الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (6)

تقتضي دراسة وضعيّة الأقلّيات بدءا تحديد مفهوم الأقليّة. ويتعيّن إثر ذلك- لأنّ المشكل كلّه مأتاه من هنا – فحص كيفيات اضطهاد الأقلّيات.

ويبدو أنّ عبارة “أقلّية” لا تحتاج تعريفا دقيقا ما دامت تمثّل فعلا استعمالا جاريا في اللّغة الشائعة، وما دام الجميع يعلم- بالمعنى الواسع للكلمة- ما تعنيه هذه العبارة. ورغم ذلك فإنّ رجال القانون حاولوا وضع تعريف لها، لأنّه من البديهيّ أنّ الحماية الواردة في النصوص ستكون أكثر نجاعة ما لم يلق موضوعها الاعتراض. بيد أنّ الصّعوبات تظهر في هذا الصدد كثيرة جدّا. فمن ناحية، ومن وجهة نظر قانونية، فإنّه يجب الحذر من تعريف قانونيّ للأقليّات يفضي إلى مفاقمة النزعة الانفصالية لبعض الجماعات داخل دول أو إلى خصومات بين الدول المتجاورة. ومن ناحية أخرى، ومن وجهة نظر تقنية أكثر، فإنّه على هذا التعريف أن يتجنّب عقبتين: أن يكون واسعا جدّا فضفاضا فيفقد كلّ فائدة، وأن يكون ضيّقا جدّا فتُفلت بعض الظواهر الأقليّة، فيوشَكُ حرمان بعض المجموعات من الحماية المنصوص عليها في التشريعات.

{{أعمال المنظّمات الدولية :}}

تتجلّى هذه الصّعوبات على نحو واضح من خلال الجهود المخيّبة للآمال نوعا مّا التي تبذلها المنظّمات الدولية لضبط مفهوم الأقلية. فمنذ جانفي / يناير 1950، رأت اللّجنة الفرعية التابعة للأمم المتـّحدة المكلّفة بمسألة حماية الأقليّات أنّ تعريفا للأقلّية ينبغي أن يقوم على الأسس التالية :

– لا تشمل عبارة “أقلّية” إلاّ المجموعات غير المهيمِنة من شعب مّا، والتي لها تقاليد إثنيّة أو دينيّة أو لغويّة أو خصائص، مختلفة اختلافا بيّنا عن باقي أفراد هذا الشعب، وتأمل هذه المجموعات الاحتفاظَ بها.

وعلى هذه الأقلّيات أن يكون قوامها عددا من الأشخاص كافيا لتعزيز هذه الخصائص.
ويجب على أفراد هذه الأقلّيات أن يقيموا الدليل على ولائهم وإخلاصهم للدولة التي هم مواطنوها.
وإذا ما تركنا جانبا النقطة الثالثة وهي معيارية في جوهرها، فإنّنا نتبيّن أنّ هذا القرار يمثّل جهدا محمودا لتحليل مختلف مقوّمات مفهوم الأقلّية. إلاّ أنّ هذا الجهد لم تكن له إلاّ أهمية محدودة نسبيّا. وفي نهاية المطاف آلت أعمال اللّجنة الفرعية إلى صياغة المادّة 27 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، ومداره على “الأقلّيات الاثنيّة والدينيّة أو اللّغوية”: وههنا نجد تعريفا موجزا وذا طابع إحصائي خالص ترك جانبا جوهر المسألة. ولقد انكبّت اللّجنة الفرعيّة للأقلّيات التابعة للمجلس الأوروبي على إعداد بحوث مماثلة، ولاحظت على سبيل المثال أنّ ظاهرة الأقلّيات قد تكون ناشئة عمّا قد يقوم في صلب جماعة من “تعاطف وطنيّ” دون أن تمثّل هذه الجماعة سمات عرقيّة أو دينيّة أو لغويّة مخصوصة. إلاّ أنّ النتيجة كانت هنا كذلك مخيّبة للآمال.

فالنصّ الذي اقترحته اللّجنة لم يذكر إلاّ مجرّد “الأقلّيات الوطنية” وهي عبارة وردت في المادة 14 من الاتفاقية الأوروبيّة لحقوق الإنسان، إلاّ أنّ مضمونها يظلّ محدّدا بكيفيّة غير دقيقة.

{{مفهوم سوسيوسياسيّ:}}

والحقّ أنّ الطابع غير المثمر لهذه المحاولات يبرهن أنّ مفهوم الأقلّية ليس سهل التعريف لأنّه، وبكلّ بساطة، لا يتعلّق بمفهوم قانوني. إذ يتحتّم أكثر حَدُّه باعتباره مفهوما سوسيو سياسيا. وحينئذ بإمكاننا العمل على استخلاص المقوّمات الأساسيّة لهذا المفهوم، وهي فيما يبدو أربعة :

المقوّم المجموعاتي وهو أساسيّ بكلّ بداهة. فلكي توجد أقلّية فإنّه يجب على أفراد مجموعة مّا أن تتوفّر في حدّ ذاتها على خصائص توحّدها وتميّزها في الآن نفسه عن باقي المجموعة الوطنية. وفي الغالب تتحدّث النّصوص – وهي تحاول وضع اليد على الخاصّيات الضامنة للانسجام المادّي لأقليّة مّا- عن جماعة عرقية أو دينيّة أو لغوية. وفي الواقع فإننا لا نجدّ لمفهوم الجماعة العرقيّة إلاّ فائدة قليلة جدّا. في حين أنّ الحالة التي نجد فيها أقليّة سوداء تعيش في دولة بيضاء (الولايات المتّحدة الأمريكية) تجعل مصطلح أقلّية عرقيّة لا يعني أيّ شيء تقريبا، ذلك أنّ مفهوم العرق في حدّ ذاته يعدّ عسير الضبط علميّا. وفي مقابل هذا، فما ينقص التعداد الذي تقوم به عادة النصوص التعرّضُ إلى الأقلّيات التي يمكن أن نطلق عليها تسمية الأقلّيات التاريخية في غياب مصطلح أكثر دقّة. وبالفعل فإنّه قد توجد مجموعات لا يفصلها فعليا الدّين أو اللّغةُ عن باقي الجماعة إلاّ أنّها حُكِمَ عليها بأن توجد في وضعيّة تاريخية لتكون أقلّية.

المقوّم الكمّي الذي يلي المقوّمَ السّابقََ ويُعتبر كذلك لا غنى عنه. فمجموعة مّا منسجمة دينيّا أو لغويّا أو تاريخيا لا تعَُدُّ أقليّةً بالمقارنة مع مُجمل الجماعة الوطنية إلاّ متى استوفت شرطين يتعلّقان بأهمّيتها العدديّة. فمن جهة يتعيّن عليها أن تتكوّن من عدد كاف من الأفراد حتّى يتّصلَ الأمرُ بمجموعة فعليّة ذات قيمة وطنيا، فلا يدور على مجرّد جماعة يشدّها الحنين إلى الوطن ليس بإمكانها إلاّ أن تكون رافدا يغذّي الفولكلور المحلّي. ومن جهة ثانية فإنّه على المجموعة الأقليّة، وكما تدلّ عليها تسميتها، أن تكون بصفة ملحوظة جدّا أقلّ عددا من باقي السكّان حتّى يتسنّى لهذه البقية أن تكون في موقع قوّة إزاء الأقلّية. وفيما عدا هذا، فإنّ الأمر لا يتعلّق بأقليّة وإنّما بجماعات أُكْرِهَتْ- حتّى تتعايش- على التعامل على قدم المساواة النسبيّة. وينبغي أن نضيف إلى هذا أنّ التوزيع الجغرافي لهذه الأقلّية الكميّة ليس متماثلا على مجمل التراب الوطني. وهذا يعني أنّ الأقلّية قد تكون أغلبيّة في بعض المسائل المحدّدة. ولكنّ هذا لا ينزع عنها ما يميّز سلوكها باعتبارها أقلّية، غير أنّ هذا يجعلها في موقع قوّة، ومثل هذه الوضعيّة قد تكون متفجّرة على نحو ملحوظ. ويعدّ في هذا الصدد التوزيعُ الحاصلُ في إيرلندا الشماليّة، بين الكاثوليك والبروتستانت، حالة أنموذجيّة.

وينضاف إلى هذين المقوّمين المادّيين مقوّم آخر ذو طابع نفسيّ إلاّ أنّه دونهما أهميّة، ويتمثّل في: الوعي الأقليّ. فمجموعة منسجمة وتمثّل إحصائيّا أقلّية لا تصبح بالمعنى الحصريّ للكلمة أقلّية إلاّ متى كان لها الوعي بذلك. فلا وجود البتّة لأقلّية دون وعي منها بكونها كذلك، كما لا وجود لطبقة دون وعي طبقيّ. وهذا يصحّ على كلّ مجموعة مضطهدة. وسبق لسارتر أن بيّن في كتابه«Réflexions sur la question Juive» أنّه لا وجود لمسألة يهوديّة إلاّ من خلال الإرادة المتحقّقة في سلوك اليهود. ولقد جوّد ألبير ممّي في مصنفه«Portrait d’un juif، Portraits du colonisé et du colonisateur، l’Homme dominé» البرهنةَ ووسّعها لتشمل سائر الأقلّيات الخاضعة للهيمنة. ويجب أن ندقّق أنّ الوعي الأقلّي ذو طابع انعكاسيّ على نحو مّا. وبالفعل فإنّه لا يتعيّن على الأقلّية وحدها أن تعتبر نفسها بهذه الصّفة، ولكن يجب على الأغلبيّة أن تعاملَها بصفتها تلك كذلك. ويمثّل هذا في المحصّلة الدِّعامةَ الضروريّة التي ينبني عليها الاضطهاد.
ونجد فعلا مقوّما رابعا يتّصل بالعلاقات القائمة بين الأقلّية والأغلبيّة وتقصد بذلك الاضطهاد. فلا وجود للأقلّية بما هي كذلك إلاّ إذا كانت مُضْطَهَدَةً. وفي غياب هذا الاضطهاد، يمكن الحديث عن مجموعة مستقلّة ولا حديث عندئذ عن أقلّية. وبهذا المعنى فإنّ الباسك أو الكورسيكيين هم في فرنسا إثنيات لها خاصّيات مميّزة لديهم وعي بها ولكن هؤلاء مع ذلك لا يُعَدّون أقلّيات.
والذي بقي هو أن نسأل عمّا إذا يتسنّى تعويض هذا المقوّم الرّابع بالثالث. وبعبارة أخرى هل إنّه من الضروري متى وُجِدَ وعي أقليّ قويّ أن يكون الاضطهاد الموضوعيّ لا غنى عنه. وهل يمكن أن نتصوّر أنّ الشّعور بالاضطهاد يكفي لتشكيل أقلّية حتّى وإن كان هذا الاضطهاد غير مُجَسَّم ماديّا.
ليست القضيّة ذات طابع نظري صرف. فقد تطرح على سبيل المثال في فرنسا إزاء “البروتون” أو “الكورسيكيين”. لكنّ الأمر يتعلّق فيما يبدو بقضيّة زائفة، ذلك أنّه لا يمكن أن ينشأ أيّ وعي أقلّي في صلب مجموعة ما لم يوجد حدّ أدنى من الاضطهاد الموضوعي. وهذا ما يفسّر وجود حركات تحرّر من قبيل “جبهة تحرير بروتانيا”.(Front de libération de Bretagne) أو “العمل الإقليمي الكورسيكــي” (Action régionaliste Corse ) كما يفسّر في الآن نفسه حدودها. فبإمكان هذه الحركات أن تقيم الدليل على مظاهر من الاضطهاد يعطيها الحدّ الأدنى من المصداقيّة الضروريّة لوجودها. إلاّ أنّ الاضطهاد الموضوعيّ يعدّ فعلا محدودا جدّا لضمان تناميها.
وعلى أيّة حال فإنّ الاضطهاد في وجوهه الماديّة والمعيشية يمثّل مقوّما ضروريّا في وضعيّة الأقلّيات ولكن فيم يتمثّل؟

{{ اضطهاد الأقلّيات}}

يتجلّى اضطهاد الأقلّيات بصفة ملموسة ومباشرة من خلال مزيج من التفرقة الاجتماعيّة المتفشّية ومن التمييز القانونيّ ذي الطابع الرسميّ تماما. نسجّل هذا المزيج تقريبا وبنسب متفاوتة في جميع البلدان حيث نجد أقلّية مضطهدة. والشاهد المتميّز أكثر يجسّمه بلا شكّ مثال الكاثوليك الايرلنديين. فالتفرقة الاجتماعيّة التي تمارس ضدّهم تظهر بالخصوص في مجالي التشغيل والسكن، فمواطن العمل والشقق الشاغرة محجوزة لفائدة البروتستانت. وفي هذا الصدد، فإنّه قد يصادف أن يتجاوز أحيانا الواقعُ ما يمكن أن تصوّره الدعاية الأكثر سوء نيّة. وهكذا فإنّك تجد في “لندن دّري” (Londonderry) جميع رؤساء المصالح في الإدارة المحلّية من البروتستانت. وفي “إينسكيلّـن” (Inniskillen) تجد من جملة 177 وحدة سكنيّة تولّت الحكومة بناءها منذ سنة 1948 مسكنين فقط وقع تمكين الكاثوليك منها. أمّا بخصوص التمييز القانونيّ فإنّه يتعذّر تصوّره في القرن العشرين في أوروبا الغربيّة في بلد يرجع بالنظر إلى السّيادة البريطانية. وبالنسبة إلى انتخابات النواب في “يولستر” (Ulster) في مجلس العموم، فإنّ الانتخاب عامّ مباشر نظرياّ. إلاّ أنّه حتّى يتمكّن الفرد من الانتخاب يجب عليه أن يكون قاطنا منذ سبع سنوات في المكان نفسه وهو إجراء يحرم في الواقع العاطلين عن العمل والذين يعانون من صعوبات في توفير مقرّ السكن اللاّئق، أي يحرم على وجه التحديد الكاثوليك. وهكذا فإنّ انتخاب السّلطات المحلّية يحقّ بكلّ بساطة لدافعي الضرائب (اقتراع دافعي الضرائب). ويتعيّن للانتخاب دفع عشرة جنيهات بعنوان ضريبة المنقولات. ولذا فإنّ الكثير من العائلات التي تمتلك مسكنا لا تتجاوز فيه ضريبة المنقولات هذا المبلغ لا تملك جميعها بطاقة ناخب، والحال أنّ الصّناعيين بإمكانهم الحصول على بطاقات يصل عددها إلى غاية ستّ بطاقات.

وفي بعض الأحوال، فإنّ اضطهاد أقلّية مّا قد يكون له بعد دوليّ. فوجود علاقات غير طيّبة بين بلدين، خصوصا في حال تجاورهما، قد تجعل الوضع متدهورا بالنسبة إلى المواطنين أو أصيلي أحد هذين البلدين ممّن يعيشون في البلد الآخر وحيث يمثّلون “جاليةً في المهجر”. وحينئذ قد تصبح هذه الجالية أقلّية مضطهدة أو قد ترى اضطهادها ما فتئ يتفاقم. وهذا هو حال، الصّينيين في أندونيسيا وهي وضعيّة غير معروفة كثيرا لكنّها متميّزة. فعدد الصّينيين في هذا البلد يتراوح تعدادهم بين 3 و3،5 مليون نسمة بما يمثّل 3% من مجمل سكّان البلاد. و يعود توطينهم إلى زمن بعيد. إلاّ أنّ وجودهم بدأ يمثّل مشكلة مع استقلال أندونيسيا. ذلك أنّ عددا منهم قد لعب الورقة الهولنديّة، وخصوصا مع بداية إنشاء حكومة شعبيّة في الصّين، ولأنّه رغم اعتراف اندونسيا بسرعة بحكومة بيكين، فإنّ العلاقات بين البلدين ستشهد صعوبات كثيرة، وسيدفع صينيّو أندونيسيا الثمن غاليا نتيجة لهذا التوتّر. وإثر ذلك أفضى خفض التوتّر الدبلوماسي إلى تحسين أوضاعهم، ومن ذلك إمضاء معاهدة تسويّ مشكلة جنسيّتهم يوم 22 أفريل/أبريل 1955 وقد دخلت حيّز التنفيذ سنة 1960. ولكن أثناء ذلك تدهورت مجدّدا العلاقات بين الصّين الشعبيّة وأندونيسيا، خصوصا مع صعود نظام عسكري رجعي منذ سنة 1965 في أندونيسيا. ومرّة أخرى أصبحت وضعية الأقليّة الصينيّة هشّة. ومن أهمّ الإجراءات التي تمّ اتّخاذها ضدّها نذكر إلغاء العمل بالمدارس والجرائد الصّينيّة مع فرض نظام ضريبيّ تمييزيّ، فضلا عن حظر العمل بتجارة التفصيل في المناطق الريفيّة. وبالموازاة مع هذا تضاعف عدد المظاهرات المناهضة للوجود الصّينيّ وبالخصوص في المدن. وهكذا فإنّ مصير أقليّة مّا قد يرتبط بمآل نزاع دوليّ. وبذلك يُفسّرُ الاضطهادُ الذي تعاني منه بردود الفعل ذات النزعة القومية أو المتّسمة بكراهية الأجانب والتي تصدر عن الأغلبيّة. وبمقتضى هذا فإنّ اضطهادا من هذا القبيل قد يغدو عنيفا، ولكن رغم كلّ هذا فحدوثُه أمر نادر.

إنّ الحجم الفعلي لظاهرة الأقلّيات يعود إلى البعد الاقتصاديّ والاجتماعيّ. فممّا يتعيّن علينا البحث عن هذا الحجم في وضعيّة الأقليّات في صلة بنظام الإنتاج والتبادل داخل البلد الذي استقرّت فيه.

وبصفة عامّة بإمكاننا القول إنّ اضطهاد الأقلّيات هو قبل كلّ شيء وأساسا اضطهاد اقتصاديّ واجتماعيّ. وبالفعل ونتيجة لبعض الأسباب التاريخيّة فإنّ بعض المجموعات اللّغوية أو الدينيّة لم تلق إلاّ منزلة ثانويّة في مسار عمليّة الإنتاج. فلقد وجدت نفسها في وضعيّة مجموعة معرّضة للاستغلال. ولأنّه وقع استغلال هذه المجموعة فإنّها أصبحت أقليّة. وبهذا كان المرور من وضعية مجرّد مجموعة مختلطة غير متجانسة إلى وضعيّة أقلّية مضطهدة وحدث هذا عبر الاستغلال الاقتصادي.

ومن الواجب، لتوضيح الفكرة التي مفادها أنّ جذور الاستغلال هي قبل كلّ شيء جذور اقتصاديّة، إعادة النظر في تاريخ الأقليّات كلّها. ولكن يكفي لنقتنع أن نفحص وضعيّة الأقلّيات التي تُعَدُّ حَالِيًا وضعيّتها أكثر مأساوية، ونقصد بهذا الكاثوليك في ايرلندا الشماليّة الذين لم يحظوا أبدا في البنية الرأسماليّة إلاّ بمنزلة الأُجَرَاء في أسفل الدرك. أمّا فرنسيّو الكيباك فقد جرى استغلالهم استغلالا فاحشا من قبيل الاستغلال الاستعماريّ (من ذلك مثلا أنّه تبيّن أنّنا نسجّل في كامل أرجاء كندا أنّ نسبة مداخيل الفرنكوفونيين، وعدد مواطن العمل التي يمكن أن يلتحقوا بها هي الأقلّ شأنا مقارنة بالكنديين الانكليز حتّى في حال المساواة في الشهادة العلميّة. ففي الكيباك على وجه الخصوص تصل هذه المنزلة الدونيّة إلى حدود 35%. وممّا يذكر أيضا أنّ كنديا فرنسيّا يتحصّل على راتب أفضل متى كان ثنائيّ اللّغات، في حين أنّ كنديّا انكليزيا يتحصّل على راتب أفضل إذا كان لا يتكلّم إلاّ لغة واحدة.

ويمكن فضلا عن هذا أن يتجلّى أحيانا السّبب الاقتصاديّ للاضطهاد خلافا لما سبق في الوضعيّة المتميّزة لأقليّة مّا عندما يصبح هذا الامتياز غير قابل للاحتمال عند أغلبيّة السكّان. ونحن نعلم جيّدا أنّ معاداة السّامية الأوروبيّة ناتجة على وجه الخصوص عن إثراء بعض اليهود الذين كانوا يقرضون المال بفوائد (الرّبا) في حين كانت الكنيسة الكاثوليكية تمنع هذا. أمّا الصّينيون في أندونيسيا فهم أكثر عرضة للاضطهاد والملاحقة بمقدار حصولهم على مكانة متميّزة في ميدان التجارة.

إذا كان سبب اضطهاد الأقلّيات اقتصاديّا فإنّ تحرّرها ينبغي أن يكون قبل كلّ شيء تحرّرا اقتصاديا. وهذا ما يفسّر بلا شكّ أنّ الحماية القانونية التي منحت لها، وهي مع هذا لا غنى عنها، لا يمكن أن تكون إلاّ نسبيّة.

{{المصدر:}} Encyclopaedia Universalis : Paris 1985 : « Minorités »، Corpus 12، pp 327-328.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق