الأعمال الشعرية الألمانية لراينر ماريا ريلكه في ديارنا: عاصفتي إلهية لا أحد يستطيع أن يتحملها / حسن عبّاس

لماذا نقرأ أشعار راينر ماريا ريلكه بعد نحوٍ من قرن على صدورها؟ ولماذا نحتفي مع الشاعر والباحث والمترجم كاظم جهاد و”دار الجمل” بالترجمة العربية للمجموعات الشعرية الألمانية الكاملة التي كتبها هذا الشاعر العبقري؟ تبدو الأسئلة بديهية بالنسبة الى عشّاق الشاعر العالمي الكبير، لكنها ربما تطرح على هؤلاء أنفسهم تساؤلات حول مرتكزات عشقهم. إلا أنها اسئلة يثيرها دائماً محبّو الشعر الذين لم يرقَ حبّهم له الى درجة العشق المتفاني الذي لا ينتظر مبادلةً أو عوضاً.

حضور ريلكه الراهن هو، الى جماليته، حضور للأسئلة الكبرى التي أثارتها أشعاره، وربما أجابت عنها. هي الكلمات تفرض نفسها على القلب والعقل، غير متسلقة أيّ جدران لأيّ إيديولوجيات أو أنظمة فكرية. إنه الحضور العاري للأشياء لا يكتسي إلا ما يمحضه إيّاه القلب البشري. وهو تحويل للمرئيات رصيداً لامرئياً يمكّنها من أن تندرج في “الأفق الأوسع” بحسب تعبير ريلكه نفسه. وهو أيضاً البحث عن تعويض من الاختلال الذي احدثه انقطاع علاقة البشر بالأشياء المحيطة بهم. فالقصيدة عنده هي نبيّ يصل الإنسان المنعزل بالعالم الخارجي. فقد رفض الشاعر ان يكون القول الشعري ناتجاً من مجرّد مشاعر تبحث عن تعبيراتها. ببساطة، أشعاره هي مضامين كثيرة صكّها في مجموعاته ولا تزال تكتنف إجابات كثير من أسئلة العقل البشري العميقة، والأحاسيس الأكثر رهافة.

رحلة كاظم جهاد

ثلاثة مجلدات تضم الأعمال الألمانية الكاملة لريلكه صدرت عن “دار الجمل”، وكانت حصيلة عشرين عاماً أمضاها كاظم جهاد في حبّ ريلكه وفي دراسة اللغة الألمانية لكي يتمكن من الارتكاز في ترجمته على لغة الأشعار نفسها، هو الذي كان ترجم سابقاً الأعمال الشعرية الكاملة لريلكه المكتوبة في الأصل باللغة الفرنسية، وأصدرها في كتاب صدر عن “دار الجمل” أيضاً.

لم يكن ريلكه غريباً عن العالمين العربي والإسلامي. فمن ثقافته استقى صورة الملاك التي جعلها في أساس قوله الشعري، هو الذي اوحى اليه تمثال ابو الهول شعراً بعد زيارته مصر. لكن حضوره الشعري في اللغة العربية لم يتخطَّ ترجمات قليلة لمختارات نُقلت في غالبيتها من لغات وسيطة، حتى أتت الترجمة الكاملة التي قام بها جهاد، وقدّم لها بدراسة حول شعر ريلكه، وبخلاصة تضمّنت تحليلات غيرالد شتيغ التي مهّد بها لمختلف أعمال ريلكه الشعرية ونشرتها له سلسلة “لا بلاياد” الفرنسية الصادرة عن “غاليمار”. ونستند اليها ادناه.

يرى جهاد أن “الارتقاء المعجز”، بتعبير الروائي والناقد النمسوي شتيفان سفايغ، لدى ريلكه بعد بداياته المتلكئة بسنوات، “يكاد يشكّل إحدى اكبر الاساطير الحيّة في تاريخ الشعر”.

فالشاعر النمسوي الذي كانت أمّه تفرض عليه محاكاة شقيقته، التي افتقدتها عائلته وهي صغيرة، لكي تستعيض به عنها، تأثرت هويته الشخصية برحلة طفولته وأدّت الى “احتجاج صامت لن يهدأ هديره في داخله حتى وفاته”، بحسب تعبير المترجم. ادى هذا الاحتجاج الى ولادة شاعر دخل اسمه الى لائحة الكبار الخالدين في عالم الشعر.

فتنت اشعار ريلكه كبار الاعلام في العالم الأدبي، فقد رأى كبير روائيي بلده روبرت موزيل ان المعنى “لا يحتاج [في أبيات ريلكه]، حتى ينمو، الى الاحتماء بجدار أيّ إيديولوجيا، ولا أيّ نزعة انسانوية، ولا أيّ نظام فكري، بل هو ينبثق بلا دعامة، من أيّ جهة كانت، معلّقاً هكذا، ومعهوداً به دوماً، وبمنتهى التحرر، الى حركة الفكر”. فالشاعر طرح في اشعاره اسئلة كثيرة “تكاد تكون اسئلة الشعر كلّه”، بحسب جهاد.

كتب ريلكه الى جانب اشعاره وروايته الوحيدة “دفاتر مالته لوريدس بريغه”، رسائل عدّة دفعت صديقه الفيلسوف روبرت كاسنر الى القول “ان آثار ريلكه الشعرية ورسائله هي كمثل الثوب وبطانته؛ سوى أنّ نسيج البطانة هو هنا من الروعة بحيث يمكن ان يغريك بارتداء الثوب بالمقلوب”.

لغته الشعرية

كان ريلكه يرى أن كثيراً مما يحدث، يتعذّر التعبير عنه، فالقول الشعري ليس مسألة بسيطة. في اولى رسائله الى فرانتس إكزافير كابّوس، المعروفة بـ”رسائل الى الشاعر الشاب”، المؤرخة في 17 شباط 1903، كتب ريلكه: “لا تسمح لنا كلّ الأشياء بأن نقبض عليها أو نعبّر عنها مثلما يريدون حملنا على الاعتقاد به. كلّ ما يحدث يكاد يكون متعذراً على التعبير، ويتحقق في منطقة لم يطأها كلام قطّ. وأكثر ما يتعذر على التعبير هو الآثار الفنية، هذه الكائنات السرّية التي لا تعرف حياتها من نهاية ولا تفعل حياتنا التي تمرّ سوى أن تلامسها”.

كان يربط قول الشعر بضرورته وبتعذر الحياة دونه. كتب الى الشاعر الشاب نفسه: “ليس ثمّة درب واحد. توغّل في ذاتك، وابحث عن الحاجة التي تدفعك الى الكتابة. انظر ما إذا كانت هذه الحاجة تدفع بجذورها في اعمق اعماق قلبك. اعترف لنفسك: هل ستموت إذا ما منعت عليك الكتابة؟ وهذا خصوصاً: اسأل نفسك في الساعة الأكثر سكوناً من ليلك: “أأنا مجبر على الكتابة حقاً؟” غص في ذاتك بحثاً عن الإجابة الأعمق. فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، وإذا كنت قادراً على مواجهة سؤال صارم كهذا بعبارة بسيطة وقوية: “ينبغي أن أكتب”، فابنِ في هذه الحالة حياتك بموجب هذه الضرورة”.

الشعر في رأيه مسألة مغايرة للمشاعر، هو تجارب. كتب في روايته “دفاتر مالته لوريدس بريغه”: “فالأشعار ليست، كما يحسب البعض، مشاعر. مبكّراً تكون لدينا مشاعر. بل هي تجارب”. ولا تكفي الذكريات لتكوّن التجارب. الذكريات يجب ان تُنسى وان تُسال في الدم لكي ينبثق القول الشعري. رأى انه “ينبغي ان نعرف أن ننسى الذكريات عندما تكون بالغة الوفرة، وان يكون لنا ما يكفي من الصبر لننتظر عودتها. ذلك أن الذكريات نفسها لا تكفي. عندما تكون تحوّلت فينا دماً، نظرة، إيماءة، وعندما لا يعود لها من اسم، ولا تعود تتميّز عنّا في شيء، وعند هذا فحسب، يحدث ان تنبثق منها، ذات ساعة بالغة الندرة، الكلمة الاولى لبيت من الشعر”.

نحلات اللامرئي

يعتبر كاظم جهاد أن “الأساسي عند ريلكه هو أن نحوّل رصيدنا من المرئيات ثروةً غير مرئية، وهذا ما دعاه “الفضاء الجوّاني للعالم”: لا العالم بما هو فضاء جوّاني بل العالم بعد إحالتنا نحن إياه فضاءً جوّانياً”.

كتب ريلكه الى مترجمه البولوني فيتولد فون هوليفيتش في 13 تشرين الثاني 1925: “ينبغي العمل بوعي أرضي تماماً، أرضي بصورة صافية وعميقة ومشعّة، على إدراج كلّ ما نلمس ونشاهد هنا، إدراجه في ذلك الأفق الأوسع، أوسع أفق ممكن… ذلك أن مهمتنا هي ان ننقش في أنفسنا هذه الأرض الموقتة والهشة، أن ننقشها بمثل هذا العمق، وبمثل هذا الإيلام، وبمثل هذا الوله، بحيث ينبعث جوهرها في داخلنا في حالته “غير المرئية”. نحن نحلات اللامرئي. بكامل اللهف نجني عسل المرئي لنسكبه في قفائر اللامرئي الذهبية الكبيرة”.

في قصيدته “موت الشاعر” المستوحاة من مصدر تشكيلي هو منحوتة “موت الشاعر” للنحات الفرنسي أوغست رودان، الذي كان له أشدّ التأثير في نظرة ريلكه الى الأشياء، يتحدّث الشاعر عن امتزاج الكائن البشري بالأشياء المحيطة به لتصبح هذه الأشياء انعكاساً للمكنونات البشرية: “العالم ومعرفته هو للعالم/ باتا منتزعين من حواسه/ وسقطا في عدم اكتراث الأيام./ وجميع من رأوه من قبل يحيا ما كانوا/ ليحدسوا الى أيّ حد كان هو ممتزجاً بهذا كله/ فهذه الأشياء وهذه الأعماق وهذه المروج/ وهذه المياه كانت هي وجهه الحق”.

تمكين الأرض من التحوّل فينا

كان ريلكه يحمل حسرة بسبب تراجع علاقة الإنسان بالأشياء في المجتمعات الحديثة، التي جعلها انتقالها الى العلمنة تعيش خواءً على مستويات عدّة. تبرز حسرته حيال اختلال العلاقة بالأشياء، “رفيقاتنا في الوجود” كما سمّاها، في غالبية إنتاجه الشعري. كتب في رسالته الى مترجمه البولوني السابق ذكرها: “إن الأشياء المزوّدة حياة، الأشياء المعيشة والواعية لنا، لهي الآن في انحدار، ولن يمكن تعويضها… إن الأرض لا تصبو إلاّ الى التحوّل فينا شيئاً غير مرئي…”.

يتحدث في المرثية التاسعة من “مراثي دوينو” عن توق الأشياء الى التحوّل في وعي الإنسان: “وهذه الأشياء/ المعتادة على الرحيل، كلها، تفهم أنك تمجّدها/ تحسب، هي الزائلة، أننا، نحن الأكثر زوالاً، قادرون على أن ننقذها/ بيد أننا نريد، وعلينا، أن نحوّلها في قلوبنا غير المرئية/ أن نحوّلها فينا، بلا انتهاء!، أيّاً كنّا في نهاية المطاف/ أيّتها الأرض، أوَ ليست هذه بغيتك: أن تنبعثي/ غير مرئية فينا؟ – أوَ ليس هذا هو حلمك:/ أن تكوني غير مرئية مرّة -، أيتها الأرض! غير مرئية!/ أيّة مهمة إن لم تكن التحوّل تلزمينني بها؟”.
في رسالة الى القسّ رودلف تسيمرمان في 10 آذار 1922 تبرز حيادية ريلكه تجاه تصنيف مكوّنات العالم الخارجي، وهذا ما دفعه الى التأكيد انّه يسعى الى التوصل الى ما يجعله يعبد “في كلّ هياكل الأرض وبالشرعية نفسها، الإنتماء ذاته الى الشيء الرفيع الذي يؤويه كلّ منها”.

وجد ريلكه في صورة الملاك الإسلامي نموذجاً للعلاقة التي يجب أن تربط بين الشاعر والأشياء. ففي قصيدته “مهمّة محمد” (“قصائد جديدة”، القسم الثاني)، “يحتفي بعلاقة بالملاك قائمة على إنجاز مباشر وحاسم لفعل القراءة. وفي هذا بالنسبة الى الشاعر مجاز أساسي عن انتظار القول الشعري”، كما يرى كاظم جهاد.

يعلي في قصيدة “رسالة محمّد” صورة الإذعان لنداء الأشياء المرموز اليها بصورة الملاك. يفتنه الإستسلام أمام إملاءات الملاك. “بيد أن الملاك الآمر أراه مراراً/ ما كان مكتوباً في صحيفته/ وكان لا يقبل التراجع ويقول له أن: اقرأ/ فقرأ: بحيث انحنى امامه الملاك/ وآنئذ صار هناك رجل كان قد قرأ منذ وهلة/ وبات يقدر ويمتثل وينجز”.

يرى غيرالد شتيغ ان “رسالة محمد نبي الإسلام وظهور الملاك جبرائيل وإيعازه لمحمد بالقراءة، هذا كله يفيد منه ريلكه كـ”تعلّة” [أي الشخص او الأسطورة او الظاهرة مأخوذين كقناع او مناسبة للتعبير عن حالة انسانية] ويخرجه من سياقه الديني ليصف كثافة الفعل الشعري”.

العشق غير الإستحواذي

يعتبر ريلكه في روايته ان المخيّبات في العلاقة العشقية “يهرعن للبحث عمّن أضعن، لكنهنّ منذ اولى خطواتهنّ يتجاوزنه، فلا يعود أمامهنّ سوى الله”. يمجّد هؤلاء المخيّبات ويعتبرهنّ مهجورات كبيرات. موضوع العشق الذي لا استحواذ فيه، كان يفتنه، ويصفه جهاد بأنه “يتخطى موضوعه في وثبته نفسها”.

تحضر مسألة العشق غير الإستحواذي في كثير من قصائده. في قصيدته “العاشقة” (“قصائد جديدة”، القسم الثاني)، يقول: “أقدر ان استقبل النجوم/ في داخلي هي ايضاً/ لفرط ما هو كبير قلبي/ يقدر ان يقبل بابتعاد/ ذلك الذي ربّما كنت سأحبّ/ ولعلّي كنت سأستبقيه/ غريباً وكصفحة لا تزال بيضاء/ يفترسني قدري/…/ أنادي واخشى/ ان يسمع أحدهم ندائي/ منذورة لأضيع/ في سواي؟”.

في المرثية الأولى من “مراثي دوينو” ينشد: “أفلن نستخلص من آلامنا القديمة هذه/ مزيداً من الثمار؟ أوَ ما آن يا ترى الأوان/ لأن ننفصل عاشقين عمّن نعشق ونحمله راجفين فينا؟ مثلما ينطلق السهم من القوس ليكون منعقداً في انطلاقته/ ويكون آنئذٍ أكبر من ذاته؟ ذلك أنّه لا مقام في أيّ مكان”.

بدايات

كتب ريلكه في بداياته مجموعات شعرية عدّة هي “حياة وأغانٍ”، “الهندباء البريّة”، “قربان الى آلهات المنزل”، “تاج من الأحلام” و”ما قبل عيد الميلاد”. وقد وضع عليها اسمه الحقيقي رينه ماريا ريلكه او رينه ماريا سيزار ريلكه، هذا الإسم الذي استبدله لاحقاً براينر الأكثر رجولية. كان ريلكه، بعد نضجه الشعري، غير راضٍ عن هذه المجموعات. ففي عام 1913، جمعها في كتاب شامل أعطاه عنوان “الأشعار المبكّرة” مقصياً منها قصائد “حياة وأغانٍ” و”الهندباء البرية”. في ما بعد، صار يرفض إعادة طبع هذه المجموعات كلّها. يرى غيرالد شتيغ ان اعمال الصبا والشباب هذه “ما عادت لتتمتّع إلا بأهمية توثيقية، في معرفة معالجاته الشعرية الأولى وتنوّع “موديلاته” ومراجعه وسعيه الى حيازة مكان في الحياة الأدبية لعصره”. بعدها، كتب مجموعته “من أجل الإحتفاء بنفسي” التي تعتبر “الأقرب الى اعمال ريلكه الناضجة”، كما يرى شتيغ. اما مجموعته التالية، “اغنية عشق حامل الراية كريستوف ريلكه ومصرعه”، التي كتبها عام 1899، فتصوّر مواجهة بين ثقافتين او شعبين هما اوروبا المسيحية والامبراطورية العثمانية المسلمة، وهي المجموعة التي لاقت شهرة شعبية أكثر من كلّ ما كتبه. لقد بيعت ووزعت بكثافة أثناء الحربين العالميتين. يرى شتيغ انه “ما كان في مقدور ريلكه أن يتوقع أن هذه “البالادة” [حكاية شعرية موجزة] المطوّلة… ستتحوّل بمساعدة الظروف التاريخية ملحمة شعبية… فإن النص سيوزع على نطاق واسع، وذلك للإعلاء من صورة المحارب الاوروبي، التي لا تمثل، كما سنلاحظ، هدف ريلكه الحقيقي”. انزعج ريلكه من الاستغلال السياسي والحربي لعمله. وعبّر لصديقته لو اندرياس سالومي عن اندهاشه من كونه يرى “حامل الراية المتواضع وهو يزعق [في القراءات الممسرحة لنصّه] كمثل مساعد ملازم”.

“كتاب الساعات”

تتألف مجموعة “كتاب الساعات” الشعرية من ثلاثة كتب هي “كتاب الحياة الرهبانية”، “كتاب الحج” و”كتاب الفقر والموت”. يحلل شتيغ اختيار ريلكه للعنوان فيقول انه “لا يحيل على الساعات بعامة بل يستعير عنوان كتب الصلوات التي يرجع وجودها الى العصر الوسيط، ويضع فيها المتعبّدون نصوص صلواتهم التي يقومون بها على امتداد “ساعات” اليوم”. ويضيف “ان كتب الساعات كانت في الأصل هي الكتب التي تجمع نصوص صلوات الأمراء وسواهم من غير العائدين الى سلك الكهنوت. لهذا السبب لم تكن صلواتهم بحاجة الى مصادقة الفاتيكان. وكانت هذه الكتب في العادة مزيّنة برسوم دينية باذخة”. ويرى ان راهب “كتاب الحياة الرهبانية” هو في الاوان نفسه مثل غالبية الرهبان الروس، رسّام أيقونات. في رأيه، “يبدو الراهب، قناع الشاعر، بانياً لله، وسبق أن عرّف ريلكه الله في “يوميّات فلورنسية” بأنه “أقدم صنيع فنّي”. وفي دراسته “مقالة في الفنّ” (1898)… كتب أيضاً: “يقول الأتقياء عن الله انه كائن الآن، ويقول عنه الأفراد الحزانى أنه كان، ولكن الفنان يقول ان الله سوف يكون”. أما في”كتاب الحج”، فـ”إن نوعاً من التلابس المقصود بين اللغة الدينية والخطاب الشهواني أو الإيروسي… يشكل على الأرجح مفتاحاً أساسياً لفهم دواعي الفتنة التي مارسها هذا العمل على القرّاء”، على ما يرى شتيغ.

تشتهر من هذا الكتاب قصيدة “أطفئ عينيّ: وسأبصرك”. يقول ريلكه: “أطفئ عينيّ: وسأبصرك/ أغلق أذنيّ: وسأسمعك/ بلا قدمين سأعرف أن آتي إليك/ وبلا فم سأقدر أن أتضرّع لك/ إقطع ذراعيّ: وسأمسك بك/ بقلبي كما بيدين/ أوصد قلبي وسينبض دماغي/ أشعل النار في دماغي هذا/ وسيحملك دمي”.
تزعم لو اندرياس سالومي، في الفصل الذي تخصصه لعلاقتها بريلكه في كتابها “حياتي”، ان القصيدة كُتبت سابقاً وانها اوحت اليه بإضافتها الى “كتاب الحج” وانها قصيدة حب موجهة اليها. يرى شتيغ ان “هذا يعني ان الإله المخاطب في الكتاب كله يمكن اعتباره نوعاً من “شفرة” تحيل على المرأة المعشوقة”.

يتخلى ريلكه في “كتاب الفقر والموت” عن شخصية الراهب الروسي. اما صيغته الشعرية، فتبقى على شكل الصلوات. يعود اختياره هذا الى إحساسه بالفراغ الذي احدثته العلمنة في حياة البشر. يرى شتيغ “ان “صلوات” ريلكه تتموقع في “المركز الفارغ” الذي احدثته العلمنة السياسية والعلمية إذ أزاحت الإيمان الديني من دون أن تعوّض عنه بشعور آخر. يصعب الى حدّ بعيد تحديد مصدر “التديّن” وطبيعته في “كتاب الساعات”. وذلك على الرغم من تأكيدات ريلكه الواضحة في هذا الشأن”. اما اختياره لشخصية الراهب الروسي فمردّه الى افتتانه بالحضارة الروسية. يقول في رسالة الى هيلين فورونين مؤرخة في 28 أيار 1899 ان “روسيا هي آخر حجرة سرّيّة في قلب الله”. وفي أخرى مؤرخة في 27 تموز 1899 يقول: “إنني أحس بأن الأشياء الروسية هي أفضل الأسماء والصور التي يمكن إعطاؤها لمشاعري وإقراراتي الشخصية”.

يعود ريلكه الى مسألة افتتانه بالحضارة الروسية بعد سنوات عديدة من كتابة مجموعته. يتضح ان الزمن الذي مرّ ألغى اسم الله، مبقياً فعله في نفسه. في رسالة وجهها في 22 شباط 1923 الى إحدى الشابات يقول: “انفتحت روسيا ووهبتني الإخاء وعتمة الله، هذه العتمة التي فيها وحدها يكون الإتحاد. هكذا استطعت أن أسمّي يومذاك هذا الإله الذي انهال عليّ، وطويلاً عشت جاثياً على ركبتيّ في صالة اسمه… الآن، سيصعب أن تسمعيني أسمّيه، فلقد صار يسود بيننا تكتّم رائع”.

افتتان ريلكه بالحضارة الروسية فاقه افتتانه اللاحق بثقافات اليهود والعرب المسلمين. ما كان يفتنه هو طبيعة العلاقة التي تقيمها هذه الشعوب مع الله. كتب لإلزة بلومنتال فايس في 28 كانون الأول 1921 “ان اليهود والعرب والى حدّ ما الروس الأرثوذكس، وبصورة من الصور شعوب الشرق والمكسيك القديمة: هذه الشعوب يشكّل لها الله أصلاً، وبالتالي، ولهذا السبب بالذات، مستقبلاً ايضاً. أما بالنسبة الى الآخرين فهو شيء متفرع من سواه”. ويضيف خاصّاً العرب المسلمين بلفتة على حدة أن “العربيّ الذي يلتفت الى المشرق في ساعات محددة ويجثو راكعاً: هذا هو التديّن”.

التديّن هو موضوع قصائد مجموعته هذه. ليس تديّنه محدداً. يقول غيورغ زيمل عن هذه القصائد: “إن هذا الكتاب ليقلب مسار الحلولية: فلا يكون كلّ شيء هو الله – بل يكون الله هو كل شيء… لا تقود الأشياء الى الله بل الله يقود الى الأشياء”. ويقول الروائي النمسوي روبرت موزيل عن ريلكه: “لقد كان هو بمعنى من المعاني الشاعر الأكثر دينية منذ نوفاليس، لكنّي في الأوان ذاته لست واثقاً من أنّه كانت لديه أيّ نزعة دينية”.

“كتاب الصور”

يتجه ريلكه في ديوانه المعنون “كتاب الصور” نحو المنحى الشعري الذي اشتهر به. فمجموعته هذه هي مرحلة انتقالية بين النبرة العاطفية التي كانت تسود شعر صباه، وبين “القصيدة الشيء”، اي التعبير الموضوعي الذي يسود في “قصائد جديدة”. ينتقل ريلكه من الأغنية الى الصورة. تسيطر فكرة العزلة التي يعيشها الشاعر على روح هذه المجموعة. في قصيدة “طفولة”، يقول: “ثم يكون الخروج: فإذا بالشوارع تأتلق وتصخب/ والنوافير تتواثب في الساحات/ وفي الحدائق يصير العالم أكبر مما هو عليه بكثير/ هذا كله يجتازه الصغير بثيابه الصغيرة/ مختلفاً عن كل من يمرّون أو مرّوا من قبل/ يا لفرادة تلك الساعات، يا لها من تزجية للوقت!/ يا للعزلة!”. وفي قصيدة “عزلة”، يقول: “كالمطر هي العزلة/ تصعد من البحر لملاقاة المساءات/ آتية من تخوم سهول منسية/ ترقى أسباب السماء – منزلها/ ومن علٍ تنهمر ثانيةً على المدينة”. أما في قصيدة “نهار خريفيّ”، فيجعل من العزلة حالة مستمرة غير قابلة للزوال: “من كان بلا منزل فلن يشيّد منزلاً أبداً/ من كان الآن وحيداً فسيظل كذلك طويلاً/ يقرأ ويسهر ويدبّج رسائل طويلة/ ويهيم في مسالك الحدائق قلقاً/ عندما تتحرك أوراق الأشجار”.

العزلة هي من سمات شخصية ريلكه البارزة. كتب بول فاليري له: “أتتذكّر كم كنت اندهش من تلك العزلة القصوى التي وجدتك فيها عندما تعارفنا؟”. تتسع حالة العزلة في قصيدة “خريف” لتطاول كل الأشياء. “الاوراق تسقط، تسقط وتبدو آتية من بعيد/ كأن حدائق نائية تتجرد من اوراقها في السماء/ انها تسقط راسمة إشارة نفي/ والأرض الثقيلة تسقط أثناء الليل هي ايضاً/ ومن النجوم تهوي في قلب العزلة/ ونحن ايضاً نسقط. هذه اليد تسقط/ والأيدي الأخرى في كلّ منها هو السقوط/ لكن ثمة من يمسك بيديه برفق لا انتهاء له/ بالأشياء الساقطة هذه كلّها”.
أما الجديد في اسلوبه الشعري، فيكمن، كما يلاحظ شتيغ، في أن التعبير الشعري في هذه القصائد “يمكّن من إزاحة “الأنا” وتحييد انثيالاتها العاطفية المباشرة، بما يفتح للقارئ إمكان المشاركة، بل حتى إمكان التعاطف”.

“قصائد جديدة”

كان ريلكه يمحض “قصائد جديدة” أهمية اكبر مما لـ”كتاب الصور”، على رغم انها الأقل انتشاراً بين مجموعاته، بسبب صعوبتها وعمقها الثقافي. فهي حوار مع عوالم العهدين القديم والجديد وأساطير عديدة واعمال فنية. يشرح ريلكه مفهومه للشعر الموضوعي، الذي يسود هذه القصائد، وهو قريب من تصوّر بودلير المحايد للشعر، وذلك في رسالة الى عالم البيولوجيا البارون ياكوب فون أوكسكول في 19 آب 1909. يقول “إن الإعجاب الذي يدفع الذات الفاعلة صوب الأشياء (الأشياء كلها بلا استثناء) يجب أن يكون عاصفاً وحادّاً ومشعّاً بحيث لا يدع لها الوقت الكافي لتتذكر قبح الشيء او شناعته. لا يمكن ان يكون ما هو رهيب حافلاً بالتنفير والسلبية الى الحدّ الذي يمنع النشاط المعقّد للعمل الخلاّق من ان يصنع منه، بمعونة فائض ايجابيّ كبير، دليلاً على الوجود، إرادة في الكينونة: ملاكاً”.

يقول في قصيدته “الشاعر”: “لا حبيبة لي ولا منزل/ ولا مكان أعيش فيه/ وكلّ ما استسلم له من الأشياء/ يغتني ويهجرني”.
يرى شتيغ ان ريلكه في تشبيهه العمل المكتمل بالملاك “يقصد ان القصيدة هي الرسالة وهي الرسول، هي البلاغ والمبلّغ في آن واحد”. في رأيه، عمل ريلكه في هذه المجموعة على اجتراح ما سيدعى، انطلاقاً من تعبيراته هو نفسه في رسائله الى أصدقائه وشرّاح عمله، “القصيدة – الشيء”. فريلكه تعرّف الى رودان، ما حكم بالانهيار على اسلوبه القديم “اليوغندشتيل” الذي كان يقوم على عناصر تزيينية وبذخ زخرفي. انه بشكل أعمّ تأثير باريس عليه، ففيها اكتشف رودان كما اكتشف بودلير وفان غوغ وبول سيزان.

يقول في رسالته الى زوجته كلارا، النحاتة والتلميذة السابقة لرودان، في 13 تشرين الاول 1907، بعد زيارته معرضاً لأعمال بول سيزان في باريس: “كانت (الطبيعة) تنهال عليّ بكل شساعتها وبكلّ فيضها المسرف، كما انهالت هبة النبوة على شاوُل، بالشاكلة نفسها تماماً… لم اكن ارى الطبيعة بل الرؤى التي تلهمني هي إيّاها. وما كنت في تلك الفترة سأتعلم شيئاً من سيزان ولا من فان غوغ. الآن، عندما ارى المشاغل التي يهبنيها (تأمّل عمل) سيزان ألاحظ كم تغيّرت. إنّي في صدد التحوّل عاملاً، واحداً من الشغيلة”. ويضيف في الرسالة نفسها: “طبيعي ان نحب كل هذه الأشياء في اللحظة التي نقوم بها فيها، لكن إذا ما نحن افصحنا عن هذا الحب فلن نقوم بالأشياء بالقدر نفسه من الجودة. سنكون في صدد إطلاق أحكام بدل التعبير عن الشيء ذاته. سنكون في صدد الرسم (كمن يقول): “احبّ هذا الشيء”، بدل ان نرسم (قائلين): “هذا هو الشيء””.

ينتقد في قصيدته “شاوُل بين الأنبياء” نبوءة بولس: “ثم لم يعد هو أكثر من تلك الكومة/ من أمجاد مقلوبة، مجداً على مجد/ ولقد صار فمه كفوّهة ميزاب/ يدع الماء الساقط فيه يتسرّب/ ولا يمسك به”. بالتضاد مع هذه “النبوّة الهاذية”، يكتب في دراسته “أوغست رودان”: “الطبيعة توفر حتى لما هو اكثر امتناعاً فينا على المعاينة والقبض معادلات حسية ينبغي ان نعثر عليها”.

يعبّر ريلكه لزوجته عن ابتهاجه لمعرفته ان سيزان كان يحفظ قصيدة بودلير المعنونة “جيفة”. فكما يرى شتيغ، “رفض الشاعر المفاضلة بين الأشياء، فجميعها، حتى اشنعها، له الحق في الدخول في التعبير الفنّي”.
يقول في قصيدة “المتسولون”: “ما كنت تعرف ممّ كان يتكوّن/ ذلك الركام. إن رجلاً غريباً/ وجد فيه متسوّلين/ يبيعون راحات أيديهم”. وفي قصيدته “الكلب” يعلي نظرة الكلب التي تتجه من الأسفل الى الأعلى، وتقابل غرور الإنسان في تفسير العالم. يقول: “في النظرات تتجدد في الأعلى بلا انقطاع/ صورة عالم ويصادق عليها/ وحده من آن الى آخر الى جانبه ينزل/ في السرّ شيء ما”.

هذه الموضوعية التي يختارها ريلكه وسيلة للتعبير، لا يمكن ان تكون مطلقة. يقول شتيغ “ان “الشيء” المعالج في القصيدة يسمح هو نفسه باستشفاف علاقة بينه وبين دلالته الانسانية”، ويضيف “ان الذاتية، إذا كان الشاعر قد ازال تمظهراتها المرئية، تظل حاضرة عبر الـ”أنت” التي تخاطبها القصيدة، او عبر الصيغ التعميمية (الناس، هم، أحدهم، المرء…)”.

“خمسة أناشيد”

قبل “خمسة أناشيد، كتب ريلكه “حياة مريم”. يقول عن الأخيرة في رسالة الى الاميرة ماري فون تورن أوند تاكسيس مؤرخة في 25 شباط 1922: “هكذا ترين أنني كنت هنا استخدم التراث بدل ان ابتكر”. تأثر في قصائدها بلوحات رسامي النهضة الايطالية تنتوريتو وتيتسيانو وغيرهما، وهو يذكر هذه المصادر.

كتب “خمسة أناشيد” أثناء التعبئة للحرب العالمية الاولى في آب وايلول 1914، منقاداً الى النداءات القومية الاحترابية، ولكن “السكرة الجماعية التي اجتذبت ريلكه لم تدم سوى ثلاثة ايام كتب فيها النشيدين الاول والثاني”، كما يلاحظ شتيغ. فهو يحمل على الحرب محوها التراكم الثقافي الطويل الأمد للإنسانية. يتحدّث في النشيد الأول عن اله الحرب: “أمس كان لا يزال صغيراً وبحاجة لأن يغذّى وهو الآن/ واقف طويل القامة كالإنسان، وغداً سيكون/ صار اكبر من الإنسان. ذلك أن الإله المتأجج/ ينتزع النموّ دفعة واحدة/ من الشعب المتجذّر، ويبدأ الحصاد”. في النشيد الثاني يشبّه مجموعات المحاربين بالغابة العطرة: “كم يتحوّل المنظر الحيوي الآن: غابة فتية عطرة/ تمضي الى هناك مسافرة في صحبة أرومات أقدم/ وأحدث الغصون تنحني في اتجاه من يغادرون في فصائل”. ويدعو الأمهات الى وهب المحاربين: “من قبل، ذات مرّة، عندما ولدتنّ أبناءكنّ/ عرفتنّ الانفصال يا أمّهات/ فلتسعدن من جديد أيضاً لأنّكنّ أنتنّ الواهبات”. كما يدعو الفتيات الى العشق الجماعي: “وأنتنّ يا فتيات، فكّرن بأنّهم يعشقونكنّ: بأن قلوباً كهذه/ تحملكنّ في مشاعرها…/ كان الحذر يلجمكنّ، والآن تقدرن أن تعشقن بلا انتهاء”.

في النشيد الثالث، تخفت حماسة ريلكه فيصوّر “إله الحرب” مدمّراً “إله المعرفة”. ينتقد إلغاء إله الحرب للكيانات الفردية: “إنه يشرف علينا. يتجاوزنا. أما نحن فنتأجج سويّة وننصهر/ في مخلوق جديد ينفخ هو فيه الحياة بصورة قاتلة/ وهكذا فأنا لم أعد قائماً: فقلبي ينبض/ بنبضة القلب المشترك، وفمي/ يفتحه الفم المشترك، بصورة عنيفة”. ويحذّر من أثره التدميري على المعرفة التي راكمتها البشرية بحبّ: “ولطالما بحث عنا؟ أهو ممن يعرفون؟ أتراه يقدر/ أن يكون أحد من يعرفون، هذا الإله الذي يجرف الكلّ، والذي يدمّر، أي نعم!، يدمّر كلّ معرفة: ما نعرف منذ زمن بعيد/ علمنا المشترك الذي راكمناه بحبّ، علمنا الأليف المتكتّم”. ويزدري خطب الحرب التعبوية التي تستعيد صور امجاد الفروسية القديمة المرموز اليها بالحديد: “صرنا آخرين، آخرين حُوّلوا واحداً: وفي كلّ منّا، في الصدر الذي لم يعد صدره، انبثق قلب – نيزك/ قلب من الحديد لاهب ومصنوع من أكوان من الحديد”.

“مراثي دوينو”

انهى ريلكه كتابة اولى مراثي مجموعته “مراثي دوينو”، في 21 كانون الثاني 1912، في قصر دوينو الذي اقام فيه في ضيافة الأميرة ماري فون تورن أوند تاكسيس، ويقع على شاطئ البحر الأدرياتيكي بالقرب من مدينة تريست الايطالية التي كانت يومذاك تابعة للنمسا. كان ريلكه في الفترة التي سبقت كتابته “مراثي دوينو” يفكّر في الخضوع للتحليل النفسي، لكن صديقته لو سالومي نصحته باستبعاد الفكرة. “كانت تعرف عالمه النفسي والإبداعي جيّداً، وكانت تخشى أن تتبخر بذور “مراثي دوينو” أثناء العلاج”، كما يرى شتيغ.
تكتب لو الى صديقتها آنا فون مونشهاوزن في 31 تشرين الأول 1929 مستعيدة تجربة ريلكه هذه: “إن هذه المناهج (مناهج التحليل النفسي) غير قابلة للإستخدام لدى الفنان المكتمل (هذا هو رأيي أنا، لا رأي فرويد) بلا كبير أخطار”. في 14 كانون الثاني 1912 يكتب ريلكه الى الطبيب النفسي الذي كان يفكّر في الاستعانة به، فيكتور إميل فون غيبزاتل: “يبدو لي دائماً أن عملي (الشعري) يشكّل في العمق نوعاً من العلاج الذاتي”. وفي 24 كانون الثاني 1912 يكتب الى لو: “بتّ أعرف أنّ التحليل النفسي لن يتمتع بالنسبة اليّ بأيّ معنى إلا إذا ما حملت على محمل الجدّ الفكرة التي ستنجم عنه، والمتمثلة في هجران الكتابة، هذه الفكرة التي كنت ألوّح بها لنفسي كنوع من الترويح عندما كانت [روايتي] “دفاتر مالته لوريدس بريغه” في صدد الإكتمال”. هكذا، يصف ريلكه، في المرثية الأولى، الملاك الذي هو رمز للفعل الشعري بالمرعب: “… ذلك ان الجمال/ إن هو إلا بداية الرعب، ما لا نكاد نقدر ان نحتمله/ ولئن كنّا نلفيه جميلاً فلأنّه، ببرود، يأنف/ من تحطيمنا؛ مرعب هو كل ملاك/ ولذا فأنا اتماسك وامتنع/ عن ان أطلق العنان لنشيجي الغامض…”.

ينقطع عن استكمال مراثيه زمناً، ليستكملها في شباط 1922 في البرج القروسطي المسمّى موزو – سور – سيير في منطقة الفاليه السويسرية الفرنكوفونية. ويصف كتابه هذا، لأصدقائه، بـ”عاصفة إلهية لا يحتملها أحد” و”إعصار يجتاح الفكر والقلب”.

أمام التساؤلات الكبيرة

يرى شتيغ ان “مراثي دوينو” إنّما هي محاولة اخيرة للعثور على “مكان” للإنسان، أي على محلّ له في الزمن والفضاء. كما أنها تشكّل في اعقاب فلسفة نيتشه احدى اكبر التظاهرات الثقافية لتجربة العزلة وغياب ما كان لوكاتش يدعوه “الملاذ المتعالي”. تعكس المرثية الاولى اختلال حالة الإنسان أمام التساؤلات الكبيرة التي تفتقر الى الإجابات: “… أوَ ما كنت منهمكاً أبداً/ بالانتظار، كما لو كان كلّ شيء/ يبشرك بمقدم حبيبة؟ (أين كنت ستؤويها/ والأفكار الكبيرة المجهولة/ تجول في بيتك جيئة وذهاباً وغالباً ما تبيت فيه؟)”. نلتمس في هذه المرثية استنكار ريلكه لزوال المعايير التي كانت تساعد الإنسان في تنظيم حياته: “حقاً إنه لغريب ألا نعود مقيمين على الأرض/ وألا نعود نمارس عادات للتوّ تعلّمناها/ وألا نعود نهب الورد وأشياء أخرى مفعمة بالوعود/ دلالة مستقبل إنسانيّ: وألا نعود ما كنّاه في الأمس بين أيدٍ ممتلئة خوفاً/ بل أن نتخلى هنا حتى عن اسمائنا/ كمن يتخلى عن دمية مهشّمة/ غريب ألا نعود نرغب في استمرار رغائبنا، وغريب/ أن نرى كلّ ما كان متلاحماً وهو يتطاير/ في الفضاء بلا لحمة. إنه لمجهد أن نكون ميّتين/ وحافل بالتكرار الى أن نلمح/ قليلاً من الأبدية…”.

يشير شتيغ الى ان “العبادة” التي تحوط شعر ريلكه “نابعة (وكان هو يعي ذلك) من تحوّل قام به، يجعل من الشاعر قدّيس الحداثة. تحتل القصيدة لديه مكان الصلاة… إن بنيات التديّن التي صارت فارغة تتحوّل لديه حقولاً طاقويّة ينظّمها الشاعر ليستمدّ منها “امتلاء” جديداً يحوّله “ملاك” ذاته”.

في المرثية الثانية يسأل الملائكة: “ألا من تكونون؟”، ويجيب: “نجاحات الأزمنة الاولى، مدللو الكون/ خطوط ذرىً، أعالٍ تتأجج/ في فجر كلّ خلق،- طلْع ألوهة مزهرة/ روابط للنور، أبهاء، سلالم وعروش/ فضاءات من جوهر الكيان مقدودة، ذروع لذّة/ عواصف مشاعر منتشية، ثم على حين غرّة ينعزلون/ مرايا: حيث في أوجههم يُحفظ/ الجمال نفسه المنبثق منهم”. هكذا يحمل الملائكة صورة نرجس التي تشير الى إضفاء الإنسان بعض ذاته على الطبيعة، هذه الصورة يظهرها ريلكه بوضوح في “سونيتات الى اورفيوس”. يشير شتيغ الى ان “الاعمال الفنية خصوصاً هي التي تضطلع بالمهمة الرفيعة المتمثلة في مضاهاة الملاك… يتجاوز الفن الزمنية ويقهر الموت… هو نشاط نرجسي بامتياز، وبمعنى خلاق. الملاك هو تجاوز الانسان، واكتمال حلقة نرجس او دائرته”. اما بالنسبة الى الإنسان فإن شروط وجوده مأسوية، هو الذي يتحتم عليه ان يكون وحيداً في المواجهة. يقول في المرثية الرابعة: “يا أشجار الحياة، متى شتاؤك؟ وا أسفاه/ لسنا متّحدين. ولا نحن/ بمثل توافق الطيور المهاجرة. متجاوزين وبطيئين/ لا نعرف سوى أن نقحم في الرياح أنفسنا/ لننكفئ من بَعد صوب بركة غير مكترثة/ نتعلم الازهرار والذبول في الأوان ذاته/ وبعيداً عنّا ما برحت تجول اسود/ لا تعرف، طالما بقيت اسياداً، ما هو العجز”. فمصير الإنسان يحتم عليه الوقوف وحيداً في المواجهة: “ذلك هو ما يدعى المصير: أن نكون في المواجهة، ولا شيء آخر في المواجهة أبداً”.

الإنقلاب الاسطوري الشعري

يرى غادامير ان الانقلاب الاسطوري يصبح لدى ريلكه “انقلاباً اسطورياً شعرياً، لأن عالم قلبه الخاص هو نفسه مقدّم لنا في الكلام الشعري كعالم اسطوري: فؤاد مكوّن من كائنات فاعلة عديدة”. يعلّق شتيغ على تحليل غادامير بقوله انه “في حقبة مجرّدة من الاساطير، يتوصل الوعي الاسطوري – الشعري الخاص بريلكه الى رفع تجارب القلب الانساني الى مستوى الاساطير”. بالنسبة الى صورة الملاك الماثلة في المراثي، يؤكد ريلكه في رسالة الى مترجمه البولوني فيتولد هوليفيتش في 13 تشرين الثاني 1925، ان “ملاك “مراثي دوينو” لا علاقة له بملائكة المسيحية، بل له علاقة بصور ملائكة الاسلام…” ويضيف: “ان ملاك “مراثي دوينو” هو المخلوق الذي يبدو تحويل المرئي غير مرئي، هذا التحويل الذي نسعى نحن اليه، متحققاً لديه من قبل. فبالنسبة الى ملاك “مراثي دوينو”، تظل جميع الابراج والقصور موجودة لأنها صارت غير مرئية منذ زمن بعيد. كما تظل جميع الأبراج والجسور القائمة في وجودنا غير مرئية بالنسبة اليه من قبل على كونها ما برحت موجودة. إن ملاك “مراثي دوينو” ضامن لأعلى درجات الوجود الفعلي لغير المرئي”.

يشرح شتيغ ان ريلكه يسمّي عمله في شأن إبراز حضور المرئيات، الذي سعى هو اليه في “قصائد جديدة” مثلاً، “عمل البصر”. وكان يطلق تسمية “عمل القلب” على مهمة تحويل المرئي غير مرئي، أي تحويله حقيقة جوّانية أو “حقيقة قلبيّة”. أما الملاك، فهو يشمل المرئي وغير المرئي؛ إنه “نرجس المحقق نذره” أو “المحققة امنيته”. ويخلص الى أن “ملاك ريلكه هو في نهاية المطاف مخلوق اسطوري حديث أنيطت به على وجه الخصوص وظيفة داخل – شعرية”.

في المرثية التاسعة، يجعل ريلكه من القول الشعري وسيلة تمكّن من قول الأشياء بصورة جديدة: “من سفح الجبل لا يجلب المسافر الى الوادي/ حفنة من التراب تنبو عن الوصف/ بل كلاماً ظفر هو به، كلمة خالصة/ نبتة جنطانيا/ صفراء او زرقاء. ولعلنا هنا لنقول: “منزل”/ “جسر”، “نافورة”، “بوّابة”، “قفير عسل”، “بستان”، “نافذة”،/ أو لنقول: “عمود”، “برج اجراس”… لكن أن نقول ذلك/ كما لم تعتقد الأشياء أنها ستكون/ في صميمها ذات يوم…”.

“سونيتات الى اورفيوس”

يشرح شتيغ ان “السونيتة هي الشكل الأكثر ارتباطاً بالنحت والأكثر صرامة والأكثر “ذهنية” بصورة من الصور، وبالتالي، مبدئياً على الأقل، الأكثر ابتعاداً عن الخلق العفويّ أو الإلهام أو الموهبة”. وكان ريلكه كتب “سونيتات الى اورفيوس” بعد نبأ وفاة الراقصة الشابة فيرا أوكاما كنوب. وهكذا فإن هذه المجموعة تندرج ضمن موضوع الراحلين المبكّرين الذي اثار اهتمام الشاعر. وضع اسم اورفيوس في العنوان اهتماماً منه بالجزء الذي تتضمنه اسطورته، والمتعلقة بالقدرة على التحويل التي يتمتع بها الشعر والغناء، والفن بعامة. يقول عنها ريلكه انها “سلسلة من خمس وعشرين سونيتة، مكتوبة كنصب جنائزي لفيرا كنوب… إن سونيتة واحدة هي الرابعة والعشرون، أي ما قبل الأخيرة، تتكلم عن الراحلة مباشرة، ومع ذلك فالمجموع كله يبدو لي شبيهاً بهيكل مبنيّ حول صورتها الشخصية”.

يقول انها، ومجموعته “حياة مريم” من إنتاج ساعاته “الشاردة”، اي غير المخصصة لكتابة مراثي دوينو. يشبّه في رسالة الى إكزافير فون موس في 12 نيسان 1923، كتابة هذين العملين بالإملاء الذي لم يفعل سوى الإستجابة له: “إن هذين العملين هما الإملاء الأكثر سريّة والأكثر غموضاً حتى عليّ أنا نفسي، الذي استطعت أن احتمله وأنفّذه”.

في السونيتات، يظهر نرجس بالاسم الصريح في سونيتة مكرّسة للمرايا (السونيتة الثالثة من القسم الثاني). يتوجّه الى المرايا قائلاً: “أحياناً تملأك لوحات/ بعضها يبدو وقد أقام فيك الى الأبد/ لوحات أخرى بفعل خوفها لم تفعل سوى أن تمرّ/ لكن الأجمل ستمكث هناك – الى أن/ ينفذ الى داخل خدّيها/ شبه ذائبٍ فيهما، نرجس الجليّ” ¶

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق