الأقباط والأقليات في الحقبة الجديدة: قمع المجتمع لا الدولة / بقلم جهاد الزين

تهبط علينا أخبار الاصطدامات الطائفية بين مسلمين واقباط في بيئات شعبية في مصر، والتي غالباً ما يتحوّل فيها الاقباط الى ضحايا، كالمنبّه الساعة في غرف النوم، لا لتخبرنا بشيء جديد بل لتخرجنا من سبات عابر.
حصلت هذه الاصطدامات مرة اخرى… ومن المأسوي القول انها ستحصل مرة اخرى في حي شعبي في احدى المدن او احد الارياف المصرية. الواقعية تتطلب انتظار حصولها المفاجئ هنا او هناك او هنالك في مجتمعات رغم تراثها التعايشي تتحول اكثر فأكثر الى غيتوات دينية ضيقة او واسعة، المساحة والعدد ليسا المعيار هنا بل الانغلاق الطقوسي والحياتي.

سيكون من الاستسهال تحميل الدولة المصرية منفردة مسؤولية ما بلغته الحالة الطائفية. ولكن العوامل المتفاقمة السياسية والإيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية تجعل ما وصلنا اليه ظاهرة ليست محصورة بمصر وحدها في منطقة المشرق العربي ذات التنوّع الديني والمذهبي. لا سيما حيث يشكل المسيحيون تقليدياً قطب الثنائية الدينية الاقلاوي او قطب التعددية الأساسي مقابل الحضور الأكثري للمسلمين، لا بل ان الاصطدامات الدينية تصل في مجتمعات الاكثرية الاسلامية الى باكستان وماليزيا.

المسؤولية الامنية للدولة المصرية اكيدة بل بديهية على هذا الصعيد. لكن المجتمع المصري ليس حالة خاصة في المشرق العربي من الاحتقان ذي التعبيرات الدينية، الى حد بات يمكن معه القول ان عدداً من الكيانات الوطنية يشهد الآن ظاهرة قابلية، بل جاهزية مجتمعاتها لممارسة العنف على بعضها البعض، اقليات واكثريات، مع بلوغ الاحتقان الديني حدا بات يتخطّى مسؤولية الدولة الوطنية نفسها، او قدرتها الامنية والاستيعابية.

هل هي الاصولية الدينية؟ ام ان الاصولية الدينية نفسها هي نتيجة سياسية للاحتقان الانغلاقي الذي بلغته مجتمعاتنا بتضافر عميق ومتداخل ومعقّد لعوامل عالمية ومحلية. لقد قيل في التسعينات ان “العولمة” تشكّل في اكثر من مجال تحديا للسلطة التقليدية للدولة الوطنية. انه تحد من اعلى، اي من خارج في منظومة علاقات عالمية، ولكن الظاهرة التي نحن بصددها، الانتقال من قمع الدولة الى قمع المجتمعات، اي الى تشكّل القوة القمعية للمجتمعات وسلاحها الاول التعصّب الديني، هو تحد “من تحت”، من الداخل، لسلطة الدولة الوطنية التقليدية، اذا جاز هذه المرة التعبير المقابل.

على ان المفارقة الهائلة الدلالة التي ترتسم الآن بوضوح مأسوي مع انتهاء القرن العشرين ان مسيحيي منطقة المشرق العربي من مصر الى العراق مروراً بلبنان وسوريا وسائر بلاد الشام، استقبلوا اوائل ذلك القرن بتفاؤل سياسي كبير عندما أدت نهاية الامبراطورية العثمانية الى نشوء دول اصبح لهم فيها حضور سياسي اساسي بل متساو وحتى متقدم. ها هم اليوم اذا اجرينا جردة للقرن العشرين كقرن نشوء الكيانات الوطنية في المنطقة، يجدون انفسهم وقد تراجعوا ديموغرافياً بأرقام خطرة تعبر عنها قياداتهم الكنسية بأشكال معلنة وصريحة.
لقد بدأ القرن العشرون في الاناضول وبسبب الحرب العالمية الاولى ونتائجها المباشرة بفراغ ديموغرافي شبه كامل من بضعة ملايين من المسيحيين اليونانيين نتيجة الصراع بين مشروعين: الدولة – الامة اليونانية التي اعتبرت الامتداد الى آسيا الصغرى جزءا من صورتها “التاريخية” عن نفسها يونانياً ثم بيزنطياً، والدولة – الأمة التركية التي كانت في حالة ارتداد نحو دولة بديلة عن امبراطورية مهزومة. كذلك بصورة من الصور دفع الأرمن ثمن صراع بين الدولة – الامة الارمنية والدولة – الامة التركية، كان مسرحها الاجزاء الغربية والجنوبية من الاناضول.

الجماعة المسيحية التالية التي دفعت الثمن المباشر لتشكل “الكيان الوطني” الجديد كانت الجماعة المسيحية العراقية في الدولة العراقية التي ستنشأ من ثلاث ولايات عثمانية سابقة. لقد خرج الآشوريون فعلياً من السياسة العراقية مبكراً. فرغم المآسي التي لا يزال يتعرض لها مسيحيو العراق الآن من سهل نينوى مع الاكراد و”البن لادنيين” الى الموصل وبغداد مع التطرفين السني والشيعي (حتى البصرة)، رغم ذلك ليس صحيحاً ان شبه “الانقراض” المسيحي في العراق بدأ في السنوات الاخيرة. لقد كانت الضربة القاصمة – وبتوريط بريطاني للآشوريين – على يد الجيش العراقي الملكي في الصدام الشهير الذي افتتح هجراتهم الحديثة الى الجزيرة السورية… والآن الى محيط دمشق ونسبياً حلب. وهما محيطان يشهدان ازدهاراً اجتماعياً كنسيا مسيحياً عماده مسيحيو العراق ومسيحيو منطقة الجزيرة في اقصى الشرق الشمالي السوري، فيما تشكل سوريا عموماً – وهذه ظاهرة تحتاج الى درس – وضعاً معاكساً للاتجاه التراجعي المسيحي في المنطقة وتحديداً بين مصر وفلسطين والعراق، مع استثناء ايجابي ايضاً للثلاثة بالماية المسيحية من شرق الاردن برعاية سياسية من النظام تجعل نسبة مقاعدهم في بعض المؤسسات التمثيلية تتخطى الى 6 بالماية فأكثر. لكن يبقى الوجود الديموغرافي الاساسي المسيحي في بلاد الشام هو في سوريا، بينما الكتلة الرقمية الكبرى لا تزال – وستظل – لأقباط مصر، المختلف على تقديرهم العددي بين سبعة الى عشرة ملايين.

إذاً اسفر القرن العشرون، المفترض انه، وهو كذلك، قرن انشاء الكيانات الوطنية التي ساهمت النخبة المسيحية المشرقية في التمهيد لها منذ نهاية القرن التاسع عشر، اسفر في نهايته عن تراجع ديموغرافي – سياسي دراماتيكي لمسيحيي المنطقة، كانت الحرب الطائفية في لبنان آخر فصولها في ربع هذا القرن الاخير بين 1975 – 1990. واذا كان بعض التطرّف القبطي قد حاول الترويج من بعض المهاجر الاوروبية والاميركية الى نوع من “المسيحية المقاتلة” في مصر لم تتحوّل في اي يوم الى ظاهرة جدية داخل المجتمع القبطي الاوسع نفسه، فإن لبنان كان يشهد في حربه الأهلية آخر واقوى انواع “المسيحية المقاتلة” التي انتهت لأسباب عديدة ايضاً الى تعرض المسيحيين لنكبة ديموغرافية في الجبل وبعض مناطق اخرى. وأحد الاسئلة المفترض ان تشغل بعض النخبة السياسية اللبنانية هو هل تبدي النخب السنية والشيعية تساهلاً، بل تراخياً، (اذا لم نقل تواطؤاً) امام الاصولية الاجتماعية التي باتت تسيطر على البيئتين السنية والشيعية في لبنان، وهي تتخطى مجرد “الاصولية السياسية”، بل بشكل من الاشكال يمكن القول انها ليست بالضرورة متماهية معها تماماً. فيمكن للاصولي الاجتماعي، السني او الشيعي، ان يكون حتى ضد حزب اصولي سياسي، ولكنه في الممارسة الاجتماعية اكثر تشدداً منه او اكثر تطابقاً معه. هذه الاصولية الاجتماعية المتمادية والمتعددة الطبقات، كيف تنعكس – رغم شعارات الاعتدال – في تحوّل النظام الطائفي اللبناني الى اولويات فعلية جديدة في علاقة لبنان بالمنطقة. حتى ان التأمّل في الحالة اللبنانية، ولو ابتعدنا قليلاً، قد يفضي الى تفسير برنامج “لول” التلفزيوني غير المألوف في اطلاق النكات الجنسية، باعتباره احد اشكال الرد في “لاوعي” بعض البيئة المسيحية على هذه الاصولية الاجتماعية الفجّة عند المسلمين. فجاجة في الليبرالية الاجتماعية تقابل الفجاجة في الاصولية الاجتماعية.
انتقال “مركز” القمع الى المجتمعات… هو حتماً انتقال سياسي في نوع تشكّل السلطات على المدى الابعد. سلطات الممانعة او سلطات التكيّف؟ لكن الاكيد حالياً ان بعض اكثر السلطات سلطوية تخلّى عن “السلطة الثقافية” للاصولية مقابل الاحتفاظ بالسلطة الأمنية السياسية.

عن جريدة النهار 14/1/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق