الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (25)

هي بداهة منطقية أنه ليس ثمة أكثرية دون أقلية، فالحدّان (أكثرية وأقلية) متقابلان بالتضايف لا يوجد أحدهما إلا بوجود الآخر، وإذا كان مسمّى التقابل هنا حسابياً يقوم على الكمّ والعدد، فإنّ التقابل المماثل (أغلبية وأقلية) يقوم على النتيجة الضرورية التي يكون التقابل الكمّي مقدّمة لها، ولأنّ “الكثرة تغلب الشجاعة” فهي ولا شكّ ستغلب ما دون ذلك. إذن، فالأكثرية، ويا للخيبة، أغلبية بقوّة العدد.

(أكثر أو أقل) وصف يمكن أن يبقى حيادياً بارداً غير ضارٍ إذا بقي رهين العدد الحسابي الصرف، والعلاقة بينهما هي علاقة “أكبر وأصغر”، وكما تعلمنا في دروس الحساب أيام طفولتنا فإنّ 9 > 5، لكن معلّم الرياضيات عندما شرح لنا معنى الرمز المستخدم كي لا نخطئ في رسمه، شبّهه لنا بالفم المفتوح للسمكة الكبيرة التي ستلتهم السمكة الصغيرة، حينها لم يعد المعنى حيادياً بارداً، بل: “الأكثر هو الغالب والأقلّ هو المغلوب”.

كي يتحوّل الوصف الذي هو عَرَض إلى حدّ ذي جوهر ثابت وباق، فإنّه يحتاج إلى هوية تحدّه، فالهوية هي ما به يكون الشيء، هي التي تحدّد جوهره وتضعه، لذلك فكلّ تحديد وضع، كما أنّ كلّ تحديد نفي، لأنّ وضع مجموعة مقوّمات وخصائص لشيء ما يعني بالمقابل نفي مجموعة أخرى من المقوّمات والخصائص عنه. فإذا أدركت جماعة ما أنّ أهمّ ما يقوّمها ويميّز خصوصيتها أنّها الأكثر عدداً فإنّها تحيل هذا العرض إلى جوهر أو هوية تمتاز بها وتنتسب إليها فتصبح أكثرية. والأكثرية إذ تضع نفسها على هذا الشكل فإنها تضع غيرها أيضاً، لأنّها بسلطة الكثرة وسطوتها تمتلك بروتوكول التسمية، فتسمّي نفسها “أغلبية” وتسمّي غيرها “أقلّية”. ثم لا يبقى الاسم في حدود التنكير فقط، فتغدو زيادة ألف ولام التعريف إمعاناً في المطابقة بين الاسم والمسمّى، وتصبح الإشارة واضحة الدلالة لا لبس فيها ولا غموض.

وعندما تصبح الغلبة هي الهدف المطلوب تحقيقه والمحافظة عليه، فإنّ الأكثرية يجب أن تبقى أكثرية لكي تبقى غالبة، أي أن تحمي نفسها من النقصان، وأن تحمي نفسها من الزيادة أيضاً، لأنّ الزيادة عندما تسير إلى أقصاها ستقضي على الأقلية، وإذا لم يعد هناك أقلية فليس ثمّة أكثرية، ذلك لأنّ سقوط أحد حدّي التضايف يعني بالضرورة سقوط الحدّ الآخر، وبالتالي لا غالب عندما يصبح الجميع غالباً، وليس مفارقة أبداً أن يكون الفعل (غَلَبَ) فعلاً متعدّياً، وأنّ الأغلبية متعدّية على الأقلية.

كي تصبح الأكثرية أغلبية غالبة فهذا يعني أن تغني هويتها بصفات الغالب وتصم الأقلية التي تقابلها بسمات المغلوب، فلا تبقي خيراً في أحد إلا وتنسبه إليها دون غيرها، ولا تترك شراً فيها إلا بعد أن تتبرأ منه وتلبسه أقلياتها.

مهما زادت الأغلبية فإنّها لا تقبل الجمع لأنها تبقى واحدة، فهي تزداد من داخلها وتحمي نفسها من التجزؤ والتعدد. أما جمع أقلية إلى أقليات فهو يزيد في تفتيتها وبالتالي إضعافها، وكلما زادت الأقليات عملت الأغلبية على تصنيفها وترتيبها في درجات يعلو بعضها بعضاً، ثم تمنح الدرجة الأعلى بين الأقليات من فتات الامتيازات وظلال الفضائل ما يقويها على ما دونها، كي تفصل بين هذه الدرجات ببرازخ لا يمكن اختراقها أو مجرد زحزحتها، فتغلب بالكثرة وتسود بالتفرقة وتقوى بإضعاف الجميع.

يقدم الأستاذ علي المقري في روايته “طعم أسود… رائحة سوداء” صوراً روائية متقنة تبزّ الدراسات الأكاديمية السوسيولوجية في وصف طريقة صناعة الأقليات من قبل الأغلبية، وذلك من خلال شخصية الراوي عبد الرحمن الذي يقع منذ صغره في حبّ ابنة أحد “المزينين”، ومع أنّ الرواية قد كتبت لتصوّر بيئة محلية خاصة كما يبدو من اللغة الحوارية المحكية، أو استخدام مفاهيم ومسمّيات وتصنيفات خاصة ببنية المجتمع اليمني وفئاته وعاداته، إلا أن القارئ سيعي، مع تقدّمه في قراءتها، جدّة المشكلة التي يعمل علي المقري على طرحها.

تبدأ الرواية من “ربّاش العبد”، واحد من “الأخدام” يَمْثل أمام إحدى محاكم اليمن الشمالي سنة 1981، بتهمة خيانة الوطن. لكنه بدل أن يدفع عن نفسه هذه التهمة يقوم بامتداح الخيانة كفعل يكرس صميم الوجود البشري، ويعلن بملء فيه (أنا أخون… إذن أنا موجود)، ثم يمضي متهماً الجميع بالخيانة: (كلنا نمارس خيانة الوطن بشكل من الأشكال، ما دام يسمى وطناً، كما هو يقوم بخيانتنا. الوطن هو الخيانة. كل وطن خيانة. فكرة الوطن خيانة. الحدود الوطنية خيانة. التربية الوطنية خيانة. العلم الوطني خيانة. المصلحة الوطنية خيانة. الأحزاب الوطنية خيانة. الوطنيون خونة. المجتمع خيانة. الطبقة خيانة. العائلة خيانة. الزواج خيانة. الدين خيانة. القوانين خيانة. التقاليد خيانة […] حتى أنت حضرة القاضي خائن. أنت خائن لأنك تخون الناس كل يوم. خائن وإن لم تعرف ذلك. أنت أيها القاضي أنت).

بالعودة إلى شخصية الراوي “عبد الرحمن” الذي هو من فئة الأحرار “القبيليين” الذين يحقّ لهم الحصول على كافّة الحقوق، الوطنية وحتى ما يزيد عليها، في مجتمع لم تتبلور فيه بعد أولى سمات مفهوم المواطنة. يهرب عبد الرحمن من قريته مع إحدى بنات “المزينين” كي لا يرجموها حتى الموت كما فعلوا مع أختها بسببه، ليعيشا في إحدى مجمعات “الأخدام” أو العبيد التي تتناثر أسوأ من مدن الصفيح حول مدينة تعز، لينقل تجربة التعايش مع هذه الفئة كآخر دون أن يكون، هو أو حبيبته، منتميين إلى هذه الفئة.

ليس المجتمع في اليمن ثلاث فئات فحسب، وأغلبنا ربما يعتقد أن اليمنيين جميعاً عرب أقحاح، غير أنّ علي المقري يكشف عن تراث قديم وضارب في التاريخ غير القريب، يعرض لمشكلة تصنيف البشر وتقليلهم ضمن فئات ودرجات متباينة في الارتقاء نحو السادة الذين هم فقط أسياد أنفسهم وغيرهم وأصحاب أرضهم وأبناء وطنهم. ففي ساعة بوح أحد الأخدام، واسمه سرور: (نحن الأخدام وإن أردنا امتلاك شيء نحاول امتلاك حقنا في العبودية. عندنا مستندات وعقود تعطينا الحق في خدمتنا [لتعز]، ونتشاجر بيننا عمن سيكون له السبق ويحظى بهذه المكرمة. نحن لسنا عبيداً. العبيد أفضل منا بكثير، فهم أعلى منا درجة […] فوق العبيد هناك اليهود، وفوق اليهود أبناء الخمس، الدواشنة من المداحين والمزينين الحلاقين والجزارين والحجامين والحمامين الخادمين في الحمامات والدباغين والمقهويين والمقوتين، وفوقهم القبائل، وفوق القبائل المشائخ، ثم السادة).

في هذه الطبقة الدنيا من البشر، يصوّر علي المقري مجتمعاً “بلا شرف”، ليس من جهة الأخلاق إنما من جهة غياب مفهوم الشرف الذي وضعه الأحرار وحدّدوا معناه ومقتضاه وجعلوه ملكاً حصرياً لهم. لذلك فالفعل الجنسي بين الأخدام أمر لا يحتاج إلى ستر، أما الزواج والطلاق فيكادان يختفيان تماما، وإن حضرا فليسا يختلفان عن الدخول في علاقة جنسية ثم الخروج منها، لا يحتاجان إلى رجل دين أو قاض أو عقد موثق بالمحكمة. وتعدد العلاقات الجنسية أمر شائع وليس معيباً، لذلك تبدو الغيرة حالة شاذّة، وتبدو نسبة الأطفال إلى أمهاتهم أمراً طبيعياً أمام تعدّد العلاقات وعبورها. وهذا ما يرهق عبد الرحمن ويثقل تفكيره حول رغبته بامتلاك حصريّ لجسد حبيبته التي هرب معها ولأجلها، وكيف له أن يعلن سخطه من محاولات أحد الأخدام التقرّب من هذا الجسد، يستنكر عبد الرحمن ضجيج التناقض الذي يلهب فكره: (كيف انزعجت من محاولات التقرب هذه، فيما استسلمت أنا إلى عيشة، ولبيت دعوة جسدها، وكأن ليس هناك امرأة أخرى ترافق حياتي).

هنا تبدو الأخلاق من صنع السادة، يصنفونها إلى قيم يدّعونها نبيلة وأخلاقية تخصهم، يحفظون من خلالها حريمهم وممتلكاتهم من الزوجات والأولاد والأموال والدور. وإلى قيم أخرى تخصّ العبيد تقوم على اللاشرف واللاأخلاق، وكأن امتلاك الجسد هو الخطوة الأولى نحو امتلاك الأرض كي يبنى عليها البيت الذي يتحول قلعة تحمي الجسد، ثم امتلاك الأبناء الذين سيخرجون منه، وسيرثون الأرض فيما بعد. وهذه كلها امتيازات لا يحق للعبيد الحلم بها. فالعبيد ليسوا أبناء هذه الأرض، ولن يصبحوا كذلك مهما أقاموا عليها. ثقافة السادة هذه منتقاة بعناية من كتب التاريخ التي كتبها أجدادهم لتبقى دستوراً يكرس هذه الحالة إلى الأبد يتابع سرور:” لماذا يسألوا عن أصولنا؟ هل يريدون ترقيتنا من أخدام إلى بشر مثلهم، أم يريدون ذبحنا لأننا سود؟ ألا يكفي أننا أخدام؟ لماذا لا يقرأون تاريخ أبي الطامي الملك جياش بن نجاح (المفيد في أخبار زبيد)، أو (الحوليات السوداء)، وكتاب (ما لم تقله الأخبار)، وكتاب الفنون؟ يقرأون ما يكتبون فقط ويبيدون تاريخ غيرهم.”

في مجتمع الطبقات، مجتمع الأغلبية والأقليات، لا وجود لثقافة واحدة سائدة، بل ثقافة مسيطرة تهيمن على الثقافات الأخرى، تحددها وتصنع مفاهيمها. ولا شيء يعلو على ثقافة السادة، لا التاريخ ولا الدين ولا الأخلاق، إلا بما يخدم غلبة الأسياد وقوتهم. عندما يتقدم سرور ليصلي إماما بالناس في المسجد، لا ليطبق تعاليم الإسلام، إنما فقط ليختبرها بعد أن تعلمها يوم كان مسجوناً، يهجم عليه الجميع يدفعونه خارج المسجد وهم يستنكرون ويستعيذون بالله أن يؤمّهم خادم، بينما هو يصيح: (أين المساواة.. أين قول النبي لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى. أين. أين؟). ليفاجأ برجل ذي لحية بيضاء يربت على كتفه ويقول له (معك حقّ.. معك حقّ)، ويصطحبه معه ليتعرّف عليه ويعمل عنده، ثم يكتشف أنه شاذّ قرّبه إليه ليلوط به. يبقى سرور عند الرجل المطوع، يعمل معه ويلوط به ولا يشعر بالكراهية نحوه.

الأمثال والأغاني المحلية تعكس سطوة ثقافة الاستبعاد والاستبداد والاستعباد، أمثال الأسياد “من صاحب الخادم أصبح نادم”، “الخادم أنجس من اليهودي”، “اغسل بعد الكلب واكسر بعد الخادم”، أو مقطع من أغنية: (لا يغرك حسن الأخدام… النجاسة بالعظام). وسرور الذي يعرض ثقافة فئة الأخدام من خلال شخصيته المثقفة والمدركة لصراع الهوية يعي أن الأمر ليس مجرد تغيير في الألفاظ والمسميات، طالما أن المعاني محتكرة لدى السادة يعنون بها ما يريدون، يقول:(لنتحرّر، لنصبح أحراراً، ولكن لماذا لا نبقى هكذا بأسمائنا: أخدام، لحوج، شمر، أشافولي، سناكم، أحجور، صبيان. أخدام.. أخدام.. الخادم عندنا يعني الحر، وعليهم هم تغيير معنى الخادم في لغتهم لا نحن […] لماذا لا نصبح أحراراً بأسمائنا وصفاتنا؟ أليس من حقنا أن نختار شكل حريتنا؟).

“محوى زين” هو اسم مكان على أطراف تعز، يقيم فيه الأخدام عششهم التي يسكنونها، تبدأ الجرّافات بالزحف إليها لتهدم العشش دون إنذار، بعدما أشيع أن الأرض التي لم يعرف لها مالك من قبل قد اشتراها تجار جدد ممن يملكونها. وأمام هذا الحدث يقف عبد الرحمن حائراً كيف لم يفكر أبداً بالعودة إلى أهله بعد مضي كل هذه السنوات، وأين عليه أن يذهب الآن وهو لا يرغب بهذه العودة بعد أن وجد نفسه منجذباً نحو الطعم الأسود والرائحة السوداء. وهل الانجذاب إلى رائحة رغبة نفاذة في مفاصل سوداء يمكن أن يتحول ويتراكم إلى أي شيء، كبراز وبول ومخاط، أشياء معكومة بمنيّ ودم حيض؟

في زاوية أخرى وعلى نفس المشهد، يعلن سرور أمام هذا الزحف عن هويته التي صنعها السادة له: (أنا [كيس بلاستك] في أرض، حفنة غبار، كومة قش. أنا هو أنا.. أنا لا شيء. أنا حذاء معلق. حذاء مقطع مرمي في زبالة. أنا زبالة. البقايا أخوتي. العلب الفارغة بيوتي. لا، أنا بيتها. أنا علبة فارغة. علبة مدعوسة في طريق).

تكشف رواية الأستاذ على المقري عن جدران ليست لا مرئية، بل جدران واضحة وضوح الشمس، لكنها سوداء قاتمة كالزفت، غير أنّ العيون مغلقة على الجانب المنيع من هذه الجدران، لو رفّت رفة واحدة، لأغرق بياضَها كلُ هذا الظلم والظلام.*

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق