الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (25)

تشكل معضلة الأقليات في العالم العربي جوهر مساحة اجتماعية ثقافية يفتقد فيها المرء للثقة والحضور والقيمة. أمّا “الكلام” عنها فيُختصَر في حقوق غير واردة في قواميس الثقافة السياسية العربية، أو يُربط بالطبيعة الاستبدادية للأنظمة العربية دون الخوض في زوايا أخرى لا تقلّ خطورتها عن العنصرية السياسية الرسمية. وفي هذا جزء كبير من الحقيقة إذ لا يختلف عنها سوى المثقفون الدجالون النائمون في عوالمهم المتخيلة ، ولكن ماذا عن العنصرية الاجتماعية وتلك الصورة “الداروينية” التي طالما رسمها “العرق الأصل” لذاته على ظهر مَن لا يُرغَب بصحبته .

لذلك ، أحاول هنا الولوج في جانب آخر فيما خص الأقليات في هذه الرقعة الجغرافية التي تسمى “بالعالم العربي” ، وهو العنصرية الاجتماعية وما تشكلها من الرواسب الثقافية والأخلاقية في الوجدان القمعي للمجتمعات الغالبة . ولا يُقصَد بالأقلية هنا كهوية قومية أو دينية أو عرقية، بل كفضاء مُغَيَب في الثقافة والوعي، بل حتى في السلوك اليومي والممارسات الحياتية العامة. كما انه ورغم إمكانية فرز الديني والثقافي والعرقي والقومي فيه ، خاضع لنمط من التفكير يغلب عليه الاجتماعي أكثر من أي شيء آخر ، ذاك ان الإختلافات الهوياتية دخلت في نسق لا يمكن الدخول فيه كبنى مستقلة بذاتها ، بل كتمثلات للحالة العربية . هكذا إذاً يُنظر للمسألة ، وهي تالياً نظرة تتسم بالقَسْرية ، إنما هي واقع مجتمعي أيضاً!

لتحديد بعض من ملامح هذا الفضاء المُغَيَب، قد يحتاج المرء لعرض مواقف ومظاهر اجتماعية وثقافية وفردية تفرض على (الآخر) شروط وملازمات ذهنية لا تدخل ضمن نسق تفكيره وخياراته في الحياة . وهناك في هذا السياق نوعان من التغييب، أولهما ديني محض ، أما ثانيهما عرقي أُصولي تمثل فيه التعابير اللغوية الشعبية الدور الرئيس .

على المستوى الديني ، هناك غلبوية إسلامية على الأديان الأخرى وعلى الطوائف الصغيرة داخل الإسلام ، كما تبيح الكراهية ضد الملحدين والذين يعتنقون دين آخر(المرتدين وفقاً للتسمية الدينية) القتل دون سؤال . ففي غالب اللحظات التي تبدأ العين فيها بالنظر في الواقع العربي المحزن والخاضع للغلبوية ذاتها، يلاحظ بأن (القسرية) لا تُقتصر على التغييب المُسَيَس فقط ، بل تشكل وعياً إجتماعياً في الكلمات والتعابير والحركات والنظرات ، كما في أجوبة شافية لكل سؤال .

والحال هذه ، تصبح الهوية الدينية مقاساً لكل شيء في الحياة اليومية ولأي مستقبل مفترض . ففي العلاقات الإجتماعية ، تغلب روح (الأنا الدينية) على ما يمكن وصفه بالحوار المجتمعي وأصبح لمصطلح “أهل الذمة ” مثلاً مساحة في ذهنية المسلمين تمس الجانب الإجتماعي أكثر من الديني . ذاك انها ببساطة تجمع الهويات المتنوعة وفق مفهوم السادة والرعايا وليس المواطنة والشراكة .

ففي الوعي الديني الإسلامي (الشعبي والرسمي) ، يُعتبَر المسيحيون واليهود والصابئة وبقايا الديانات القديمة (الكاكائية والكلهورية والزرادشتية واليزيدية في كردستان وإيران) ، ذمم وليس شيء آخر؛ على نحو أوضح (أمانات برقبة المسلمين) . ويمكن إعتبار التعديلات الأخيرة التي أجرتها الحكومة السورية على قانون الأحوال المدنية وقبلت بالرفض من قبل المؤسسة المسيحية ، يمكن إعتبارها خطوة نحو تكريس هذا المفهوم الذي طالما غَيَّبَ ما يمكن تغييبه في (الآخر) تاريخياً .

هناك كلام شائع يقال بمناسبة ودون مناسبة (كلنا مسلمون) وإن رفض أحد هذا الكلام وبرز هوية أخرى ، فيُقال له ،(طيب، ما الفرق فنحن كلنا عرب) . ينقلنا هذا الجواب الشافي والشمولي الذي ربط الهوية الدينية بالهوية القومية العربية تاريخياً وسياسياً إلى المستوى الثاني من العنصرية وهي عرقية وقومية وعضوية تتجلى في (الشفاهيات المجتمعية) إن جاز القول . أي انها تتجاوز حدود النص والثقافة الرسمية المدونة أو المتبعة آيديولوجياً وسلطوياً وتندرج ضمن ثقافة شعبية يومية ونسق العلاقات الإجتماعية والثقافية.

وما يلاحظ في هذا السياق هو لجوء الوعي العربي العام إلى جملة تتكون من كلمتين إنما تقتضب جميع الأشكال والأصناف واللغات والثقافات في اللون العربي من خلال (كلنا عرب) . وقد يرفض المُوَجَه له هذا الوصف ويقول أنا لست عربياً – قد يكون كردياً أو أمازيغياً أو شركسياً أو تركمانياً- فيعود العربي ليقول (طيب ، ما الفرق فنحن كلنا مسلمون) .

ان مثل هذا النوع من الحوار المجتمعي ، إنما هو ثقافة قبل كل شيء ونمط من التفكير أسس له كل من الدين والآيديولوجيا القومية المقدمات الضررية ، وهو أيضاً ، شكل واضح للقاء الإسلام بالعروبة . خلاصة القول ، لم تتحرر صورة الآخر في المخيلة العربية من مقاسات الأمويين للغريب والأجنبي والأسير والجارية والعبد…إلخ من الصفات والسمات شكلت مساحة كبيرة من الثقافة العربية وصار لها موطئ قدم في الوعي الإجتماعي . ففي لبنان مثلاً ، يقال للإسنان الأسود إلي اليوم “العبد” ولم يتحرر حتى اللبنانيون المهاجرون إلي شمال أمريكا وجنوبها من هذه المفردة التي لا تنم سوى عن شكل مقيت من تاريخ الإنسان و صار من الطبيعي والمألوف أن تسمع من لبناني أو لبنانية في مدينة متنوعة مثل “مونتريال” وهي تقول “جاري العبد ” . ولاترتبط هذه العنصرية الإجتماعية بالوعي الشعبي فقط – والكلام لا يزال عن لبنان- بل بالذهنية السياسية اللبنانية و نخبتها التي تختبر قدراتها من خلال كلمات وتعابير عنصرية أو تشبيهات من شأنها إحداث فجوات كبيرة بين الثقافات والقوميات . فالجنرال المسيحي المتحالف مع حزب الله “ميشال عون” لم يتردد إستخدام كلمة (الإستكراد) في سجالاته اللفظية العنيفة مع قوى 14 أذار ، والمعلوم ان هذه الكلمة التي يستخدمها المصريون واللبنانيون تشير الإستغباء وأُستخدمت ضد القومية الكردية .

ولم تتجنب الأوساط الثقافية العربية العنصرية الإجتماعية في ممارساتها اليومية والثقافية ويمكن إدراج مواقف غريبة صدرت عن الكتاب والمثقفين العرب تجاه الكُرد نذكر بعض منها في سياق هذا المقال . ففي دائرة رقابة الكتب في وزارة الثقافة السورية في نهاية الثمانينات كتب شاعر سوري على مخطوطة شعرية للشاعر الكردي السوري “طه خليل” الجملة التالية :(نصوص شعرية مكتوبة بلغة مشفرة لأناس “وهم الأكراد تحديداً” لا نأنس بصحبتهم) . ولم ينس الشاعر أن يكتب في أسفل جملته السرطانية ” مع عدم الموافقة ” .

هناك موقف آخر صدر عن القاص السوري “زكريا تامر” عام 2000 في مقهى فندق الشام في دمشق حيث التقاه شاعر وصحفي كردي “فريد زامدار” صدفة . وقد وافق الحظ هذا الأخير بالإقامة في دمشق وكأي كاتب كردي يقيم في مدينة عربية حاول للوهلة الأولى التعرّف على المثقفين العرب ومواقفهم المتباينة تجاه الكرد والثقافة الكردية, ثم وافقه الحظ أيضا ان يلتقي بالقاص زكريا تامر في كافيتيريا فندق الشام مع الشاعر الراحل محمد الماغوط.
وحين يُعرَف فريد زامدار نفسه بزكريا تامر ويقول له أنا من كردستان يفيض هذا الثاني غضباً ويقول :

– شو كردستان يا أخي ,أنتم عراقيين ولكم كأي عربي عراقي حقوق المواطنة, الا انتم وكل ما فعلتم وتفعلونه منذ البداية ولحد الآن أعمال شغب وعمالة الاستعمار ,انتم عملاء . ثم يضيف قائلاً : لا تقارنوا أنفسكم مع الفلسطينيين ,أنتم لم يكن لديكم يوما ما أرض ولا وطن محتل كالفلسطينيين. ولعلمك _ الكلام موجه لفريد زامدار_أنا أعطي الحق للنظم العراقي بقصف مدينة (حلبجة) بالأسلحة الكيماوية, لأنكم حملتم السلاح ضده.

لا نوّد التعقيب على هذا الكلام ,سوى انه يقال من قبل ذهنية فاشية تبيح القتل والإبادة ضد مَن بوجه أنظمة الإستبداد في “العالم العربي” ، انها تالياً ذهنية تبيح أية عملية اخرى مشابهة لمأساة (حلبجة) وعمليات الإبادة الجماعية في كردستان ودارفور ، وتبارك أساليب الحكومات في القتل والإرهاب دفاعا عن هيبة “الأمة”. بهذا يطلب تامر من نموره القصصية السابقة الخضوع لشروط الصيد ويضع المستبد في محل الصيّاد كشخصية أخرى في عالمه القصصي الذي طالما أحببناه . أما بالنسبة لكرهه للكرد ، فهذا أمر طبيعي ونحن لا نطلب منه ان يكون مثل (هادي العلوي و بو علي ياسين وعباس بيضون وحازم صاغية والياس خوري وممدوح عدوان وحيدر حيدر وآخرين في ومواقفهم تجاه القضية الكردية. لكن الغريب في أمر هذا الكاتب هو كرهه حتى للأدب الكردي:

– أنتم ،حتى أدبكم محلي ، شو “كوران” انه لم شاعرا مبدعا وانه معروف محليا فقط وليس عالميا.

اننا تاليا ، أمام مجتمعات ونخب تجعل من التغييب ثقافة لها !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق