الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (31)

ربّما تكون “اليزيدية” هي الطائفة الأكثر إشكالا في تاريخ المنطقة العربية، حيث تداخلت الأقوام والديانات في نسيج لم يكن متكافئا، وبشكل خاصّ بُعيد انتشار الدعوة المحمّدية وانتصار الإسلام، لأنّ المقدّس هو الأقدر على إلغاء الآخرين الذين لا يؤمنون بحقيقته، فكيف إذا كان الآخر من عبدة الشيطان؟

كانت هذه التسمية شبه نكتة في يفاعتنا الأولى، نكتة تشبه الخرافة، تقول: يوجد أناس ضمن منطقة سنجار في العراق يعبدون الشيطان، وإذا رسمت دائرة حول أحدهم، فإنه لن يستطيع الخروج منها حتى تفتحها له. وتستطيع الآن أن تدرك مدى الرعب والاضطهاد الذي يمكن أن تلاقيه طائفة كهذه ظلّت تعيش بين ظهرانينا حتى الآن، لكنها لا تستطيع أن تفصح عن حقيقتها المرفوضة سلفاً من قبل الآخرين الذين يشكلون محيطاً اجتماعياً وإطاراً قانونياً واقتصادياً يعيشون في ظلّه.

لذلك بقيت هذه الطائفة مجهولة ومُتجاهلة من قبل الآخرين، حتى أنّ بعض الدارسين كجورج حبيب يعتبر “اليزيدية” طائفة مسيحية، بينما يعتبرها “سعيد الدملجي” و”عبد الرزاق الحسيني” أحد الانشقاقات الإسلامية، فيما يصرّ مثقّفو الكرد مثل “أنور المائي” و”شاكر فتاح” على اعتبارها امتداداً للزرادشتية.

والأصحّ أنّها طائفة أو دين شرقيّ قديم، يعود لما قبل الإسلام بل ما قبل الميلاد، وقد تعرّضت “اليزيدية” إلى تطوّرات لاحقة بتأثير الوسط الاجتماعي الثقافي، وصراعات القوى السياسية التي أحاطت بهم، إذ غالباً ما استُخدموا كقوّة عسكرية بيد السلطات السياسية للدول التي وجدوا في إطارها، وهذا بدوره عرّضهم لاضطهاد شديد نتيجة تقلّبات الدول والسلطات السياسية.

فنجد في إحدى فترات الدولة العباسية أنّ قائداً عسكرياً “بدر الدين لؤلؤ” ارتكب مجازر بحقّ “اليزيديين” وقتل الكثير منهم لمجرّد الاعتقاد الدينيّ، فيما أمّرت الدولة العثمانية بعض قادتهم، كـ”حسين الداسني” وسواه على بعض المدن، وبشكل خاصّ تلك التي يقطنها أغلبية “يزيدية” في تلك الفترة، ومن المعروف أنّ العثمانيين استخدموا “اليزيديين” كقوّة عسكرية في معركة “شالديران” ضدّ الصفويين، لكنّ الدولة العثمانية أصدرت فتوى دينية لاحقة، تنصّ على أنّ من يقتل سبعة يزيديين يدخل الجنّة !

وقد نشأ التباس شديد بين “الأكراد” و”اليزيديين” الذين تعرّضوا جميعاٍ للمؤثّرات والضغوط ذاتها، علما أنّ “اليزيديين” هم أكراد يتكلّمون اللغة الكردية، لأنّ “الكرد” قومية فيما “اليزيدية” دين، ولا يوجد “يزيديّ” غير كرديّ، رغم اعتراض بعض المتشدّدين منهم أو المغالين الذين يعتبرون أنفسهم قومية مستقلّة عن “الكرد”، لا يجمعهم بها إلا اللغة. وسبب ذلك يعود إلى العلاقة المتوتّرة بين الفريقين نتيجة الولاءات والصراعات والحروب التي كانوا بيادق فيها. وهذا ما ظهر واضحاً في مؤتمر الأديان الذي عُقد في ألمانيا عام 2004، حتى أنهم طالبوا “الأكراد” أو التنظيمات الكردية بالاعتذار عمّا اقترفوه من جرائم أو ألحقوه من اضطهاد وأذى بحقّ الطائفة “اليزيدية”.

ويعتقد معظم “اليزيديين” أنّ تسميتهم تعود إلى لفظة “أزيدين” وهي الاسم الواحد بعد الألف من أسماء الله، فيما يعود آخرون بالتسمية إلى لفظة “يزدان” وهي اسم الله باللغة الكردية، بينما يُرجع بعضهم الكلمة إلى مدينة “يزد” في إيران، والبعض يربط هذه التسمية بوجود معبد “إيزيدا” عند البابليين. وليس صحيحاً ما يُنسب إلى علاقتهم بيزيد بن معاوية.

أمّا فقهياً فـ”اليزيديون” لا يعترفون بوجود نبيّ أو وسيط بينهم وبين الله، وهذا ما يمنحهم تفوّقاً على الديانات التوحيدية. لأنّ اتصال المرء منهم مع خالقه اتّصال مباشر، وعندما يكتشف اليزيديّ الطريق الصحيح من الطريق الخطأ يكون قد وصل إلى متعة المعرفة، وهذه تمنحه الرضى عن الذات.

ويؤمن اليزيديون بالتقمّص كسائر الديانات الشرقية القديمة، كما يؤمنون بالرؤيا أيضاً، وهم يقدّسون الحية السوداء لأنّها هي التي سدّت الثقب في سفينة نوح أثناء الطوفان، وأنقذت البشرية أو الحياة، وهذا مؤشّر على ارتباطهم بمجموع المثيولوجيا الشرقية القديمة، كما يقدّسون السمك أو يحرّمون أكله. والعطلة المقدّسة لديهم في الأسبوع تصادف يوم الأربعاء، ولديهم ثلاثة أيام للصوم ابتداءً من يوم الثلاثاء في الأسبوع الثاني لشهر كانون الثاني / يناير من كلّ عام، وتستمرّ من الثلاثاء حتى الخميس، إذ يكون عيد الصيام هو الجمعة ويدعى أيضاً “عيد يزيدا”.

كذلك لديهم عيد رأس السنة أو “سرسال” والذي يصادف 14 نيسان/ إبريل، وهناك عيد “الخضر/ إلياس” أو عيد “الأمنيات” في 17 شباط/ فبراير حيث يتناول اليزيديّ دقيق الحبوب المطحونة مع الملح، ويعتقدون بتحقّق الرؤيا التي تحدث في هذه الليلة أثناء النوم. كما يوجد لديهم أعياد أخرى ترتبط كلها بالمثيولوجيا القديمة، لكننا نلاحظ أنهم لا يستخدمون التقويم الهجريّ إطلاقاً.

أمّا بالنسبة لعبادة الشيطان، فنحن نعرف في الإسلام أنّ الشيطان هو الملاك الوحيد الذي عصى أمر الله في السجود لآدم، لأنّه مخلوق من نار بينما آدم مخلوق من تراب، والبعض يعتبره رئيس الملائكة، أمّا عند الديانات الشرقية القديمة فالشيطان هو “شيدا” إله الفجر والضياء، والذي تحوّل في الزرادشتية إلى إله الشرّ. لكنه وفي كلّ التفسيرات القديمة مقدّس وتسمية الشيطان هي تسمية سيّئة يجب أن لا تطلق على مقدّس. لذلك نجد أنّ “اليزيديين” لا يلفظون هذه التسمية، فإذا كان الشيطان حقيقة إله الشرّ، فعلينا أن نتجنّب شرّه عن طريق التقرّب والعبادة دون ذكر اسمه. ويُعتقد أنّ عبادة الشيطان لم تظهر في صيغتها تلك إلا بعد التطوّر الذي أدخله “الشيخ هادي” وهو “عَدي بن مسافر” متديّن إسلاميّ وصوفيّ من إحدى قرى بعلبك في لبنان وتدعى “بيت فار”. وقد سافر “الشيخ هادي” إلى سنجار ودخل في الطائفة “اليزيدية”، بل أحدث فيها أهم تطوّر فقهيّ وتنظيميّ، حيث قسّم “اليزيدية” إلى ثلاث طبقات اجتماعية ودينية، يتوسّطها الأمير في المركز، وهذه الطبقات هي بحسب اقترابها من المركز- الأمير-:

“البير” أو المعلّم ويتألفون من 11 عائلة.

“الشيخ” أو من يعطي النصائح ويتألفون من 77 عائلة.

“المريد” أو العامّة، ويشكلون باقي الطائفة اليزيدية.

وقد جعل “الشيخ هادي” هذه الطبقات مغلقة على نفسها، ويُمنع التزاوج فيما بينها، فكيف مع الطوائف والأديان الأخرى؟!

ويُعتقد أنّ هذه المعادلة هي جذر الدائرة التي ترجع إلى اعتقاد قديم بأنّ: الدائرة أصل كلّ شيء. والمكان المقدّس “لالش” في سنجار، والذي يعتقدون أنّ سفينة نوح قد رست فيه، هو مركز العالم الذي يسعى الكلّ في الهوامش للتقرّب منه كقيمة دينية واجتماعية. وفي كلّ المدن القديمة نجد أنّ المعابد تحتلّ المركز، وانطلاقاً منها تتحدّد الدوائر الصغيرة في المحيط، حيث تشكّل هذه الدوائر تخطيطاً للطبقات الاجتماعية والدينية عند “اليزيدية”. والخروج من الدائرة يُعتبر خروجاً من الدين. لكنّ هذا المفهوم تحوّل لاحقاً إلى بُعد رمزيّ- أخذ يتلاشى في الواقع- بسبب الكثير من الحرج والأذى الذي لحق بأبناء الطائفة وأطفالهم.

لقد تعرّضت الطائفة “اليزيدية” إلى عمليات تهجير كما عانت من نتائج الهجرة غير الشرعية إلى أوربا وألمانيا تحديداً، نتيجة الضغوط التي تمارس عليها، حتى أننا نشهد في الجزيرة السورية حالياً وجود قرى خالية تماماً من سكانها.

ويُقدّر عدد “اليزيديين” في العالم حالياً بأربعة أو خمسة ملايين نسمة، إذ لا توجد إحصائيات دقيقة لهم، يتوزّعون بشكل أساسيّ في العراق ضمن منطقتي “بحزاني” و”بعشيقة” أو “لالش” في جبال سنجار، حيث يوجد المركز الدينيّ الأوّل لهم. كما يتواجدون بنفس الكثافة تقريباً في شمال شرق تركيا في “ديار بكر” و”آمد” بمنطقة “قارص” التي كانت تشكّل أهمّ موطن لهم. إلا أنّ غالبيتهم هاجر بضغط من الدولة العثمانية وخوفاً من بطشها باتجاه إيران، وبعد ثورة 1917 في الاتحاد السوفييتي سابقاً شكلت أرمينيا وجورجيا موطناً آمناً لهم، وأعطوا في “يرفان” عاصمة أرمينيا إذاعة تبثّ يومياً باللغة الكردية، كما افتتح فيها قسم لدراسة اللغة الكردية، لذلك نجد أنّ أغلب مثقّفي الطائفة “اليزيدية” هم من سكان أرمينيا أو جورجيا، بينما أكراد أذربيجان كلّهم مسلمون.

وفي سوريا نلاحظ انحسار وتراجع أعداد “اليزيديين” إلى ما يُقارب الثلاثين ألفاً فقط، يتوزّعون في منطقة “عفرين” أولاً، ثم في “الجزيرة السورية” و”عين العرب” وضمن أغلب التجمّعات الكردية، إلا أنّ كلّ من وجد منهم في المدن السورية كدمشق وحلب مثلاً هو مهاجر من المناطق المشار إليها سابقاً.

ونلاحظ أنّ “اليزيديين” في السجلات المدنية السورية هم أقلّ من ذلك بكثير، إذ سجّل أغلبهم تحت خانة “الزرادشتية” أو “الإسلام” حسب أهواء موظّفي السجلّ المدنيّ، بحيث نجد أشخاصاً في العائلة الواحدة بعضهم “زرادشتي” وبعضهم “يزيدي” وبعضهم “مسلم” !! وقد خلق هذا الواقع إشكاليات كبيرة في معاملات الزواج والإرث، إذ لا يلحظ قانون الأحوال الشخصية وتحديدا قانون الميراث منه هذه الطائفة، لذلك سُجّل أكثرهم أثناء معاملات الزواج “مسلمين”، وبعض من حافظ منهم على خانة “اليزيدية” واجه مشاكل جمّة في معاملات الإرث، غذّاها بعض المحامين المستفيدين من دعاوى الإرث، إذ تنصّ القاعدة الفقهية أن “لا توارث مع اختلاف الدين”. ممّا أجبر بعضهم على الانتقال إلى خانة الإسلام، دون أن يعني ذلك أيّ ارتداد عن المذهب “اليزيدي”، وهذا بدوره شجّع بعض الدارسين على اعتبارهم إحدى الطوائف الباطنية في الإسلام.

يجدر بالذكر أنّ مثقفي الطائفة “اليزيدية”، وبشكل خاصّ المهاجرين منها نشطوا مؤخّراً للتعريف بأنفسهم والمطالبة بحقوقهم، وقد أنشئوا العديد من المواقع الإلكترونية، كما يصدرون عدداً من الدوريات أهمها “لالش” التي تصدر حالياً باللغة العربية وفيها قسم كرديّ، وكانوا يكتبون لغتهم الكردية بأحرف عربية، لكنهم حالياً يكتبونها بأحرف لاتينية، وتصدر مجلة “لالش” عن مركز “داهوك” في العراق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق