الأقليات وخطاب الأكثرية

ثمة إشكالية، غالباً ما نغض البصر عنها، ألا وهي مسألة تبني الأقليات لخطاب الأكثرية. بداية لا غضاضة من أن نقرّ بحساسية المسألة ووعورتها. ولئن كانت كذلك إلا أننا في الوقت ذاته نجدها واضحة في الجهود المستميتة التي تبذلها هذه الأقلية أو تلك بغية تأكيد عروبتها تارة أو إسلامها تارة أخرى وذلك حسب الموضة الرائجة وموقع تلك الأقلية أو هذه من المكوّن الثقافي الغالب الذي تعيش في خضمه.

قبل الولوج في صلب الموضوع تنبغي الإشارة إلى أن مسألة تبني الأقليات لخطاب الأكثرية ليست حكراً على أبناء شرق المتوسط، إذ هي مسألة عالمية، غير أنها تبدو جلية للعيان في بلدان ما تزال ثقافتها قبلية كحال ثقافة شرق المتوسط.

وأياً يكن الأمر، فقد بتنا نشهد، ومنذ أربعينيات القرن الماضي، ظهور حركات ـ في شرق المتوسط ـ على أساس عرقي (كالتفات الأكراد إلى عرقهم في ردة فعل منهم ـ كما نعتقد ـ على تضخم الذات العربية التي كان خير ممثل لها الحقبة الناصرية) أو ديني؛ وظهور تلك الحركات في الواقع ما هو إلا عبارة عن رفض تلك الأقليات (باللاوعي غالباً) لخطاب الأكثرية أو بكلمة أكثر دقة عبارة عن رفض لهيمنة خطاب الأكثرية، وهو خطاب من شأنه أن يلغي الخصوصيات الثقافية لهذه الأقلية العرقية أو تلك الأقلية الدينية لصالح هيمنة ثقافة الأكثرية.

بتحديد أكثر نجد أن المسيحيين (أو بعضهم) يحتاجون بين الفترة والأخرى لتأكيد عروبتهم (مع معرفتنا أن أوائل المفكرين الذين نظّروا للعروبة وتغنوا بها منذ أواسط القرن التاسع عشر تأتي غالبيتهم من خلفية مسيحية)، وبالتالي ولاؤهم لخطاب الأكثرية، في معزل عن إن كانت تلك العروبة عبارة عن عبء حقيقي وعلى الصعد كافة، وتكاد تخلو راهناً من أية مغريات أم لا، على الأقل مغريات معرفية وحضارية راهنة!. لا مانع من القول هنا: انه في معزل عن وضعنا لاحتمال مفاده: انه قد يكون من جملة الأسباب التي دفعت ببعض المفكرين من خلفيات مسيحية لتبني العروبة في القرن التاسع عشر هو الخلاص من الرابطة التي كانت قائمة مع العثمانيين على أساس ديني (إسلامي).

وإذا ما نظرنا الى المسألة من وجهة نظر أخرى، فسنجد إن سعي الأقليات الى تأكيد انتماء ما، يشابه أو يماثل انتماء الأكثرية من خلال تبنيها لخطابها، يؤكد على لا إنسانية خطاب الأكثرية (أية أكثرية كانت) قبالة حالة التزلف والكذب التي عادة ما تضطر الأقليات (أية أقليات كانت) للعيش في دوامتها بغية تأمين الحماية المجتمعية والأمانين الذاتي والجمعي، وهذا لا ينفي في مجمله إن يكون كثر من أبناء الأقليات متبنين لخطاب الأكثرية عن رضا وقناعة!

من نافل القول إن مثل تلك الظاهرة ـ ظاهرة تبني الأقليات لخطاب الأكثرية ـ تكثر في البلدان المتخلفة تاريخياً على الصعد كافة، كحال البلدان العربية الإسلامية. خاصة البلدان التي لم ينتصر فيها مفهوم المواطن بعدُ. وغني عن البيان انه حال بقينا نتحدث بالأقلية والأكثرية بالمعنى الديني أو العرقي، فنحن أبعد ما نكون عن مفهوم المواطن.

وما سبق ذكره لا يمنعننا من طرح سؤال جوهري، مفاده: ترى هل ثقافة الأكثرية دائما على صواب كي تتبناها الأقليات وتنافح عنها؟ وما هو الدليل على كون تلك الثقافة وخطابها على صواب حتى تدور الأقليات في فلكه؟ وهل الأقليات على خطأ لمجرد كونها أقلية بالمعنى العددي حتى تلغي خصوصيتها متبنية خطاباً قد لا تؤمن به!؟. يمكننا هنا أن نضرب مثالاً مبسطاً مفاده: إن المسلمين هم الأكثرية العددية في السعودية، ترى هل هم على صواب لأنهم أكثرية؟ وحال كان الجواب بنعم ماذا سيكون حال الجالية الإسلامية في بلد كأسبانيا؟ ترى هل سيكون أتباعها على صواب لان من يماثلهم في السعودية هم أكثرية؟ أم سيكونون على خطأ كونهم أقلية يعيشون وسط أكثرية مسيحية؟ ومن ثم أي خطاب سيتبنون؟.

أياً يكن الأمر، لا مناص من القول انه قد يكون من نتائج فرض الأكثرية لخطابها، بما ينطوي عليه الخطاب من نمط ثقافي، على هذه الأقلية أو تلك، أن يدفع ببعض الأقليات الى التحالف مع خارج ما قد لا يصب في خدمة مصالح الأكثرية، وربما هذا ما يفسّر لنا ـ في أحد أوجهه ـ سبب التحالف الذي نشأ في فترة زمنية بين بعض موارنة لبنان ممثلين بحزب الكتائب وإسرائيل، العدو التاريخي للأكثرية العددية بالمعنى العروبي/ الإسلاموي، على سبيل المثال لا الحصر.

وإشارة بيان المطارنة الذي صدر في الأسبوع الأول من تموز ,2007 على سبيل المثال، إلى «أسلمة لبنان» وإن كانت متأخرة جداً، ولا تنسجم إطلاقاً مع الواقع اللبناني من جهة الاختلال الديموغرافي الذي آل لمصلحة المسلمين، إلا أن أهميتها تأتي من قرعها جرس الخطر والخوف الحقيقي والجدي من هيمنة خطاب يرتكز في هيمنته هذه على الكثرة العددية بالمعنى الديني لا بالمعنى السياسي!

وليس مصادفة أن تجد أصوات كتّاب لبنانيين تفصح عن تعرض الوجود المسيحي في لبنان اليوم لخطر وشيك جدّي سياسياً واجتماعياً. ولنا أن نتساءل في أنفسنا إلى أين قد يفضي ذلك القلق، حال لم تزل أسبابه، بلبنان لا بالمسيحيين فحسب!.

عود على بدء، لا مفرّ من القول إنه عندما يصبح خطاب الأكثرية يشكل عامل اضطهاد مزمن على أقلية ما، ستبحث تلك الأقلية مباشرة عن حليف خارجي، وهذا ما رأيناه في علاقة زعماء الأحزاب الكردية العراقية بإسرائيل بعد أن شهدت كردستان العراق حكماً ذاتياً عقب حرب الخليج الثانية، ومن البديهي أن تلك العلاقة لم تكن لتنشأ لولا شعور الأكراد المزمن بالاضطهاد من خطاب الأكثرية، لا بل والمتاجرة بذلك الخطاب، إلى درجة أن بعض الأقليات التي تبنته صارت بدورها تتاجر به!. وأعود وأؤكد أن مسألة تبني الأقليات لخطاب الأكثرية مسألة شديدة التعقيد والحساسية في آن، ويزداد تعقدها (وربما خطورتها) طرداً حال كان خطاب الأكثرية متخلفاً ويشكو من معضلة بنيوية حقيقية.

نشر في السفير في 13/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق