الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (32)

أخذوا سودا إلى أمريكا. أسلم صينيون أثناء “الفتوحات”. هاجر عربٌ إلى أوروبا. تنصّر عربٌ زمن المسيح، ثم أسلم أغلبُ جيرانهم مع محمّد. وعربٌ تنصّروا عبر القرون. سقط كردٌ بين فكّيْ هلال، وفي التاريخ الحديث بين رايات أربع. بقي مصريّون تحت الصليب، والدولة مسلمة. دخل صُفرُ الجِلْدَةِ خليج العرب خدما، وإن لم يطردوا ليكوننَّ أقلية أخرى تعيش بين جغرافيا الإقامة وجغرافيا الأرض البعيدة، حيث هويّة أخرى.

أبيدت قبائل الهنود وتوافدت ملايين بيضاء وتوالدت. تاريخ الدم حّولهم، على أرض كانت هُم إلى أقلية.

… وكان لفلسطين يهودها.. أصبحت لليهود، والأقليّة تصبح كلّ يوم أقلّ.

وثمّة أقلّيات كثيرة داخل الأكثريات. ومن العبث القول إنّ هنالك أقلّية متماسكة وكاملة وموحّدة، فهنالك فقراء الأكثرية وأغنياؤها، “وضعاؤها” ونبلاؤها، تابعون وأسياد… ولنعلم أنّ جمهور الأكثرية لم يتفطّن لأمر غلبتهم ولم يؤمن بها قبل أن يؤسّس أسياد أقلّيتهم منظومة “إيديولوجية” وبنية من الأفكار و”أعيُنا” لرؤية الآخر على أنّه أقلّ. ومن كان أقلّ عددا هو أقلّ في كلّ شيء. عاداته أقلّ ولغته أو لهجته أقلّ ولباسُه غريبٌ وأقلّ، وديانته أقلّ.. ودمُهُ مستباح لأنّه أقلّ.

***

ليس هنالك أقلية، هل هنالك أقلّية دائمة؟ ومن كان أقلّيا هنا، أكثريٌّ هناك. من كان مضطهَدا هنا، يضطهِد هناك. وليس بالضرورة أن يقتل، هنالك نفي أخطر من القتل.

أرفضك لأنّك لست مثلي، لا تقبل الحقيقة التي أعتقد. والحقيقة التي أعتقد فيها، هي الحقيقة ذاتها بالمعنى المطلق والمرجع المقدّس، وأيضا (ربما) بالدستور والوثائق الإدارية والأغلبية البرلمانية، وخطابات رئيس الجمهورية أو دماء سموّ الملك.

***

قد أكون في السودان أفصح منك لسانا وأقلّ منك سوادا، وأسكن عاصمة البلاد، وهي عاصمة لأنّها أكثر بناءات وفيها أموال أكثر وفيها السفارات وتأتيها الوفود، وفيها الحرس والعسكر… أنا أشرف.

قد أكون في القاهرة، عاصمة المعزّ، واللعنة عمّن كفر، خذ صليبك، وصلّى الله على محمّد… يا سيدي الحسين، يا سيدة زينب، يا أولياء الله، لا إله إلا إلا هنا.

قد أكون في أيّ مكان “يتغلّب”. يرفض. يتعلّم فيه الطفل ألا يقبل غير من كان على دينه أو لغته، أو لون جلده.

قد أكون في دمشق، ولا أهميّة للعدد، والأغلب من كان أقوى، لا أهميّة للعدد. الأغلبية سلطان، وللأشرف لكنة معلومة وجزء من شمال معلوم.

قد أكون في الجزائر.. بلد عربيّ مسلم، هذا أمر رسميّ، وهذا ما أكّدته الثورة… هل تتنكّر لدماء الشهداء؟ قالوا: منّا شهداء، وأغلبنا شهّد وسبّح. قيل لهم: شهداؤنا أشرف، وحزب الثورة أكبر… ثم إنّكم “بربر”.

قد أكون في الجزائر قبل “فتح” (هكذا،، رغبة في التذكّر)، لا عرب، ربما بعض العرب، لا إسلام. لكنها اليوم على جبهتها ضاد، تسجُد.

قد أكون في تونس، (حسنا) لا شيء في حرب الأعراق يذكر… ربما ثمّة ما هو أخطر.

***

أسمعُ صوت مقدّم الأخبار (أو صوت أحد ضيوفه)، من الغرفة المجاورة، قال: الاقتصاد المعولم… نعم، وقبل هذا بكثير، أعتقد من البدء، نشأت أقليات من ثنائية الثراء والفقر… يقولون الآن: أقلية تملك الثروة، (طيّب) وثروتها أغلبية، نفوذها غالب، لها السلطة والقدرة على التحكّم… لا أفهم.

… “القرارُ الوطنيّ تحدّده الأغلبية”، ما معنى الأغلبية، هنا؟ إنّها بالتحديد تلك الأقليّة التي تملك المال والسلطة السياسية. وهي التي تصنع التفاوت بين الفئات والجهات(المُقاطعات).

وهذه الأقليّة الغالبة هي التي تنتج إيديولوجيا التّفرقة، وتكرّس الإرث التاريخيّ لمختلف أنواع الصراع على أساس الدين والعرق.

***

هل تستطيع السلطات السياسية، في العالم العربي، أن تقضي على أنواع العنصريات ضدّ الأقليّات؟

أعتقد أنها تستطيع الكثير، ولا تستطيع لوحدها، ولا تستطيع أن تقضي على الأمر نهائيّا.

فهي تستطيع أن تكرّس تشريعات تكفل حقوق كلّ الأفراد باعتبار الانتماء المدنيّ للدولة، ويمكنها أن تفرض على كلّ المصالح الإدارية أن تتعامل مع مواطني دولتها دون تفرقة وطبقا لقوانين تسري على الكلّ.

وهي لا تستطيع لوحدها، لأنه لا يمكن مجابهة هذا الخطر دون حركة ثقافية تقدّمية وعلمانية وحداثيّة تدعم إرادة سياسية في هذا الاتجاه… إضافة إلى حركة مدنية ومواطنيّة تؤمن بأنّ مواجهة أخطار العنصرية تكفل التقدّم وتضمن حقوق الأفراد والجماعات وتكرّس مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان.

ولن يُقضى على الأمر نهائيّا لأنه ذاهب في التاريخ، ساكن في زوايا الذوات الاجتماعية، ومهما تغلبنا عليه يمكن أن تحرّكه نعرة ما، فيطفو من جديد. لذلك يجب أن نحصّن الدولة لأجل المجتمع، ونحن نعلم أنّ إيديولوجيا الدولة يمكن أن يتبنّاها المجتمع بعد بضعة عقود، ويمكن أن تتحوّل التشريعات إلى لبنات تأسيس وبناء ذهنيّة قادرة على قبول الآخر القريب قبل البعيد.

***

الأقليات تحدّدها الجغرافيا حيث تعيش كلّ مجموعة. وإن هي رحلت امتلكت جغرافيا جديدة بقيم جديدة وأوضاع جديدة وسلطات أخرى أكثر أو أقل، أو معدومة.

والأقليات حدّدتها حركة التاريخ، ورحلات أجزاء الشعوب عبر الجغرافيا على مرّ التاريخ، لتكون أقوى هناك حيث كانت أضعف هنا، أو العكس، أو أمر آخر.

الأكثريات ليست محدّدة بالعدد دائما، هنالك قيم أخرى تصنعها، ويمكنها أيضا أن تقدّم أرقاما حسب مصالحها، أو أن تقتل وتهيمن وتدجّن وتُدخل في ملّتها لتغيّر في العدد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق