسطورة لا يكون لها معنى إلاّ في تعدد أصوات كل أشكال الخطاب في أفق “استبداد كلّيّ”.

إن التراوح بين كانط وهيغل محيّر؛ فنحن لا نستطيع قطعا أخذهما معا وإضافتهما إلى بعضهما؛ ولكننا نستطيع على الأقل الحدّ من تناقضهما عبر نوع من التعديل المتبادل. فمن ناحية، يوشك تقليص كانط، عالم “العقائد” إلى الممارسة أن يربط مصيرها بمذهب أخلاقيّ؛ فلا بدَّ إذن من التذكير، مع نيتشة، بأنّ “ربّ الأخلاق فقط هو الذي وقع دحضه”. ولكن طموح هيغل إلى المعرفة المطلقة لا تخلو من شبهة: فأين يقف الفيلسوف فعلا؟ وهل هو خارج لعبة التمثيل كلها؟

أليس من الممكن عندئذ إعادة اكتشاف معنى للأخلاق ذاتها ينطلق لا من فكرة الواجب والضرورة بقدر ما ينطلق من فكرة الدافع التي تحثّ العبد نحو الحرية. فإذا فهمنا الأخلاق بهذه الكيفية، باعتبارها مجموع شروط تحقيق الحرية، فكلّ فهم للذات، إذن، فهم أخلاقيّ ويمكن أن نجزم أنّ المعرفة الرمزية هي المنعطف الطويل الذي تكتشف، من خلاله، الذات شروط تَأَسُّسِهَا الخاص. أليست وظيفة الأسطورة الأولى هي تأسيس الزمن التاريخي؟

إن كانط، من هذه الوجهة، أكثر غنى ممّا يبدو عليه من الوهلة الأولى؛ فالعالم الأسطوري لا يمدُّ من إحساسنا بالواجب الذي لا يمكن أن نُضيفَ إليه شيئا؛ إنه لا يجيب على السؤال: “ماذا عليَّ أن أفعلَ؟” بل على السؤال: “ماذا يمكنني أن آملَ؟”، وهو سؤال يتقيد داخل ضرورة إنهاء كل موضوع الإرادة. وفي المقابل، ألا يمكننا القول إن كانط يعدِّل من هيغل؟ إذ المعرفة المطلقة ليست خارج كل مسار التمثيل؛ إنها داخله، تسقيه وتضمن له حركيته وعمل تدميره الذاتي. وبهذا الفهم، لا يضاف المفهوم إلى التمثيل، إنه نور التمثيل الداخلي؛ وهذه الحقيقة التي تَبْحَثُ عن ذاتها ليست شيئا آخر غير وعينا بالمطلق داخلنا. وإذا كان الأمر كذلك، فلا مجال للاختيار بين التأويل العملي الخالص للرمزية الأسطورية وبين تأويلها التأملي: إن الأسطورة، من خلال قصدها الدلالي، تصوّر وحدتهما. ولا مجال كذلك للاختيار بين التمثيل والمفهوم: فالتمثيل الأسطوري، من خلال قصده الدلالي دائما، يهدف إلى كلية المعنى هذه، التي سمَّاها هيغل بحق “مفهوما”، والتي تسعف، في نفس الوقت، المفهوم بهذا التبسيط الذي سمّاه كانط: “فنا مخفيا في أعماق الطبيعة”.

{{هامش}}

1- إن تنصيب مردوخ هو الذي مثّل نهاية الآلهة البابلية القديمة كما تخبرنا بذلك الإينوماإيليش (م).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق