الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (26)

ما يلفت النظر في المجتمعات العربية المعاصرة سمة التراصّ الزائف الذي تشهده الأقليات في مجتمع الأغلبية، وما قد لا يكون غريباً هو عقم هذا النمط في إنتاج جسرٍ حيويّ ينقله إلى الضفّة الأخرى بشكلٍ ذاتيّ، والمفارقة تكمن في الفصام الذي تعيشه هذه الأقليات في علاقاتها الداخلية والخارجية، رغم ما تظهره من تلاحم على المستوى الظاهر.

سأرتكز في تناول مفهوم الأقلية هنا على اعتبارها نمطاً من الوحدة بين عددٍ قليلٍ نسبيا ًمن “الأفراد”، تنظم هذه الوحدة جملة من الولاءات لقانون استمدّ مشروعيته من مصدر ذي صفةٍ تقديسيةٍ. وبناءً عليه يمتدّ هذا المفهوم ليطال شريحةً واسعةً من الحقول الإنسانية (سياسية، اجتماعية، اقتصادية، دينية، قومية…)، ولكلٍّ أهميته الخاصة في نسقه. سأحاول فيما يلي، وضمن ثلاثة أبعاد، تجريد العامّ المشترك بين هذه الشرائح وتفكيكه بنيوياً في محاولة رسم خطوط أوّلية لمفهوم يتناقض معه ويلملم شمله؛ ألا وهو مفهوم الاندماج.

{{البعد الأول- الأقلّيات ضمن محيطها الخاصّ:}}

تنتظم علاقات الأقلّيات ضمن محيطها الخاصّ بالارتكاز على معايير استمدّت مشروعيتها من مصدر ذي بعدٍ قدسيّ في لحظةٍ تاريخيةٍ ما، عُنيت هذه المعايير بنظم الحياة للجماعة الحاملة لها بغية الاستمرار في الوضع الأكثر ملاءمة لها. لكنّها مع التقادم التاريخيّ تنتقل من حيز المعيارية إلى حيز العرف أو العادة، فيصبح المعيار عادةً جوفاء مفرغة من الفاعلية الإنسانية، ومقصاة عن النقاش حولها أو الجدل فيها. ويتكاتف أفراد الأقلّية من خلال الخضوع لمرجعية تمتاز بالقداسة والهيبة اللتين تمنعان الاحتجاج ضدّها، أو حتّى مجرد مراجعتها فيما تراه، ويكون كلّ فرد ممتحناً بمقدار الخضوع والالتزام وبمقدار ما يكرس للمعيار المشترك كعرفٍ سائد، وتتجلّى هذه القاعدة من خلال علاقات التبعية المتبادلة بين الأفراد حسب تسلسلٍ هرميّ يحكمه الأقوى، فيخطّ الأقوياء ضمنه المسارات المحدّدة والمحصورة التي يجب أن تتلمّسها المجموعة. وعند حدوث الطوارئ والمنعطفات التاريخية تقوم هذه الشريحة نفسها بتغيير مساراتها غير الملائمة بغية المحافظة على مسافة الأمان بينها وبين المقدّس المشترك، وتعيد صياغة مسار الحياة الجماعية ضمن إطار المألوف بما يحقّق الإشراف على الجماعة، وصهر مجموع الإرادات لأفرادها في بوتقة صالحها المشترك المزعوم. وكلّما ازداد تهديد الجماعة بالإلغاء، ازداد ضغط الأقوياء بضرورة الالتزام التامّ بالمعيار، بحيث يتقاطع الامتثال مع الخضوع، ويتناسب الولاء طرداً مع التزام الصمت والتقهقر الذاتيّ. وينظّم أفراد الجماعة فيما بينهم علاقات الجريمة والعقاب، فالآخر هو الجحيم الذي يتربّص بخطوات جاره علَّها تُضِّل الطريق فيسرع إلى انتقادها وفضحها، لسببٍ يتعلّق بالخوف منها أوّلاً، أو لآخر يتعلّق برغبة نيل الحظوة. وضمن هذا السياق يمكن القول إنّ هوية الأقلية تتشكّل على أرضيةٍ عامّةٍ قلقة وبعدٍ ضيق لا ينتج إلا ضبابية في الرؤية، تقوم على صيغة الأمر والنهي، وإبعاد المختلف، وإخصاء التجديد النابع من رؤى فردية، مما يحيل هذه البنية إلى كيان متراصّ بما يظهره للخارج، ومهزوز بما يبطنه في الداخل.

تزدهر هذه “الذرذرة” الداخلية التي تحكم بنية الأقليات، عندما يكون المحيط قلقاً وإقصائياً، فكلما دبّ رعب الإلغاء في أواصر هذه البنية، انكمشت ميكانيزماتها الداخلية لتفصح عن تشكيل أصمّ غير قابل للاختراق، تسحق ضمنه إرادات الأعضاء على مذبح رغبة البقاء، خاصة عندما تكون هذه الجماعة اللون الذي يضفي على الأعضاء صفة تُحمَّل على صفة الإنسانية، أي لون يجد الفرد فيه صبغةً خاصة لتشكيل هوية تميّزه، في ظلّ غياب مسارب أكثر تقدماً.

{{البعد الثاني- الأقليات ضمن محيطها العامّ:}}

يمكننا القول إنّ أهمّ ما ينظم العلاقة بين الأقلية والأغلبية المتشاركة معها والمحتضنة لحيزها الوجوديّ الخاصّ، يتمثل في مفهوم التقّية، أي إنّ القانون السائد ضمن إطار حيويّ ما هو القانون المعمول به ظاهراً من قبل كافة الأطراف، فتتماهى الأقليات مع هذا السائد علنياً، وتعمل بشكل خفيّ على إدراج شرطها الخاصّ ما استطاعت إليه سبيلاً. ويرتهن نجاح هذا العمل بسرية التعاطي، ومحاولات الاختراق الملتوية، دون اللجوء إلى الطرق المباشرة نتيجة القناعة بعدم جدوى هذه الطرق لسبب يتعلق بجوهر وجودها، أي وبكل بساطة كونها أقلية، يعني ضعف أيّ تمثيل مباشر يعبر عنها.

إنّ الفصام المتأتّي عن تعيّن هذا المفهوم الواقعيّ يحيل الجميع إلى اللعب الخطر، فالأغلبية تحلّق في فضائها الواسع ضاربةً بعرض الحائط أيّ خصوصية لا تبرز كندٍّ، متغافلةً عن أيّ تنامٍ لا يفصح عن نفسه، واثقةً أنّ ورقة العدد التي تمتلكها تكفي لحسم أيّ طارئ، والأقلية تنكفئ إلى مواقع أكثر ابتعاداً، لتجد المسارب الخاصة لأيّ إمكانية من شأنها قلب المعادلة. غير أنّ هذه المعادلة لا تؤثّر على التقدّم الزمني للمجتمع الحامل لها، لكنّ الخطورة تكمن في العطب الذي يصيب المنظومة الأخلاقية المعبّرة عنه، فالثقة الناجمة عن الترجيح الدائم لقرارات الأغلبية يمنع أيّ جدل حول مطالب الأطراف الأخرى، فيغيب الآخر الذي يفترض أن يكون عنصراً فاعلاً في إنتاج تشكيلات جديدة من شأنها أن تغني المجتمع وتدفع به نحو التنوّع، وتطفو على السطح سياسة القطب الواحد فارضة قوانينها دون أن تكون هذه القوانين محصلة اجتماع مجموعة قوى واتفاقها فيما بينها، بل تعبيراً عن قوّة واحدة فرضت نفسها لاعتبار كمّيّ لا كيفيّ. إنّ غياب النوعية الحاملة للفاعلية الإنسانية يغيّب أيّ رباط حقيقيّ بأيّ قانون، فتصبح القوانين الناظمة فعلياً، شعاراتٍ ساقطةً واقعياً تعبر عن حالة ما شكلانية ظاهرية دون أن تلامس أيّ عمق فرديّ، فيفرغ المعيار من أيّ قيمةٍ ذات دلالةٍ حقيقية، وتوضع الأخلاق العملية بين قوسين.

يأخذ هذا الأمر بعداُ أكثر تواطؤاً عند الأقليات، فالحالة الظاهرية للـ “الما يجب أن يكون” تصبح مرفوضة شكلاً ومضموناً، وتتعاطى معه كواقع تسايره كي تقلبه، الأمر الذي يؤسّس لحالة تعاقد ضمنيّ على النفاق الاجتماعيّ المقصود. ولا يقف الموضوع عند حدود هذه الحالة بل إنّه – وعلى اعتبار أنّ الشخصية الإنسانية تعبّر عن نفسها ككلّ موحد- يتغلغل إلى الأعماق ليصبح مع التقادم نمطاً اجتماعياً معاشاً يرخي بظلاله حتى على أدقّ العلاقات الإنسانية خصوصيةً. يحقّ لنا التساؤل ضمن هذا النسق عن معنى الأخلاق عندما يرتبط مقياس النجاح بالقدرة على التمويه من جهة، والهدم من جهة أخرى!

{{البعد الثالث- الأقليات في المحيط الكونيّ:}}

لم يعد مقبولاً من الناحية المنطقية تسوير الأقلية بحدود حاضنها الاجتماعي الخاصّ في زمن فتحت فيه كلّ الحدود، لتصبح جزءاً من نَفََس الكونيّ الذي بدأ رحلته بغزو الإنسانية جمعاء، محاولاً صبغها بصبغة واحدة قد يكون من السذاجة الفكرية تحديد معالمها التي ما تزال في طور التشكل، لكن ما يمكننا تلمسه فيما يخص موضوعنا هو الازدواجية السافرة التي يتعاطاها الكونيّ مع الأقليات. فبينما تطرح سياسة الدمج والتماثل في مكان ما، تطرح سياسة الخصوصية والهوية الخاصة في مكان آخر، وما يمكن تسميته تقوقعاً وتعصّباً في مكان ما، يكون تعبيراً عن الذات والحقّ في الوجود في مكان آخر. إنّ مكر التاريخ في تكريس نمط إنسانيّ ما يعبّر عن تشكيلة اجتماعية هي خلاصة ما أنتج، هو ما يبرّر هذه الازدواجية منطقياً، لكنّ النتائج الناجمة عن مثل هذا الفعل لا يمكن تبريرها إنسانياً، فالسير بهذه الخطى يضع الأقليات إمّا أمام رعب الإلغاء والاندثار، فيزداد الخوف خوفاً، وتتضاعف الآثار السلبية الناجمة عن هذا الشعور، وقد أشرنا إليها سابقاً، أو أن يضع الأقليات على درب الانتهازية ومحاولة الكسب غير المشروع، عبر ركوب موجة الكونيّ لفرض شرطها الخاصّ على مجتمعها دون الأخذ بعين الاعتبار لشرط التطوّر الذاتيّ، مما قد يحيل إلى بنىً هزيلة أشبه ما تكون بالفقاعات الملونة.

إنّ التعامل مع الأقليات كمواضيع تكمل الصورة المطلوبة لما يمكن تسميته بالنمط الكونيّ دون أخذ البعد الذاتي بعين الاعتبار، سيسهم من جهة ثالثة في زيادة مساحة التشظّي الذي يعاني منه مفهوم الهوية عند الأقليات. فتزداد إمكانية التلاعب بالأقليات كلما كان المجتمع الذي يحتويها إقصائياً، وكلما كان الشعور بالعضوية في هذا المجتمع واهياً، وكلما كانت سياسة الدمج لا الاندماج حاضرة.

في محاولة لتشخيص هذا العامّ المجرّد على مجتمعاتنا العربية، تزداد الصورة اسوداداً وتفصح الضبابية عن واقع يضجّ بإمكانية الأسوأ. فبينما وجدت الدولة لتعبّر عن نفسها كتحصيل للصالح العامّ، نجدها تعبّر لدينا عن نوازع أصحاب القرار ورغباتهم، وتأخذ هيكليتها شكل قوانين أحيلت اجتماعياً إلى شعارات واهية خالية من أيّ مضمون، ففرغت من الانتماء والولاء، وتعاقد “المواطنون” على أنهم مواطنون دون أن يكون للوطن والشعور الوطنيّ موطئ قدم، ويزداد الأمر سوءاً عند الأقليات القومية التي تعاني من الإقصاء السياسي من جهة والإقصاء القوميّ من جهة أخرى. وتقف الشريحة المعبّرة عن الأغلبية الدينية لتخطّ، في ظل غياب العلمانية، مسارات الحقّ والباطل مستبعدة أيّ صوت –حتى لو كان دينياً من نسق مختلف- مكرّسة سياسة الدمج القسري، رافعةً شعار الانفتاح كمقولة لا يتلمّسها أحد، تاركةً الأقليات الدينية تتعبّد في محاربها الخاصّة، رافعةً عنها عبء التشريع والفتاوى!

ومن الجانب الآخر نرى أنّ الأقلية المثقفة تتخبّط في البحث عن حلّ، فتنكش التاريخ وتغربل فكر أوروبا المفضي إلى الحلّ الذهبي، وتطرح المصطلحات المطلوبة (الفرد، الوطن، الدولة، المجتمع المدني، العلمانية، المواطنة،…) وتقابل بين هذه المفردات، محاولة تبييئها محلياً. ومع أهمية كل هذا إلا أننا نلحظ غياب الإيمان بالفاعلية الإنسانية وكأنما ثمّة تواطؤ على الإقرار بعقم الإنسان العربيّ عن إنتاج ذاته، يخامره تواطؤ على أنّ المرحلة الراهنة تأسيس لغدٍ مشرق.

قد تكون عملية بناء الإنسان، حامل القيم بكل مستوياتها، هي الأولوية التي لا بدّ منها، ولئن طرح سؤال عن كيفية ذلك في ظل القمع والإقصاء، لكان الجواب أنّ هذه هي معركة المثقف الحقيقية في تعاطيه مع الواقع وإظهار ذكائه العمليّ الذي آن له الظهور.

إنّ اللوحة الفسيفسائية التي تشكّلها الأقليات في مجتمعاتنا العربية لا يمكن أن تنتقل من لونها الرماديّ إلى ألوان الطيف إلا بوجود مناخٍ يسمح لها بذلك، وإنّ مسؤولية تحقّق هذا المناخ تقع على عاتق الدولة والفئة المثقفة في المجتمع، كلّ من موقعه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق