الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (22)

في العراق، في عهد صدام حسين، جلس أحد رجال الدين من الشيعة في مسجد بالكوفة يوم عاشوراء الذي يصادف ذكرى استشهاد الإمام الحسين، وكانت العادة أن يلقي هذا الرجل ملحمة استشهاد الحسين بطريقة طقوسية معروفة، حيث يجلس على منصة ويبدأ بالقراءة بطريقة لحنية تهز المشاعر، وكانت العادة أيضا أن يحضر بعض المسؤولين هذا الاحتفال والذي يعبّر عن إهتمام الدولة برموزها الخالدة. فتح هذا المؤمن (وكانوا يسمّونه كذلك في العراق )المايكرفون الذي أمامه، وأخذ يستهلّ موعظته.. وهنا أوقفه أحد الأشخاص وقال له؛ لا تقل إنّ الحسين قتله أهل السنة لأنّ الرئيس سنّي!!!

فتح الرجل المايكرفون ليكمل، وهنا أوقفه آخر وقال له: ولا تقل إنّ الحسين قتله المسيحيون، لأنّ السيد طارق عزيز مسيحيا وكان نائب رئيس الوزراء!!! وأعاد الكرّة واستدركه آخر: ولا تقل إنّ الصابئة هم من قتله، لأنّ المسؤول الفلاني صابئي، ولا تقل إنّ اليزيدية قتلوه لأنّ المسؤول الفلاني يزيدي!!! هنا صاح الرجل بكل المستدركين: لا أقول بأن أحدا قد قتل الحسين.. سوف أقول إنّ الحسين مات نتيجة صعقة كهربائية من أحد محطات توليد الطاقة الكهربائية.

هذه القصة يتداولها العراقيون على سبيل النكتة تشرح إلى حد بعيد إشكالية الأغلبية والأقلية في العراق، وتجيب بطريقة وإن كانت ساخرة، على أسئلة معقّدة لا يعرف العراقيون لها جوابا إلا هذا. كما أنها في جانب من جوانبها تفحم هذا التفخيخ المبرمج لمسألة الأقليات في العراق، وما رافقها من سحر وإغراء مورسا على الأقليات بحيث إختلط ما هو حقيقيّ وواقعيّ بما هو محاولة للتشظية والتشرذم.

في ظلّ الاحتقانات الطائفية والقومية، وفي ظلّ الهوس الجنوني للبحث عن الهوية. يكون مصطلح (الاضطهاد) هو الكلمة الأولى التي تقابلك بها الأقلية في أيّ بلد. حتى تكاد هذه الكلمة تتماهى مع مصطلح الأقلية، وتمتزجا في الوعي والذاكرة على المستويين الثقافي والحقوقي. ويكون المصطلح بديلا شرعيا لاستدرار العواطف التي غالبا ما تكون لصالح القرار السياسي أكثر منه لصالح الأقلية. وهناك دعوات سياسية صريحة بأنّ القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الأقلّيات، وسيكون من جهته قرن تحطيم الدول والأمم وتحولها المؤسّسي والبنيوي وأقلمتها وأثننتها، والاعتراف بالتمايزات بما في ذلك تلك الطائفية والفئوية (1) .فإذا كان (الموديل) المطروح في بورصة السياسة الآن هو الأقليات واللعب على هذا الوتر، فلا بدّ من الذهاب إلى روما ولا بدّ من وجود مشكلة أقليات.

وبداية يجب أن يؤشّر لأمرين !

الأوّل، أن العولمة والنظم السياسية التي دحرجتها نحو التطبيق هي التي أيقظت عمليا هذه المفردة، وأحيتها بعد أن كانت نائمة في ظل دول ذات أنظمة علمانية، استطاعت الى حدّ ما ردم الهوة بين طبقات المجتمع وتبنت المواطنة (كشعار على الأقل)في الخطاب السياسي، كما كانت سيطرتها على نوعية الأفكار الدخيلة قد حدت من الإغراء والتأثير. لأنّ العولمة تترك على هامشها شعوبا وفئات اجتماعية تشدد أكثر فأكثر على خصوصيتها (2)

وأن الشعوب لم تشعر بشعور الأغلبية والأقلية إلا بعد أن اكتسح العالم فيض من المعارف والنماذج السياسية، ومنها المعارف المتعلقة بحقوق الإنسان والمعارف الحقوقية، والتي جرى طرحها بكثافة لتزييت قطار العولمة واقتحام كل النظم والحدود الجغرافية، وليس بالضرورة تثقيف العالم، لأن مجالات التثقيف في المسائل المهمة والحيوية ظلت غائبة حتى على النخبة من رجالات العالم. فالمواطن الكردي أو الأشوري في العراق لا يعرف مضمون الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا من وقّعها، كما لا يعرف كمية النفط المصدر وعائداته ولا يعرف على التأكيد كيف ينفق. وسيظل تحت رحمة الصحف العالمية التي تشير بين فترة وأخرى إلى اختلاسات (بريمر) الحاكم المدني السابق المتهم باختلاس المليارات من الدولارات، وإلى فضائح السجون والتعذيب، وإلى اكذوبة أسلحة الدمار الشامل إلى فضائح أخرى لا يعرفها أحد. والمشكلة الثقافية حاضرة بقوة في موضوع الأقليات، حيث تشكل الإستجابة الكلية والعمياء لهذا الطرح مرضا مزمنا تقع فيه الأقليات في ظل غياب كامل للوعي أو تزييفه، وفي ظل غياب بديل حضاري أو إيجاد سبل أخرى للتعايش. وسنشير إلى المسألة الثقافية فيما بعد.

وقديما كانت الأقليات المهمشة والمبعدة والمضطهدة تلجأ الى تكوين فكرة المخّلص والمنقذ، والذي يأخذ أسماءً دينية أخرى إمعانا في التأثير ؛المهدي، المسيح، يهوه، المخّلص… تراجعت هذه الفكرة الخلاصية بانتظار المهدي المنتظر والمسيح ويهوه المنقذ لصالح قوانين ومعاهدات جنيف الراعية لحقوق الإنسان، ومنها حماية الأقليات وضمان حقوقهم الثقافية والاجتماعية وحقّهم في الوجود. ذلك أنّ فكرة الخلاص السمائية هذه في كلّ الديانات والمذاهب إنّما نشأت في وقت من الأوقات كتعبير عن حالة الاضطهاد الذي تمارسه الأديان الأخرى.

الأمر الثاني، أنّ موضوع الأقليات نسبيّ وجغرافيّ وقابل لتوصيفات أخرى عندما يتعلّق الأمر بحقوق الرجل الأبيض وحقّه التاريخيّ في السيادة ونشر الحضارة والديمقراطية ومنعه الظواهر الفاسدة في المجتمعات. حيث لا يكون الأمر حينذاك متعلقا بالكثرة والقلة ولا الحقوق التاريخية ولا حقوق تقرير المصير، كما حصل في جنوب افريقيا من تحكّم فئة بيضاء وليست أقلية، حتى كما يحصل في امريكا واستراليا ودول أخرى ضاعت ملامح السكان الأصليين إلا ما وصل منها صالحا للعرض في المتاحف، أو الإشارة اليهم في البحوث الانثربولوجية.

أنّ حقوق الإنسان عبارة عن عمارة فكرية غربية، ولحقوق الإنسان أسس إشكالية بالنسبة الى الثقافات غير الغربية، وهي تمسّ مفاهيمَ مفخّخة بغائية مركزية بشرية تكون مصدر هذه الانحرافات (3).

لذلك فإنّ الحديث عن اضطهاد أو(هولوكوستات) ليس بهذه الملائكية كما أنّها ليست شيطانية في بلد شرب من المدّ القومي العروبي، وما رافقه من طروحات وممارسات حدّ الثمالة، ثمّ استدار ليستجيب للمدّ الديني المنبعث في كل المنطقة. وليستفيد استفادة مفترضة من زخمها ووهجها، جعلته يضرب العلمانية العرجاء التي بدأ بها ضربة في الصميم. إضافة الى امتهانه مهنة الصراع من أجل تحقيق الأهداف التي تستلزمها المرحلة. وفي بلد غسل عبر التاريخ أكثر من مرّة بتعاقب الهجرات والدول والحضارات والقوميات والأديان.

وكان من مستلزمات المرحلة أيضا أن تتولّى الدولة (تقودها الرؤية الثورية المرتجلة) مهمّة تصحيح التاريخ العشوائي والجغرافيا بطريقة الضبط الكلاسيكية القديمة. وكانت آفتها أن سمحت لنفسها القيام بهذا الحقّ، وظنّت أنّ لها حقّا في العظمة والمجد والاستحواذ والهيمنة والتهميش، مرّة بإسم التاريخ ومرّة بإسم الإله. وحسبت إجراءاتها على حساب عنصر مكوّن من الشعب الذي دفع الفاتورة كاملة. وكانت الوسيلة لتحقيق الهيمنة، في بلد يغيب فيه مفهوم المواطنة من ناحية حقوقية ويحضر في الشعارات والادّعاء. كانت الوسيلة هي الإقصاء والكبت وطمس الهويات. مما جعل من ثقافة الأقليات الضئيلة والمتواضعة مادّة كبيرة تحت الركام تفجّرها أيّ شرارة، وتظهر جليا لدى ضعف السلطة أو زوالها، كما حدث في جمهوريات الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا. وحينما يهتمّ المجتمع برغبات الأكثرية ويغالي في طرح شعاراتها وثقافاتها لحسابات سياسية يزداد حنق الأقلية وتنقلب إلى عامل هدم خفيّ، وكما يقول(جوزيف ياكوب الخبير الدولي في شئون الأقليات)، ردود فعل نابذة تجهد للانعتاق من هذه القبضة الغامقة، وتنفخ في الجزئيات وتضخمها وتطمس في الوقت نفسه المشتركات الطبيعية.

في العراق لا يقتصر موضوع الاضطهاد (المفترض)على فئة دون أخرى أغلبية كانت أم أقلية. ولا يحتكر هذه الممارسة مكوّن دون آخر، وإن كان العرب يتّهمون دائما بممارسة هذا التمييز كونهم أغلبية ويشكّلون نسبة 83% من السكان حسب إحصاء سنة 1997.

فقد كان قادة الأكراد مسؤولين عن المذابح التي قامت في الأربعينات على يد الأمير الكردي بدر خان في منطقة (بوتان) ضدّ اليزيدين والسريان والمسيحيين. وكذلك مذابح أمير سوران الكردي (محمد باشا الراوندوزي) ضدّ القرى اليزيدية في مناطق الشيخان وجبل القوش وسهل نينوى، والتي قتل فيها أمير اليزيدية علي بك، الذي سمّي الشلال المعروف (بكلي علي بيك) بإسمه. وقد أدّت هذه المذابح إلى القضاء على الوجود اليزيدي بين كركوك والزاب، وجعل المنطقة كردية(4). كما كان للأكراد الشيوعيين النازلين من الجبال اليد الطولى في مجزرة كركوك عام 1959 والتي أدت الى استباحتها وتغيير الواقع الديمغرافي للمدينة، بحكم نزوح كثير من التركمان من كركوك جرّاء الاضطهاد والقتل(5).

في العراق الآن هنالك عدة قوميات وطوائف. هناك العرب وهنالك الأكراد والتركمان، ومن الطوائف هناك المسلمون الذين يشكّلون تسبة 97% بقسميهم السنّة والشيعة، وهناك المسيحيون والصابئة واليزيدية. تعايشوا مع بعضهم البعض وتجاوروا وتزاوجوا أيضا فيما بينهم. ولم تشكّل مسألة العرق والدين لهم مشكلة مع السلطة منذ إنشاء الدولة العراقية إلا من ناحية سياسية وأمنية، حينما كانت بعض الأقليات تنزع الى الخروج من ربقة الدولة. ويتخلل ذلك طبعا اجتهادات شخصية من قبل بعض الحكام لفرض رأي معيّن على شريحة معيّنة لا تحتسب ضمن توجه الدولة، بقدر ما تحتسب مغامرة شخصية لحاكم لايلتزم بالمعايير.

وكانت اللحمة الوطنية قد شدت الجميع، لا أقول محبّة في الوطنية أو فهما صحيحا للمواطنة، وإنما لِنَقُلْ ضرورة معاشية اقتضاها هذا التعايش. وأنا شخصيا لي تجربة شخصية ودلالة أكيدة على هذا التعايش لا أريد ان أسردها وأرجو تقديرها.

لكن الفعل السياسي وتنشيط ذاكرة السياسة والتاريخ، ومن ثمّ تهيئة أرضية مناسبة وأرض خصبة للتناحر ومن ثمّ التدخل الأجنبي، وكان كان تفعيل هذه الأثنيات والأعراق بالشكل الذي يخدم المغرض والمفرق، فلا بدّ من وجود أقلية أو استحداثها لتكون مرتكزا للتفتيت والشرذمة، وبإمكان السياسة أن تجعل أيّ مجموعة متماسكة تتشظّى وتكون فيها أغلبيات وأقلّيات.

وبالرجوع إلى أدبيات هذه الأقليات وما تقوله عن نفسها حين تطرح موضوعها، نجد أنّ الجميع يتّفق على أنّ للدول الاستعمارية اليد الطويلة فيما آلت اليه الأمور. فنجد أنّ مؤرخي الاشوريين، والذين هم مجموعة الطوائف المسيحية في العراق من سريان وكلدان، يقولون ((أنّ المشكلة الآشورية خلقتها بريطانيا حينما تنازلت عن حق عودة الآشوريين الى المناطق التي طردوا منها في تركيا لقاء التنازل عن ولاية الموصل للعراق )) (6). والاكراد يقولون إنّ بريطانيا تخلت عن وعودها السابقة بتأسيس كيان للأكراد بعدما قايضت ذلك أيضا مع ملفّ الموصل مع تركيا وفرنسا. والعرب السنّة الآن يقولون بفم ملآن إنّ الولايات المتحدة هي من حرّض على هذا التناحر والتفتيت وكذلك مقولة العرب الشيعة. فالكلّ يعزو مسألة إذكاء الموضوع الى أياد أجنبية مغرضة وفعل سياسي نشط ومبرمج.

وهذا الفعل السياسيّ يدعونا للتفريق بين أفراد الشعب كمواطنين، سواء كانوا من الأقلية أو الأكثرية، وبين القادة السياسيين الذين اقتاتوا على التفرقة وبنوا مجدهم السياسي وزعامتهم عليها، ومازالوا يغذّونها بما جادت به القرائح من الملاحم والبطولات. ممّا خلق لدى الأقلّيات مشكلة حضارية عويصة، هي أكبر من كونهم أقلية، وأكبر من الاضطهاد نفسه. وبدأت بسؤال أبناء الاقليات عما أُنجز وماذا تحقق بعد أن انزاح النظام الذي كان الجميع يعلّق شماعته عليه. فبعد أن أقرّ الدستور العراقي الجديد جميع الحقوق للأقليات وضمن حقوقهم الثقافية، وبعد أن استقل الأكراد في مناطق جغرافية خاصة بهم وكوّنوا حكومة وبرلمانا وأصبحوا يحصلون على ميزانية أكثر مما تحصل عليه الحكومة المركزية، لازال المواطنون الأكراد يصلون إلى أوربا مهاجرين ولاجئين وبأعداد تفوق أعداد الأفارقة. ولا زالت نفس الأمراض الاجتماعية التي عزوها الى اضطهاد الأغلبية. وهي ما ان وصلت الى السلطة حتى أعادت إنتاج نموذج السلطة القديم بكل حذافيره وكل إفرازاته، حتى وصف أحد السياسيين الأكراد في أوربا الجوّ السياسي في شمال العراق (المحافظات التي تسكنها غالبية كردية ) بأنّه دولة البعث ولكن بنسخة كردية. ولا زالت مظاهر الاستئثار بالسلطة وحصرها في قبيلة واحدة ورئيس دائم مدى الحياة إضافة الى اضطهاد وتطهير عرقي ومحاولة تزييف علني للتاريخ بشأن باقي الاقليات الواقعة ضمن مناطقهم، وخاصة المسيحيين والشبك واليزيدية بدعوى الحماية تارة، وبدعوى أنهم أصل من الشعب الكردي. ففي جامعة أربيل الكردية، قدّمت رسائل جامعية تفيد بأنّ الحضارات البابلية والسومرية جزء من الأمّة الكردية. وأنّ الاشوريين (المسيحيين) طائفة مشتّتة في كردستان. الأمر الذي نقل المسيحيين من فم النمر الى فم السبع هذه المرة (كما يقول المثل الشعبي). وعاد المسؤولون الأكراد لممارسة أخلاق الاغلبية الذي انتقدوه ضدّ المسيحيين الذين يطالبون بسهل نينوى الذي يخترق المناطق الكردية كوطن قومي لهم. وعادوا إلى مماحكة التركمان في ادّعاءاتهم بملكية مدينة كركوك.

.وكان لا بدّ للقادة الأكراد الذين امتهنوا الصراع أن يبقوه في دائرة الفهم والتداول الشعبي ليعفيهم أمام الأقلية التي دافعوا عنها. من الاستحقاق الذي طالما دفعوا دمائهم في سبيله. وإنّ هذا الصراع يمنعهم من العودة إلى الحجم الطبيعي، فلا بدّ إذن من مشاكل وأزمات وهولوكوست حاضر في الاذهان دوما. ويجري تفعيله باستمرار لإدامة القطيعة ليس مع الاغلبية وإنما مع ثقافة البلد نفسه. وهذا ما أوقعهم في خطيئة سدّ كلّ منافذ الثقافة أمام الأفراد لإدامة زخم المعركة ولإبعاد المواطن عن المطالبة بالمستحقات.

فلكي لا نكون قديسيين أيضا وندّعي أنّ الأقلّيات مضطهدة تماما، وأنّهم ملائكة وأنّهم خارج نطاق الارتزاق والتوظيف، ليست مشكلة الأقلية الآن مشكلة عدد فقد حلّت القوانين والحقوق هذا الإشكال، إنما هي مشكلة ثقافية بالدرجة الأولى. ولا ينزع النشاط المحموم للتشرذم والبحث عن شكل هوية (أيّ هوية)، ولو كانت مستعارة إلا في غياب الثقافة والوعي الذي نلاحظه جليا لدى الأقليات في العراق.

مثلا يعاني الكردي العراقي في أوربا مشكلة في اللغة التي يدرسها. لأنّ هذا الكرديّ منع من تعلم لغة البلاد الأصلية (وهي العربية) والتي هي النافذة الوحيدة المتيسرة لتلقي العلوم الأولية والعلوم العليا كذلك. فليس من المعقول أن يقفز الكردي لتلقي معلوماته بالانكليزية مباشرة متخطيا مرحلة التدرج المعرفي ومتجاوزا الارتباط الجغرافي والتاريخي الذي يفرض العربية كأقرب ثقافة موجودة وميسورة ومن ثم مفهومة نوعا ما، نظرا للتلازم الشديد والاختلاط بين المجتمعات، ومن ثمّ فإنّ الأمية الكثيفة بين أوساط الشعب الكردي لا تؤهله لتلقي العلم الآن عبر لغة في طور التأسيس أو حتى عبر لغة أجنبية لها جذورها الثقافية التي لايحتملها. وهكذا سحب الزعماء الأكراد كره المواطنين الأكراد للاغلبية، سحبوه على كلّ شيء ثقافي حتى اللغة دون أن يعلموا أنّهم سدّوا أمامه كلّ فرصة للتقدم وتركوه (رقما) في طوابير اللاجئين في اوربا، وسبب ذلك أنّه لا يعرف إلا الكردية وهي لغة سماعية لم تؤصل كلغة منهجية، ثم إنّ الكثيرين ممّن يتكلمها لا يعرف الكتابة بها. ولم يجر اعتمادها كلغة علمية، فلا بدّ له من لغة يقيس عليها عند تعلّمه اللغة الأجنبية.

وهذا ما جعل مواطن الأقلية لا يفكر في التعليم ولا الارتقاء، ثمّ يفكّر في جعل كلّ شيء قابلا للبيع والشراء والاستعاضة. لذلك نلاحظ كثرة الأعداد من أصحاب الشهادت العالية والتخصصات العلمية الدقيقة ضمن المهاجرين العراقيين في أوربا من العرب دون الاكراد (مع ملاحظة أنّي أتحدث عن الجيل الجديد من الأكراد الذين عاشوا تحت وصايات الأحزاب الكردية).

اذن لقد منعت السياسة ودهاقنتها تحت مبرّر الدفاع عن الأقلية والقومية كلّ نافذة تصل منها الثقافة الى الجموع، وكانت هذه أكبر جناية مارسها القادة ضدّ الشعب.

مع تغييب هذه الثقافة غابت فكرة الوطن والمواطنة، وابتلعت الأقلية المسكينة الطعم، حيث يفترض بالوطن أن يقدّم الرموز وأن يكون منه المنبع وإليه وإلى رموزه العودة. فكان التعبير البسيط عن الحقوق في الوطن الذي هو ليس ملكا للسلطة الحاكمة، فحين تتغير السلطة وتنزاح الفئة المهيمنة يفترض أن تنزاح معها كل الرواسب. فكان التعبير البسيط هو كل ما احتاجته الأقليات.

الآن هناك تعبير هوسي مجنون عن الهوية تجاوز الوطن وأصبح يبحث عن شيء لا يعرفه. ونرى ذلك واضحا في بعض البلاد الاوربية التي يتواجد فيها عراقيون. حيث يضع العراقي الشيعي في بيته او محلّه صورة كبيرة للخميني أكبر من الصورة التي رسمها احمدي نجادي للخميني، ويضع المسيحي العراقي صليبا على صدره بحجم اليد في رفض واضح لكل محاولة للاعتدال. ويرفع الأكراد العلم الكردي الذي تخضع ألوانه وأشكاله لحالات المدّ والجزر بين قادة الحزبين الكرديين. وهؤلاء يعيشون في مجتمع يفترض أنه وفّر لهم الحماية مما كانوا يخافون منه.

لقد تنبهت الدوائر المسيحية أخير الى خطورة التمادي في إعطاء مسألة الأقليات بعدا سياسيا مغرضا مفرغا من الدوافع الإنسانية، وما يسببه ذلك من افراغ المنطقة من سكانها المسيحيين الأصليين. فكانت دعوة البابا في زيارته الاخيرة للأماكن المقدسة في الشرق جرس إنذار لهذه الاقليات من الاستجابة لهذا الغلوّ والعبث.

إن زمن الدولة القومية والوطنية قد انتهى في المزاج السياسي الاستعماري على الأقلّ، وبدأ عصر الدويلات والأقليات والبطانات والجيوب. كما أن مفهوم المواطنة الذي لم نشر اليه كما يجب حيث لا مناسبة للحديث عنه في ظل القطيعة مع سبق الإصرار، هذا المفهوم سيعيد إلينا اللحمة والوشيجة إذا قدّر له أن ينتعش ثانية أو أن يحيى من جديد.

{{الهوامش والمصادر:}}

1 .ما بعد الأقليات جوزيف ياكوب ط1 2004 المركز الثقافي العربي المغرب

2 . نفس المصدر

3 . نفس المصدر

4 . جدل الهويات سليم مطر مقال للأمير اليزيدي أنور معاوية المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2003

5 .الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق حنا بطاطو دار الكتاب العربي بيروت 2005

6 . الآشوريون أبرم شبيرا دار الساقي بيروت 2001

{{أسامة غاندي، كاتب وصحافي من العراق}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق