الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (17)

لا تزال مفاهيم الهوية والوحدة الوطنية والأقليات إشكالية في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، لأنها لم تنجز بناء دولة المواطنة بقدر ما أنجزت سلطة الفرد – العائلة – الحزب، بغضّ النظر عن البنية الأيديولوجية التي تُستخدم غطاءً لتبرير هذه السلطة والدفاع عن مصالحها والعمل على تأبيدها أيضا وبشكل دستوريّ.

ويمكننا بهذا الصدد أن نسجّل ملاحظتين أساسيتين، تتعلّق الأولى منهما بالتناقض بين حدود الدولة السياسية وبين النزوع المستمر باتجاه حدود الأيديولوجيا، ولو على حساب مصالح الدولة، إذ لعبت الأيديولوجيا القومية دورا في إضعاف الهوية الوطنية للكثير من الأنظمة العربية، وكذلك كان دور الأيديولوجيا الإسلامية أو حتى الاشتراكية. بالمقابل تتمثّل الملاحظة الثانية بتقصير هذه الدولة الأيديولوجية –إن صحّ التعبير- عن استيعاب التلوينات الفسيفسائية في نسيجها الاجتماعي والثقافي، ففي سوريا كانت الأولوية باستمرار للقضايا القومية، واعتبار مسألة الوحدة الوطنية بداهة في مجتمعنا بغضّ النظر عن حدود الاندماج الوطني، حتى أنه أثناء ما سمّي بأحداث الشغب الكردي في بعض المدن السورية اكتفى أحد المسؤولين بالقول إنّه لا توجد مشكلة كردية في سوريا، فكلّ المواطنين عرب سوريون في خانة الجنسية، مع أنّ المسافة ما تزال كبيرة بين حدود العروبة وبين الحدود السورية، وبشكل خاصّ لكلّ من يعتبرون أنفسهم من سلالات قومية غير عربية، أو الأقليات وفق التعبير الشوفيني، باعتباره تعبيراً ينطوي على التقليل والانتقاص في الحقوق والسوية الاجتماعية أكثر منه تعبيرا عن دلالة عددية فقط.

وقد جاءت النصوص الدستورية لأغلب الأنظمة بتأكيد تختلف صيغته من نظام لآخر حول عروبة الدولة، مما ساهم في تهميش كل المجموعات السكانية التي لا تعتبر نفسها عربية، في المنطقة. كما أنّ النصوص الدستورية لأغلب هذه الأنظمة، والتي تؤكّد أنّ دين الدولة هو الإسلام، أو هو المصدر الأول للتشريع، ساهمت بشكل مباشر بتهميش كلّ من يقع خارج الإطار الإسلاميّ، وحتى في التقسيمات الطائفية داخل الإطار الإسلامي نفسه، بغضّ النظر عن نوايا هذا الفريق الحاكم أو ذلك، لأنّ أغلب هذه الأنظمة كانت تتبنّى أيديولوجيات قومية أو اشتراكية مع الكثير من الشعارات التي تنحو باتجاه علماني، وفي بعض الأحيان كانت تنطوي على نزوع ليبرالي خاصّ. لنكتشف في المحصلة أنّ المواطنين المندرجين في خانة الأقليات، وفي كل الأنظمة العربية، هم في تنام مطّرد، باطّراد وتوسّع هوامش الحقوق المنقوصة، في مستوى اللغة والثقافة كما في الحقوق الاجتماعية والسياسية.

وإن كانت بعض المجموعات السكانية ما تزال تعيش في ظل عدم تكافؤ حقوقيّ ضمن الأنظمة العربية، فإنّ ما هو أخطر من ذلك وجود مجموعات أخرى مازالت تعيش على هامش المجتمعات العربية، وبلا أدنى اعتراف بالحقوق، مجموعات سكانية تعاني ليس من التمييز بل من الإلغاء، هو عدم الاعتراف بأيّ من حقوق المواطنة، بما فيها حقّ الحصول على الهوية الشخصية باعتبارها دليل مواطنة ومرجعية حقوقية في الحياة. فهناك الكثير من التجمّعات التي يطلق عليها لقب “بدون” وهم متنوّعو الأصول والمنابت، يجمعهم فقط إطار الحرمان من الهوية أو أيّ جنسية، من هؤلاء الجماعات يبرز “عرب وادي خالد” في لبنان، “البدون” في الكويت وبعض الإمارات العربية، “الغجر” أو “النَّوَر” المنتشرون في المنطقة العربية ككلّ ويطلق عليهم “القرباط” في بعض المناطق العربية نسبة إلى جبال “الكربات”، وأخيرا وليس آخرا “الأخدام” في اليمن.
وفي هذه الحالات نحن أمام شكل من التمييز العنصري والازدراء الاجتماعي والإلغاء القانوني قلّ نظيره في العالم، يقول الكاتب اليمني علي المقري: (المهمّشون السود في اليمن، والذين يُطلق عليهم لفظ “الأخدام”، يواجهون معاملة عنصرية بسبب لونهم أشدّ قسوة من العبودية، فالعبيد لهم حقوق بشكل ما، أما هؤلاء فليس لهم أيّ اعتبار أو حقّ، إضافة لظروف الفقر والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي يعيشون في ظلها).

مجموعات “البدون” هذه ما زالت تعيش في عالم سرّي ومغلق على فقره وتخلّفه وطقوسه، غالبا لا يعرفون الاستقرار المكاني، يبنون منازلهم من بقايا الصفيح والكرتون والأقمشة الملتقطة من الشوارع، كذلك هم يكادون لا يعرفون شكل الملكية المعاصرة، ليس لهم الحقّ في العمل، حتى كخدم في المنازل أو المقاهي لا يجدون من يرحّب بهم، وليس لهم الحقّ في الحصول على المعرفة أو دخول المدارس، ولو اغتصبت إحدى نسائهم أو دهس طفل منهم بسيارة مثلاً فلا توجد بنية قانونية تحميهم أو تساعد في تحصيل حقوقهم، إذ لا حقوق لهم أصلاً سواء في العمل أو السكن أو التعليم أو حتى في الحياة. إنهم لاشيء في نظر الدولة، لذلك هي لا تعني لهم شيئاً بالمقابل.

ما زالت هذه المجموعات البشرية تعيش في عالم مفتوح على داخلها، ويكاد يكون مغلقاً باتجاه الخارج. عالم لم يعرف الدولة ولم تشأ الدولة أن تتعرف عليه أيضاً، إنهم عالم لم يَعرف الخطيئة الأولى، بل هم لم يأكلوا من شجرة المعرفة بعد، وبالتالي نراهم على سجيتهم الفطرية، وهي سجية مرفوضة في مجتمع المعرفة والتمييز الطبقي والاستغلال الاقتصادي.
من هنا نجد أن منظومتهم القيمية والأخلاقية ما زالت بدائية جدا، حتى الحبّ لا يأخذ بعدا رومانسياً ويبتعد عن العواطف الإنشائية، إنه الحبّ كعلاقة جسدية أو كجنس عار، باعتباره الشكل الوحيد لتجاوز كل أشكال التفرقة. وفي هذا المستوى ودون وعي قصدي نراهم يعيشون أو يشكلون حالة تمرّد ورفض لكلّ مفاهيم: الأخلاق، الوطن، الهوية والتاريخ، أو تجاوزاً لهذه المفاهيم باتجاه إلغاء الهوية.

وحتى القوى الاجتماعية والسياسية اليسارية والعلمانية الحديثة لم تنظر إلى هذه الفئات أو الشرائح بكينونتها وإنسانيتها المستقلة، إنما نظرت إليها من أجل دمجها في المجتمع، بشروط إلغاء إرثها التاريخي والثقافي والإنساني العامّ، حيث طُلب إليها إلغاء هويّتها- إن صحّ أنّ لها هويّة- بمعنى التمرّد على تاريخها، وشرطها، كما حصل منذ عام 1975 إلى عام 1982 حين كانت تجري محاولات لدمج الأخدام في المجتمع اليمني، عبر هوية أيديولوجية يسارية، حين كان الاتجاه الاشتراكي المهيمن على الدولة في جنوب اليمن يرفع شعار تحرير الأخدام في اليمن، فنجد أته ذهب في هذه العملية باتجاه تحريرهم حتى من صفتهم نفسها كأخدام، أي أنهم كرّسوا سياسة الإلغاء نفسها، حيث سادت في مرحلة “علي سالم البيض” والرئيس “سالم ربيع علي” شعارات مثل:
“سالمين قدّام .. قدّام
سالمين ما احناش أخدام”

نكتشف أنّ هذه السياسة اليسارية لاستيعاب مجموعات البدون والمهمشين في مجتمعاتنا العربية لم تكن بعيدة عن السياسات القومية والإسلامية للتعامل مع المجموعات القومية والدينية منقوصة الحقوق، وهو تعامل يقوم على مبدأ إلغاء ألهويات المستقلة لصالح هويات أيديولوجية لم تثبت صلاحيتها في التداول الحقوقي والإنساني بعد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق