الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (16)

{{مهاد..}}

تَفترض الحياة تصوّرات مختلفة لها ملّل ونِحل متنوعة، منها ما هو سائد أو يسود دهرا ومنها ما هو زائل. فالمجتمع البشري هو تكوين طوعيّ من مجموعة من الناس تحكمهم ظروف متعدّدة للعيش معا في ظلّ جغرافية وتاريخ وثقافة مشتركة. وعلى هؤلاء الفرقاء مهما اختلفت نسبهم العددية، أن يحترموا وجود بعضهم في هذا المكان. إذ لا جدوى للحياة إلا إذا تنوّعت وتعدّدت، فخير المجتمعات تلك التي لا تتسيّدها طائفة أو عرق أو دين أو ملّة ..

ومن أسباب تقدّم الأمم وتطوّرها، الحفاظ على التوازن الكمّي والنوعيّ للسكان واحترام اختلافهم الديني والعرقي والقومي، فالأمّم الفسيفسائية تستطيع أن تقدّم مجتمعا متوازنا ورصينا إذا أحسنت إدارة الاستفادة من عناصر الخليط المجتمعي. فهذه أستراليا قد نجحت في إدارة هذا المجتمع المتعدّد والمتنوّع الثقافات والأديان والأعراق لسبب مهمّ وعميق جدا، إنها أسقطت الاعتبار الديني كفيصل وحكم.. وانحازت إلى الإنسان، واحترامه، فكان الدستور المدنيّ ثمرة طيبة لاحتواء هذا الخليط العجيب ومثل أستراليا الكثير من المجتمعات التي انتصرت للإنسان كقيمة عليا.

إذا نظرنا إلى التاريخ الديني تحديدا في شرقنا وغربنا العربي-الإسلامي، سنجد أنّ الديانات، اليهودية، والمسيحية والإسلام، قد ساهمت في اختلاق قصّة الأقليات وفقا لمعيارها الأيديولوجيّ، ومن ثمّ وفقا لتراتبية منظّمة استحوذ الإسلام على إدارة الصراع وحولّ المجتمعات إلى أغلبية مسلمة ساحقة، وأقليات لم تبلغ سن الرشد، تحتاج إلى حضانة ورعاية السادة، في المجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية حصرا.

سوف أترك الحديث عن دور اليهودية في تأسيس الأقليات، لأنّ دورها انحصر في دولة إسرائيل اليهودية العنصرية، ولأنّ اليهود اليوم هم أقلّية “عددية” بالقياس إلى المحيط العربي الإسلامي الذي يعيشون به، وأيضا سأغادر الحديث عن المسيحية ودورها في أزمة الاقتتال بين الناس تحت مسمّى الصليب و”الحروب الصليبية” لأنّ الكنيسة المسيحية اعتذرت وبشدّة عمّا لحقهم بهم من العار في حروب أُشعلت باسم الصليب وهي تريد غير ذاك .. المسيحيون أدانوا هذه الحروب لاسيما أن مسيحييّ الشرق قد وقفوا مع المسلمين ضد الغزاة المتدرعين بالصليب. والكنيسة أدانت محاكم التفتيش، وما عملته مع غاليلو، وأخير اعتذرت عن سحب كتاب ” أصل الأنواع” لدارون .

كما أنّ المسيحية بمفهومها الروحي غير معنيّة بتأسيس مملكة من هذا العالم، إذ جاء على لسان مؤسسها المسيح، “مملكتي ليست من هذا العالم “حين استجوبه بيلاطس قبل صلبه” إنجيل يوحنا 18-36

الإسلام وحده هو الذي مضى إلى تقعيد ظاهرة الأقليات وإلغاء نظرية المواطنة الحقيقية القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات. من واقع دفاعه المستميت عن الغزو، والذي أطلق عليه فيما بعد بالفتوحات الإسلامية، التي طالت العالم من الخليج إلى المحيط .

ولا أحد من المسلمين يستطيع أن يعتذر عن هذا الحيف الذي لحق بالشعوب.. الفتوحات الإسلامية هي جهاد وواجب دينيّ مقدّس موضع فخر وتكليف سماوي .

لقد انطلق الإسلام من هذا المقدس إلى تأسيس ثقافة للتعامل مع الآخر وفقا لـ”نظرية التسامح”، التي تبدو في ظاهرها حسن طوية وسريرة بيضاء، فيما تخفي كثير حقد وإهانة وازدراء للآخرين بوصفهم أقليات، وأهل ذمّة .

الأقليات ليست سبّة أو تهمة بحدّ ذاتها، ولكنها تتحوّل هكذا إذا ما وجدت أرضا خصبة لنموّ الأفكار لتقعيد هذا الواقع غير المتوازن نظريا وعمليا .

{{مفهوم الأقليات في الإسلام}}

يضع المشرّع الإسلامي نفسه نيابة عن الناس وفقا لتصوّر كتابه المقدس “القرآن” الذي يجعله فوق البشر أجمعين :

*-“إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإسلام، وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فإنّ الله سريع الحساب”. آل عمران 19.

*-“وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”. آل عمران 85

*-“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادمين” المائدة:51-52

وجاء في الحديث النبوي عن محمد بن عبد الله قوله ” لا يجتمع دينان في جزيرة العرب”، ولحق هذا الإقرار من تصفية شاملة لليهودية والمسيحية، وهو أوّل بوادر الإقصاء للآخرين وحرمانهم من العيش في أراضيهم وإهدار حقوقهم الوطنية المشروعة. كما أنّ الفقه الإسلامي الحديث توسّع في طرح قضية أن المسلم هو ممثل الحقّ ورسالة الإسلام والتوحيد بوصف الإسلام أفضل عند الله من أي دين آخر في الدنيا والآخرة معا.

وكانت ” العهدة العمرية” نموذجا للتعامل الفوقي بين مُحتلّ قويّ ومواطنين ضعفاء عليهم واجبات ووصايا لا تليق إطلاقا بحقوق الإنسان، وهذا الأمر يسري إلى الآن بخصوص تنصيب رئيس الكنيسة في فلسطين، إذا لا يتمّ دون موافقة ملك الأردن بوصفه الحاكم الإسلاميّ، وبيده تنصيب قادة المسيحيين الروحيين!، والغريب في الأمر أن العهدة العمرية كانت من نتاج فترة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي يمثل قمة العدالة في الدولة الإسلامية !

وبعد الإسلام جاءت النظريات والحركات القومية الشوفينية التي راحت تدعو إلى نقاء العرق العربي وسمّوه عن الأجناس والأعراق الأخرى لفضائل عديدة خصّ الله بها العرب ومنها، إن لغة القرآن عربية، ولغة أهل الجنة عربية، وكنتم خير أمّة أخرجت للناس، ومنكم الرسول العربي.. والخلفاء من قريش العربية .. الخ من المسوّغات الغريبة التي جعلت العرب والمسلمين خلفاء الله في الأرض وأسيادا، وباقي القوميات والملل والنحل أقليات ومواطنين من الدرجة الثانية. كما أنّ الفرس والعثمانيين قد استبدّ بهم الغرور عندما ركبوا موجة الإسلام.

{{نماذج تطبيقية}}

{{عربيا}}

يتكون الشعب العراقي دينيا من الديانات التالية: الإسلام، المسيحية، الصابئة المندائيين، الأيزيدية، اليهود.

أما قوميا فهو يشتمل على؛ العرب والأكراد، والكرد الفيليبين، والتركمان، والكلدان الأشوريين، والسريان والشبك والأرمن.
“النسيج المجتمعي العراقي قد بدأ منذ الأقوام السومرية والبابلية والأشورية والأكادية من سكنة العراق الأوائل، ناهيك عن الوجود المسيحي الكبير قبل دخول الإسلام واحتلال العراق، ومن بعده سيادة العرق العربي، ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 كان للأقليات دور مشهود في قيادة مفاصل الدولة، ومعها خروقات فاضحة بحقّهم إذ يشير الكاتب العراقي الدكتور كاظم حبيب إلى أن “العراق الحديث قدّم منذ تأسيسه في العام 1921 نموذجاً صارخاً في هذا المجال، رغم توقيع العراق على كل اللوائح الصادرة عن الأمم المتحدة تقريباً، ابتداءً من اللائحة الدولية لحقوق الإنسان التي شارك في وضعها والتوقيع والمصادقة الرسمية عليها، مروراً بالكثير من اللوائح والمواثيق الأخرى، ولست في معرض تقديم دراسة تاريخية عن تجاوزات الحكومات العراقية المتعاقبة على حقوق القوميات المختلفة في العراق، سواء أكان في العهد الملكي أم في العهد الجمهوري، الذي بدأ في العام 1958، حيث برزت بعض المظاهر التي كانت تشير إلى احتمال التزام العراق بتلك اللوائح في أعقاب قيام الجمهورية الأولى، ولكن سرعان ما اختفى ذلك الاحتمال وحلّ الخلاف الشديد بين القوى السياسية، ثم بدأ منذ العام 1961 الخلاف بين سياسة عبد الكريم قاسم والقوى السياسية الكردية بشأن الحقوق القومية للشعب الكردي، وتفاقمت هذه الحالة في أعقاب انقلاب شباط الدموي في العام 1963، وتحول إلى مواصلة الاضطهاد والحروب وسيل من الدماء كردّ على مطالبة القوميات العديدة الموجودة في العراق بحقوقها القومية. ولنا في ما تعرّض له الشعب الكردي في كُردستان العراق من جرائم بشعة ضدّ الإنسانية وجرائم إبادة ضدّ الجنس البشري في عمليات الأنفال ما يندى له جبين البشرية كلها. وقد شملت هذه العمليات الدموية قتل المئات من بنات وأبناء الشعب الكلداني الآشوري السرياني. وعلينا أن نتذكر هنا أيضاً ما فعله النظام بالكُرد الفيلية من قتل وتهجير قسري ومصادرة أموال ودور سكن” .

لقد استمرّ هذا الوضع حتى سقط نظام صدام 2003، حيث أعيدت كتابة الدستور، وللأمانة نقول: إنّه أوّل دستور في تاريخ العراق يعترف دستورياً بأنّ العراق بلد متعدّد القوميات والأديان والمذاهب ويعكس التنوع والتمايز في هذا المجال، وهو ما يعكس الواقع الاجتماعي في العراق. ولكنّ بروز المدّ الدينيّ في عراق ما بعد صدام حسين قد ساهم بشكل أو بآخر في دحر الأديان الأخرى، وقد تقعد هذا نظريا في الدستور العراقي الذي جاءت فقرة منه تقول ” لا يجوز سنّ أيّ قانون يتعارض مع الشريعة الإسلامية”! رغم أنّ فقرة أخرى تقول ” العراق بلد ديمقراطي.. الخ”، ونحن نعرف ماذا تعني الشريعة الإسلامية بقوانينها الجائرة على حقوق الإنسان التي اجتهدت الإنسانية في صياغتها كوثيقة “” Human Rights مثل حقوق الإنسان بالولايات المتحدة (إعلان فرجينيا) 1776م، وإعلان الثورة الفرنسية 1790م، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 1947م عن الأمم المتحدة. هكذا يتمّ مصادرة لحقوق الإنسان العراقي الذي ساهم بأغلبية قومياتهم وأديانهم في إسقاط الديكتاتورية! لا لسبب إلا لسيادة الإسلام .

وهذه المصادرة لحقوق الإنسان من خلال نشوء ظاهرة الأقليات بأفقها الشوفيني الضيق لم تتوقف عند العراق فهناك سوريا، وما تمثله مدينة (القامشلي) السورية، التي يتميز سكانها بالتنوع القومي والديني والإثني والثقافي لا يعترف به من قبل الحكومة السورية، حتى أن الأكراد في سورية تطمس هويتهم تماما، فهناك مشكلة كردية ومشكلة آشورية أو مشكلة أقليات عموما، تمثل في أفقها العام مشكلة حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة .

في السودان حيث يعرض الكاتب أحمد ضحية في كتابه ” دارفور والتطهير العرقي والتهجير القسري” إذ يؤكّد أنّ “السودان باعتباره يمثل نموذجا مصغرا لإفريقيا، باعتباره قد حظي بموقع متوسط في إفريقيا ذات العوالم الثقافية المتعددة(أي إفريقيا العربية – إفريقيا الإفريقية – إفريقيا المسلمة – إفريقيا المسيحية – إفريقيا الناطقة بالانجليزية – إفريقيا الناطقة بالفرنسية…وبينما تقدم التركيبة الداخلية للسكان السودانيين نموذجا مصغرا لإفريقيا: طبيعيا وثقافيا واثنيا، فإنّ فرادته تواجه ذلك، بهامشيته السياسية المتعددة، بوصفه لا عربيا ولا إفريقيا ولا مسلما ولا مسيحيا، وهذا يضع السودان داخليا في وضع مربك وحرج جدا، إذ ترغب نخبته المسيطرة، التي تنحدر غالبا من الشمال العربي، أن يكون عربيا ومسلما، وترغب نخبته غير العربية أن يكون إفريقيا، ..إنّ هاتين الرغبتين المتعارضتين تقفان في قلب الصراع السياسي الذي يكمن في مركز تحلل الدولة السودانية، ولقد تطورت الأزمة التاريخية لدارفور في هذا السياق، بتضافر العديد من العوامل. ويمضى المؤلف إلى القول” إن وقائع الوضع الكارثى في دارفور تشير إلى أن أنماط العنف الذي مورس ضد المدنيين تؤكد نية الحكومة في السودان، إجبار السكان الأصليين الذين ينتمون إلى قبائل غير عربية، على مغادرة أراضيهم وإحلال القبائل العربية محلهم. وهو ذات ما تمت محاولته بأشكال أخرى من قبل في جنوب السودان “.

في مصر تضعنا قضية الأقباط المصريين في صلب المشكلة، كما يرى الكاتب سليمان يوسف يوسف “يعتبر (الأقباط) المسيحيين في مصر إحدى أكبر (الأقليات) الإثنية والدينية في الشرق الأوسط وأكثرها تعرّضا للاضطهاد والظلم والحرمان، وانّ أكثر الإحصائيات تقدر عددهم بـأكثر من (10) مليون نسمة، وهم امتداد وتواصل لسلالة الشعب المصري القديم( الفراعنة) وممن تبقّى من المصريين الذين اعتنقوا المسيحية.. لهذا يرتبط وجودهم بوجود مصر التي تحمل اسمهم.. ولم يكن قطّ في حسابات الأقباط أن يستمرّ الوجود العربي (الإسلامي) ويتحوّل إلى احتلال دائم لموطنهم(مصر) ويصبحون فيه أقلية مضطهدة، وأهل (ذمة) يدفعون (الجزية) للمسلمين حتى عام1855 م ” ” وقد زادت مرارة الأقباط واشتدت في عهد أنور السادات، فمنذ بداية حكمه، تصاعد النشاط الديني للقوى السلفية المسلمة في مصر، في مقدمتهم(الإخوان المسلمون) واشتدّ مسلسل الاعتداءات على الأقباط ووقوف السلطات المصرية وانحيازها التام إلى جانب المعتدين المتطرفين من الإسلاميين. وقد بلغ نشاط هذه القوى السلفية بإعلان السادات في آب 1977، عزم السلطة على إصدار قانون الردّة، الذي يعاقب كلّ مرتدّ عن الإسلام بالإعدام”

ولا يختلف الأمر كثيرا في أغلب البلدان في شرقنا العربي وغربه من المحيط إلى الخليج

{{إقليميا}}

تمثل إيران الدولة الإقليمية الكبرى التي كانت العائلة البهلوية تحكمها ما يقارب المائتي عاما، حتى جاءت الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني لتزيح النظام البهلوي وبمشاركة أغلب أطياف الشعوب الإيرانية قوميا ودينيا وسياسيا، ولكن الجمهورية الإسلامية ومن وحي نظرية ولاية الفقيه، طبقت الشريعة الإسلامية بصرامة في مجتمع متنوع دينيا وقوميا ومذهبيا، مما خلق جملة إشكالات أدت إلى استفحال السلطات الإسلامية الحاكمة في ممارسة الاضطهاد المنظم وعلى المستويات التالية ”

الاضطهاد أو التمييز العرقي أو القومي، الاضطهاد أو التمييز الديني، الاضطهاد السياسي، الاضطهاد القائم على الاختلاف بين الرجل والمرآة، الاضطهاد أو التمييز الاجتماعي، الاضطهاد أو التمييز الفئوي.

ففي كتاب الفيدرالية وعناد العنصريين في إيران للكاتب يد الله زماني، ترجمه إلى العربية جابر احمد، “التمييز العرقي والقومي يمارس اليوم بأبشع صوره بحقّ القوميات غير الفارسية، فقد تناقلت الصحافة الإيرانية الصادرة في العام الماضي نقلا عن وزارة الصناعة الإيرانية التي وضعت معايير لكل المقاطعات الإيرانية وذلك على ضوء الصناعات الموجودة فيها وعلى ضوء هذا التصنيف تبين أن محافظة طهران العاصمة قد حصلت على 8616 امتيازا في حين حصلت مقاطعة أذربيجان وهي منطقة تسكنها القومية التركية – الأذرية وكانت من أكبر المراكز التجارية والاقتصادية في مطلع القرن العشرين على 521 امتيازا واحتلت المرتبة السادسة عشرة ومقاطعة كرمانشاه 298 امتياز ( منطقة كردية ) ومقاطعة كردستان على 122 امتيازا ومقاطعة عيلام أو (أيلام) على 34 امتيازا، أما مقاطعة الأهواز أو إقليم ”خوزستان ” كما تسميها إيران والتي هي موطن العرب الأهوازيين والتي تعتبر وبفضل الصناعات النفطية ما يرتبط بها من أكثر المناطق حيوية لم تحصل حتى على امتياز واحد، هذا نموذج من المعنى الإسلامي للتوزيع العادل للعدالة والرفاه الاجتماعي في إيران.

ولعل ما قام به رجل الدين الشيعي وأستاذ الفلسفة المعروف المجتهد ” السيد محسن كديور في كتاب ضخم اسماه” حقوق الإنسان والتنوير الثقافي الديني” – تحدث فيه عن مفاهيم مثل تعارض الأحكام الدينية والإسلام التقليدي وكان يقصد من الإسلام التقليدي على سبيل المثال جامع ألأزهر عند أهل السنة و الحوزات العلمية مثل النجف وقم ومشهد لدى الشيعة، أما حقوق الإنسان فيقصد به الإعلان العالمي أو الميثاق العالمي لحقوق الإنسان أو الإعلان الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية وقد تحدث السيد ” كديور” بإسهاب عن التمييز أو الاضطهاد الديني في إيران حيث تجلت صوره حسب رأيه في المجالات الأربعة التالية وهي:الفرقة الناجية – الشيعة، مسلمو بقية المذاهب من أهل السنة وغيرهم، أهل الكتاب، يعني المسيحيين واليهود والمجوس – الزرادشتيون، الكفار والمحاربون وغير أهل الذمة وغير المعاهد”.

أما تركيا في العهد العثماني الذي استمر قرونا، فقد حكم العثمانيون الشعوب التي احتلوها بالنار والحديد وأذاقوا الناس مرّ الحال، ولا نريد التوسّع أكثر لأنّ مجزرة الأرمن تشكّل وصمة عار في جبين الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، وقد ظلت تركيا تحمل وزر هذا الذنب حتى بعدما تحوّلت إلى دولة علمانية، وقضائها على الحكم الإسلامي، الأمر الذي أخرّ دخولها إلى العالم المتحضر ممثلا بالاتحاد الأوربي .

وهكذا نرى أنّ الإسلام قد ساهم فعليا في تقعيد ظاهرة الأقليات باعتبارها مجموعات قاصرة لا بدّ من استعمارها إلى اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية إلى الأبد!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق