الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (5)

طالما تمنّيت الكتابة عن هذا الموضوع، ودوما كنت أخشى ما يسمّى الفتنة. فالصمت آمن من الكلام الذي قد يؤخذ بمنحى بعيد عن الغاية الحقيقية.

لكن اليوم، وبعد تراكمات عديدة، لا بدّ من الكلام، وهو الكلام الذي يعني البوح بعيدا عن التعصّب والخوف والاتهامات. ربما شجّعني على ذلك المسلسل السوري “ليس سرابا”، أو مشروع الأحوال الشخصية المقترح، وربّما هو غاية الملف ذاته في إخراج ذلك الغسيل المتعفّن وإطلاقه للنور بصراحة وبمحبّة.

كنّا نعيش في بيئة خارج بيئتنا كمسيحيين، لم نكن من عائلة متديّنة فلا طقوس للصلاة أيام الآحاد ولا صور أيقونات في غرف المنزل ولا قسم يمين بغير الله…

كان كلّ شيء عادياً، إلا أننا كنّا نتلقّى تعاليم الدين من خلال مدارس يوم الجمعة من راهبات في مركز ديني قريب من بيتنا، وكان ذلك في المرحلة الابتدائية فقط. وإلى هنا انتهى كلّ ما يربطنا بالكنيسة، عدا مناسبات الأفراح والأحزان. إلا أننا مسيحيون حتى العظم، بإيماننا ومحبّتنا للمسيح، وتربيتنا المسيحية أخلاقيا.

في حارتنا كانوا يزيّنون الحارة في عيدي الفطر والأضحى، وكنا نتشارك مع الجميع في هذه الزينة وفي تنظيف الحارة، وهذا لا ينطبق على عيدنا طبعا، رغم وجود أكثر من عائلة مسيحية، وهذا ما وقفت عليه حين كنت التاسعة من عمري، عندما سألت والدي لماذا نعطيهم ليزيّنوا في عيدهم ولا يزينون في عيدنا؟ وكان جوابه إنّ الحارة حارتنا، ومنذ ذلك الوقت لم أعد أسأل عن ذلك، وكلامي هذا من منتصف السبعينات حتى منتصف الثمانينات إلى أن انتقلنا إلى منزل آخر، وانتقلت معنا مرحلة في سورية ازدادت تعصباً، وهنا في البيئة نفسها استطعنا كأطفال بدأوا يكبرون أن نتلمس الفروق بيننا: بين المسلم والمسيحي. هم لا يختلطون فلا زيارات عائلية، وإن كان فيطالبون بالانفصال بين الرجال والنساء، وهنا ازدادت التساؤلات وازداد التعصّب في بيتنا. فممنوع لبس القصير والتأخر خارج المنزل، بل كان ممنوعا علينا أن نزور أصدقاءنا وحتى أولاد جيراننا بدون أن يعرف سبب الزيارة ومن الموجود في المنزل، وان كان بالإمكان إلغاؤها فهذا أفضل. أمّا خارج البناية فيجب أن يقدّم تقرير كامل عن العائلة التي سنزورها: مسلمون أم مسيحيون؟ وكم عدد الإخوة؟ وهل يوجد شباب أو رجال وماذا يعملون؟

تساؤلات كثيرة كانت تتبع بالرفض دوما. فلا زيارة لأحد بدون رفقة الأهل. كان جيراني في البناية ينطلقون بحرّية أينما شاؤوا رغم حجابهم، وأنا على أساس أنّي متحررة لا يسمح لي بالخروج. كانوا يتساءلون أنتم مسيحيون يمكنكم أن تفعلوا ما تشاؤون، لماذا هذا المنع؟ ورغم القهر من منعي من الخروج والتسلية كنت أقهر أكثر عندما أسمع كلاما كهذا. إنّكم مسيحيون يمكنكم فعل ما تشاؤون، وكان والدي غير متديّن وأقرب ما يكون إلى العلمانيّة، لكنه كان يؤكد دوما أنّه بالرغم من مودّتنا لهم فإنهم لا يحبوننا، وهم يرغبون دوما بالإيقاع بنا، وإدانتهم لنا جاهزة بمعنى ما، لذلك من الأجدر عدم الثقة بهم..

كنت أظلمه عندما أفكّر بأنّه متعصّب، لكن عندما بدأت حياتي الجامعية بدأت أحتكّ أكثر.. صديقاتي المسلمات كنّ يقلن لي “إننا متعجّبون فرغم أنّك مسيحية لا تلبسين القصير ولا تخالطين الشباب !” وكان التعجّب يبدو واضحا بعد خلطة تدوم أكثر من عام دون أن يعرفن ديني. فكنّا حقيقة لا نتكلّم بالدين ولا بالطوائف، لكن ما أن يعلمن ديني حتّى يتعجّبن من أخلاقي التي لا يتوقعنها لأنّي مسيحية، فأنا مدانة فقط لأني مسيحية.

ذات مرّة تعرّفت على صديقة لي مسلمة بحارتنا المسلمة أيضا، وكلتاهما تحبّني وأحبّها، قالت صديقتي عنّي “إنها فتاة رائعة كأنها ليست مسيحية!!” أي أنّ تهمة المسيحية لازالت موجودة ولا زال الذنب معلقا على المسيحي ولو أثبت أنه ملتزم. جارتنا قالت لأمي يوما : ظننت أن النساء عندكم يخالطن جميع الرجال كأزواجهن، وأتعجب الآن من طريقة حياتكم. إحدى المعلمات سألت هل عندكم عيد مثلنا؟ كان زملائي في المدرسة يسألونني متى يأتي رمضانكم؟ الجهل الكامل بالمسيحي والدين المسيحي هو ما نلمسه دوما، أما بالنسبة لنا فنحن على معرفة بالكثير من أمور الدين الإسلامي لأنّنا نعيش معهم ونحضر الدروس الدينية في أكثر الأحيان، فعند البرد والحرّ الشديد كان يسمح لنا بالجلوس في حصة الديانة الإسلامية.

والآن مع أنفلونزا الخنازير لا نرحم من الأسئلة : هل ما زلتم تأكلون الخنازير؟ عرفتم أن الله حقّ؟ لقد حرّم لحم الخنزير وها هي اليوم الأنفلونزا تجتاح العالم.

تفاصيل كثيرة، صغيرة، كبيرة، تعيش وعاشت بيننا، أكدت عندي أمورا عندما كبرت بدأت أحللها: أنّنا نحن المسيحيين العرب من أكثر الناس تعرّضا للظلم، فلا مكان لنا بين العرب لأننا مسيحيون، ولا مكان لنا في الغرب لأننا عرب.

إنها نظرة تشاؤمية رغم أنّي أؤكّد دوما أننا لسنا أقلية، فنحن أصل البلد، وأرفض بشدّة تعابير كالأخوة، والآخر، والتسامح، والحوار الديني الإسلامي المسيحي، وأؤمن بالتعايش والحوار الإنساني. لكنّ المشكلة والمصيبة التي تحتاج إلى ثورة؛ هي أن نُعتَبر في القانون ثانويين..أو مواطنين من الدرجة الثانية..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق