الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (19)

تشكّل سورية كنموذجٍ للتعددية أتّوناً يضمّ خليطاً إثنياً ودينياً كبيراً يمنحها ميزةً بين الأمم، لكنّ هذه الميزة تشكلّ سلاحاً ذا حدّين، حدّه المشرق أنّه يمنح هذه البلاد فرصةً دائمةً للنهضة والإبداع، في حال استغلالها، نظراً لتعدد المفاهيم واختلاف العقليات الناجم عن تفاوت الانتماء البيئي والديني ما بين الداخل والساحل والبادية والجبل، مما يؤخّر من صيرورة انقراضها.

أمّا حدّه المظلم فهو إمكانية تحوّل هذه الخاصية الخلاقة إلى عنصرٍ مدمّرٍ في أية لحظة، قد يفجّر حرباً أهليةً لا تستثني أحداً جرّاء أي حماقةٍ فقهية.

وتعتبر مسألة الأكثرية والأقلية “العددية” من أكثر المسائل نسبيةً وطرحاً في بلادٍ مثل سورية، فإن كان الدين السائد هو الإسلام، بحكم الفرض أو الاعتناق، فإنّ “الإثنية-العرقية” السورية تشكّل مزيجاً من الأكاديين والآراميين والفينيقيين والآشوريين والحثيين واليونانيين والرومان والبيزنطين والأرمن والشراكس والتركمان والأكراد … وعلى الرغم من ذلك يتمّ التأكيد على عروبة البلاد، رغم أنّ العرب كانوا آخر الأمم التي حلّت في هذه البلاد؛ لكنّ التوأمة الأيديولوجية بين العروبة والإسلام تفرض “عربنة” الآخر، الذي هو الشعب السوري.

بناء على هذا المعيار تُفرض “الأكثرية الإثنية-العرقية” رغماً عن التاريخ، فترسم لنفسها واقعاً جديداً مغايراً لذاتها قد يتغير بحسب صيرورة التاريخ، لتحلّ مكانها أكثرية إثنية أو ربما أكثرية دينية جديدة. الأمر الذي يشكل فتيلاً مهيئاً للاشتعال بحسب انتقال مراكز القوة والسيطرة، نظراً لازدواجية الهوية السورية الناتجة عن فرضٍ دينيٍ عرقيٍ على حساب استيعاب التعددية السورية أو إدراك خصوصيتها، إضافةً إلى الخلل في أسلوب إدارة التنوع الديني-الإثني وتهميش الأكثرية الافتراضية (الإسلامية)، على صعيد قانون الأحوال الشخصي مثلاً، لبقية الجماعات؛ مما يبقي الولاء الأول للعائلة الكبيرة الممثلة بالطائفة ثمّ الدين؛ في حين تنعزل الأقليات الإثنية المنقسمة بدورها فتولي المسألة العرقية أهميةً على الدين، لا سيما في مسائل الزواج التي تعكس بوضوح مسألة انقسام الشارع السوري على حساب المواطنة؛ التي يفترض أن تجعل من جميع المواطنين سواسيةً أمام قانون الدولة “المدني”.

إنّ غلبة البعد (الطائفي-الديني) على البعد الإثني لا يعني انتهاء مظاهر النزاعات الإثنية، لكنه يعني أنّ النزاعات الطائفية هي الأكثر انتشاراً.1

وفي ظل غياب قانونٍ مدنيٍ، يميز قانون الأحوال الشخصية بين أبناء المجتمع انطلاقاً من الشريعة الإسلامية، فيستخدم مصطلحاتٍ كالذمي(ـة) والكتابي (ـة) رغم أنّ كلمة “الذمّة” لا تذكر في القرآن سوى مرّتين فقط (سورة التوبة- الآيتان 8 و10) وقصد بها المشركون من قريش، ولكنها ترد في الحديث، وأكثر الإشارات القرآنية إلى “الآخرين” تستخدم أوصافاً مثل “أهل الكتاب” أو “المشركين” أو “الكفار”.

وتوسّع مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد المطروحة الآن في سورية الهوّة بين المواطنين من جهةٍ، وبين الدولة ومواطنيها من جهةٍ أخرى؛ لاسيما بعد ابتكاره لانتهاكٍ جديد يطال غير الكتابي (ـة) والمرتد(ـة)، (المادتان 63،284)، ومن البديهي أنّ الارتداد ممنوع في القانون الإسلامي، مما يجعل الحكم الحالي محصوراً بالعلمانيين والمعتدلين أو من يرغب “أصحاب اللحى” بإزاحتهم من خانة الحقوق المدنية، بعد أن تزايدت أعدادهم إلى حدّ لم يعد بوسع المتدينين تجاهل هذه “الأقلية اللادينية” الجديدة؛ مما يعيد البلاد إلى ما وراء عصر “التنظيمات الخيرية” العثمانية الممثلة بمرسوم خط “كلخانة” (1839) ومرسوم خط التنظيمات الخيرية “الهمايون” (1856) الصادرين في عهد السلطان عبد المجيد (1839-1861)، والدستور العثماني الصادر عام (1876) بفعل جهود الصدر الأعظم مدحت باشا (1822 ـ 1883).

يطرح هذا التهديد الجديد للمواطنة السورية والأقليات مسألة علمنة الدولة وقوانينها الناظمة بالكامل، وتطبيق “نظرية الجدار” التي اقترحها الرئيس الأميركي توماس جيفرسون، والتي تقترح إقامة جدار مجازي فاصل بين الكنيسة (الدين) والدولة.

المطلب نفسه الذي أعدم بسببه زعيم الحزب السوري القومي الإجتماعي أنطون سعادة، بعد فشل ثورته على النظام الطائفي اللبناني عام (1949)، وكان قد أكّد في المبدأ الأول من المبادئ الإصلاحية على فصل الدين عن الدولة، وفي المبدأ الثاني على منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة و”القضاء” القوميين.

واصطدمت محاولات البعثيين والشيوعيين الباكرة في تحقيق العلمنة بالتركة الثقيلة، التي خلفتها الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة على البلاد، والتي تجلت في الصراع الدامي بين المتطرفين الإسلاميين والنظام السوري في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

وعلى عكس ما يصوره المشرّعون القروسطيون، لا تتناقض العلمانية مع الأديان بوصفها أدياناً، لكنها تتناقض مع إرادة سيطرة إحدى الإثنيات أو الأديان على النظام الاجتماعي، وفرض نظرة إلهها على طريقة تفكير المواطنين، الأمر الذي ينمي السعار الديني والانكفاء على الذات لدى المحكومين من قبل النظام المهيمن.

وتمارس الدولة العلمانية دورها بصفتها سلطةُ مدنية تبرز كلّ ما يوحّد مواطنيها مستفيدةً من التنوع والاختلاف، كما يتعلم كل فردٍ كيف يحيا قناعاته الخاصة محافظاً على مسافةٍ كافيةٍ عنها تخوّله إقصاء التعصب الأعمى وعدم التسامح2؛ فتحقّق العلمانية بذلك توحيد الناس ضمن الدولة. وهي تفترض تمييزاً قانونياً بين حياة الإنسان الخاصة كما يعيشها هو، وبين بعده العام كمواطن: فكإنسان له ميزاته الخاصة في حياته الشخصية حيث يتبنى الشخص قناعةً روحية، سواء كانت دينية أو غير دينية، ويستطيع بالتأكيد تقاسمها مع الآخرين؛ إلا أنّ السلطة العامة يجب ألا تقلق من هذا طالما بقي التعبير عن هذه القناعات والمذاهب متوافقاً مع حقوق الآخرين، رغم صعوبة تحقيق هذا الازدواج.3

وتعمل الدولة وفق تصوّرٍ مدنيٍ قائمٍ على حقوق الإنسان كقانونٍ ملزمٍ، وليس وفق تصورٍ واحدٍ أو قانونٍ مقرّرٍ سلفاً في لوحٍ غيبيٍ محفوظ !

كما تمثل مجموع الشعب بأكمله لا فئةً محدّدةً، ولا تخضع لمعيارٍ كميٍ يمكن تجاوزه بالتكاثر العبثي.

{{الطفل بين حقّ الاختلاف وفصام الهوية}}

تشكل مسألة الاختلاف والتعددية امتحاناً عسيراً أمام نجاح أي مشروعٍ علمانيٍ في سورية، فكيف يمكن إقرار قانونٍ مدنيٍ إن كانت المدارس تفصل بين الطلاب بحسب دياناتهم أثناء الدروس الدينية، وتعزل معظم مدراس المدن السورية الجنسين عن بعضهما بدءاً من المرحلة الإعدادية؛ مما يكرّس اختلافاً تنافرياً لا تفاعلياً على الصعيد الجنسي والديني في أخطر مراحل تكوين الوعي بالذات وهي الطفولة.

ورغم تأكيد المادة (14) من اتفاقية حقوق الطفل المعتمدة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (44/25) لعام (1989) على (احترام الدول الأطراف لحقّ الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين. وعدم جواز إخضاع الإجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون، لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين)، فإنّ الفرض القسري للنموذج الإسلامي يتجاهل ماهية النسيج السوري واختلاف طوائفه من الأقليات الإسلامية في نظرتها للشريعة والدين وحتى لماهية الله والشخصية المحمدية، فالطفل الدرزي أو العلوي أو الإسماعيلي أو المرشدي أو اليزيدي مثلاً…سيعود إلى عائلته ليطرح أسئلةً حول (من نحن؟)، (لماذا لا نصلي مثل المسلمين؟)، (لماذا لا نصوم؟)، (لماذا ولماذا.. ؟؟).

فيبدأ فصام الهوية الأول بتعليم الأهل لأطفالهم وفقاً لأصولهم وانتماءاتهم، خوفاً من انجرارهم وراء الطريقة السنية في مناهج تختلف اختلافاً جذرياً عن الواقع؛ وتتفاقم هذه الأزمة مع الطفل المسيحي الذي يواجه بأسئلة أقرب ما تكون إلى الاتهام (كتكفير إيمانه بيسوع المسيح ابن الله…قل هو الله أحد..)، وشتم صليبه بحجة أنّ (الله قد أعزّ المسيح ورفعه إليه..لكن شُبّه لهم)، أو اتهامه بالإيمان بالإنجيل المحرّف..

الأمر الذي يحوّل كلّ طفلٍ بذاته إلى مشروعٍ انعزاليٍ يصبح معه حقّ الاختلاف متناقضاً ومدمّراً نفسه.

تتجذر هذه الانعزالية في فترة المراهقة حيث يبحث كل فردٍ عن شبيهه (دينياً)، وقد يكتشفه من خلال “لهجته” أو من خلال السؤال المباشر ذي الباطن الطائفي ” من أين أنت؟”، مما يحوّل أي خلافٍ أو إشكالٍ يقع فيه لاحقاً هذا الصديق “الشبيه” مهما صغرت أسبابه إلى معركةٍ طائفية الطابع، حيث يتكاثر المتعاركون المنقسمون بحسب “خلفياتهم” دون محاولةٍ لفهم سبب الخلاف الذي بدأ منذ سنوات طفولتهم.

تجسّد هذه الحالات التجاهل التام لمسألة الاختلاف وحقّ الآخر في التعبير عن ذاته، مما يكرّس التعايش الظاهري القائم على تسوياتٍ هشةٍ خاضعة لعلاقات قوةٍ بين طوائف من الفصاميين. لذا تستلزم تنشئة المواطنين في مجتمعٍ فسيفسائي كالمجتمع السوري ضرورة فرض العيش المشترك، وليس التعايش السرابي.

إنّ الثقافة الفصاميّة لا تلد سوى الصدمات النفسية التي تعبّر عن نفسها في كافة مجالات الحياة والعمل، ولاسيما من خلال صعوبات الزواج المختلط التي يكرّسها قانون الأحوال العنصرية، والتقاليد الشوفينية التي قد تفضي إلى “جريمة شرف” وفي أحسن الأحوال إلى مقاطعةٍ عائليةٍ تشمل الضحية ولا تستثني عائلتها.

{{الآخر والمشكلة الإسلامية}}

تمارس الشريعة دوراً خطيراً في تكريس الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد، يتجلى في تقسيم الإنسانية بين نحن (أهل الهداية المسلمين)، والآخرين (أهل الضلال غير المسلمين) وما يرافق هذا التقسيم من أحكام وقوانين، وتقسيم الفقهاء والمشرعين المسلمين للعالم بين دار الإسلام ودار الحرب.

ويلجأ الدعاة الإسلاميون في محاولةٍ منهم لإثبات دفاع الإسلام عن حقوق الإنسان إلى إجراء مقارنةٍ ساذجة بين أوضاع الناس في الجاهلية وصدر الإسلام، واضعين العصا في عجلة التاريخ الذي توقف عندهم قبل ألفي عام.

لكن ألا يسود العنف الوحشي في أكثر الدول الإسلامية؟ ألا يُستهان فيه يومياً بحقوق الإنسان، بخاصةً حقوق النساء والأطفال؟

ألا تكرّس الشريعة والقوانين الإسلامية تسلط الساطور الذكوري فوق رقاب النساء محولاً المرأة إلى عورةٍ أو نعجةٍ جاهزةٍ للذبح الاجتماعي أو الجسدي، ألا تحشر أنفها حتى في فراش الزوجية؟

ألا تعتبر المادة (12) من قانون الأحوال الشخصية السوري لعام (1953) والتي تشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين، أو رجل وامرأتين مسلمين، والمادة الأسوأ (38) من مسودة مشروع القانون الجديد التي تشترط إضافةً للمادة السابقة حضور شاهدين كتابيين في زواج المسلم بالكتابية حين الضرورة؛ انتهاكاً لحقوق الإنسان وتكريساً للدونية في النظرة للآخر.

ألا يحاول الإسلامويون تجيير القانون لصالحهم حتى في مسألة الأكثرية العددية، فالمادة (232) من المشروع الطالباني الجديد تنص على:

“في جميع الأحوال التي يسلم فيها أحد الزوجين أو كلاهما أمام المحكمة الشرعية. لا يجوز البحث في صدقه في إسلامه ولا في الباعث على الإسلام.”

عدا عن إجبار المسيحي على الإسلام في حال رغبته الزواج بمسلمة، فإنّ هذه المادة ترحب بالنفاق، فليس المهم أن يكون الإنسان مقتنعاً بل أن يضاف إلى العدّاد الرقمي الطائفي.

وكم من مرةٍ سمعت شامتاً يقول: هل عرفت أنّ فلاناً (مسلم) قد تزوج من فلانة (مسيحية)، الحمد لله سيكسب الإسلام أطفالاً مسلمين جدد بدلاً من ولادتهم على دين الكفار!

ألم يفرّغ الشرق من مسيحييه إثر سلسلة من المجازر والترهيب والتهميش لم تبتدئ بالحرب الأهلية (1860) التي أبادت ربع السكان المسيحيين الدمشقيين ولم تنته بالحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989) والحرب الأهلية العراقية منذ العام (2003)؟.

فلم يتجاوز إجمالي عدد المسيحيين في عام (2007)، (12إلى15) مليون نسمة من إجمالي عدد سكان الوطن العربي الذي قدر في ذلك العام بـ (317) مليون نسمة، وبنسبة تتراوح بين (3.8 و 4.7 %) كحدٍ أقصى، وانخفضت نسبة المسيحيين السوريين من (30 % إلى مادون 10% ) في سورية، ومن (55% إلى 36%) في لبنان…)4

ألا يحوّل هذا التهجير المسيحيين إلى ورقةٍ سياسية رابحة بيد الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تحركها حسب الظروف الدولية، بغية تكريس الانقسام وإيجاد ذريعةٍ للتدخل المباشر وغير المباشر في سياسات الدول العربية؟

ألم تتعاون الحركة الصهيونية والحركات الشوفينية العربية بشكلٍ غير مباشر على طرد اليهود الشرقيين من بلادهم، إن لم يكن بالعنف المباشر فبالتهميش الاجتماعي والاقتصادي؟

ماذا سيفعل المسلمون لو منعت الدولة الحجاب، أو حظرت فرض الاستماع إلى الأدعية والغزوات الدينية في السيارات والسرافيس؛ ألن يلجأ هؤلاء أول ما يلجأون، دفاعاً عن أنفسهم، إلى فكرة استقلال القضاء، وإلى مبادئ حقوق الإنسان مشدّدين بإسراف على ضرورة تطبيق هذه المبادئ !5

ألا يعيش المسلمون حالةً فصامية، فمعظمهم يمارس الإرهاب الفكري والعقائدي على الجميع، ويطالب في الوقت نفسه أوروبا وأمريكا بالتزام تطبيق حقوق الإنسان في مسألة الحجاب وحقوق الشعوب العربية!

يحاربون الرسوم الكاريكاتورية التي صورت النبي محمد داعيةً للعنف وفي عمامته قنبلة؛ ويحرقون السفارة الدانمركية بعنفٍ يثبت صحة الرسوم، وهي الرسالة التي كان يريدها الساسة الأوروبيون !

يطالبون البابا بالاعتذار عن إساءات الحروب الصليبية وعن خطابه المثير للجدل، الذي اعتذر عنه مراراً، ويتجاهلون سلسلة الغزوات والمذابح المستمرة حتى اليوم والتي ترتدي زي الجهاد المقدس!

ينبغي على المسلمين الإدراك أن العالم يتّسع للجميع، وأنّ الولاء للدولة مسألة جوهرية وعامة، أما الإيمان بالله وملحقاته فمسألة شخصية غيبية لا ينبغي الحكم على الآخرين بناء عليها، لذا ينبغي إلغاء كل قوانين وضوابط الشريعة التي تحكم على الأقليات (المسيحية واليهودية) بصفتهم أهل ذمة في البلاد، وليس الاكتفاء بتجاهل بعض قوانينها بحكم الواقع الحالي؛ بل سحبها قانونياً وللأبد وفرض قانون المواطنة بدلاً منها، إضافةً إلى التجريم القانوني لأية محاولة تكفيرية باسم “حرية الرأي”، كالتي تنظر إلى الأقليات (العلوية، الإسماعيلية، الدروز، المرشدية..) باعتبارها فرقاً من الكفار والملاحدة والمرتدين والروافض والباطنية التي تظهر الإسلام وتبطن الكفر وتعمل على هدم الإسلام من الداخل.6

{{مسألة الاختلاف وقانون الدولة}}

إن كانت الدولة العلمانية لا تتعارض مع الأديان فكيف ستتعامل مع المحاكم الدينية والطائفية؟

إنّ المجتمع السوري والعربي عموماً مجتمعٌ متدينٌ عبر تاريخه، فكيف ستتمكن الدولة من فصل النزاعات أو الحكم بين أفرادها؟

إن المغالاة في المطالبة باستقلالٍ طائفيٍ واحترام الأقليات إلى درجة إنكار كلّ قضاءٍ أعلى (علماني أو مواطني) يكفل مساواة الجميع أمام القانون بما يتجاوز التجذرات المتنوعة، يعني تحويل التعددية الاجتماعية والسياسية إلى فسيفساء من القبائل هي في أحسن الحالات متعايشة، ولكن دون أدنى ضمان بأنّ الحقوق الفردية لأفرادها ستكون مصانة، وفي أسوأ الحالات تقاد إلى غمار حربٍ يكون فيها الجميع ضدّ الجميع، وتتحول التعددية عندئذٍ إلى كارثةٍ حقيقيةٍ تجرّد الإنسان من مبادئه ليسير وفق غرائز حيوانية تعمل وفق مبادئ شريعة الغاب.7

إذاً يجب أن تكون قوانين الدولة أعلى من قوانين الطوائف مع احتفاظ هذه الطوائف بحقوقها في تطبيق أحكامها على المؤمنين بسلطتها في حال لم يرغب هؤلاء باللجوء إلى محكمة الدولة المدنية العليا.

وإن كان يسجل للنظام السوري صرامته في فرض الأمن والتعامل الحازم مع أي محاولةٍ تفتيتية أو طائفية، الأمر الذي عرّضه لتهمٍ تكفيرية ومحاولاتٍ إرهابية قادها الإسلامويون مطالبين بحقوق الإنسان!، فإنّ هذه القدرة تبقى قاصرة ومخدّرة إذا لم تتمم بعلمنة الدولة الشاملة وفرض المواطنة والقانون المدني حتى لو كانت على طريقة أتاتورك، الأمر الذي يقود إلى صهر “المجتمعات”السورية في أتونٍ واحد فيخلق على مدى الخمسين سنة القادمة “مجتمعاً موحداً” وجيلاً جديداً ولاؤه الأول وهويته الوحيدة وطنه، مما يحميه من الأزمات التي يعمل الغرب على تصديرها للمنطقة مستفيداً من العناصر الطائفية الداخلية وتعايشها الظاهري على حساب حقيقتها الفصامية وهويتها المزدوجة !

{{الهوامش:}}

1 مسعد، نيفين: النزاعات الدينية والمذهبية والعرقية (الإثنية) في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد(364)، حزيران،2009، ص 66.

2 رويث، هنري بينا: ما هي العلمانية؟، ترجمة د. ريم منصور الأطرش، مراجعة د. جمال شحيّد، المؤسسة العربية للتحديث الفكري، دار الأهالي، دمشق، الطبعة الأولى، 2005، ص10.

3 رويث، هنري بينا: المرجع السابق، ص11.

4 مسعد، نيفين: المرجع السابق، ص69.

5 العظم، صادق جلال: الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية، ترجمة فالح عبد الجبار، دار المدى، الطبعة الأولى، 2007، ص 7.

6 العظم، صادق جلال: المرجع السابق، ص 23-24.

7 هارشير، غي: العلمانية، ترجمة رشا الصباغ، تدقيق د. جمال شحيّد، المؤسسة العربية للتحديث الفكري، دار المدى، الطبعة الأولى، 2005، ص48.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This