الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (20)

قالت: سأحضر غداً ندوة دينية رائعة لرمضان البوطي في الجامع الأموي. على فكرة هو كرديّ مثلك!
قلت بعد عدّة عبارات تبادلتها معها:
– وهل يتكلّم السيد البوطي اللغة الكردية في بيته؟ أم أنّه استعرب شأنه شأن الكثير من الأكراد المقيمين في الشام؟
قالت وهي تفكّر: – في الحقيقة لا أدري. ولكن.. لا.. لا، هو بالتأكيد يتكلم العربية في بيته لأنه مسلم حقيقيّ ويخاف الله.

قلتُ لنفسي: نعم هي على حقّ، عندما تفكّر وتتحدّث بهذا الشكل. إذا كان رجل مثل البوطي يصرّح على الفضائيات: “إذا تعلّق موضوع نسبيّ بالدين الإسلامي فإنّني أضع نسبي تحت قدمي”.

حدث هذا الحوار بيني وبين صديقة تعرّفت عليها في أحد مستشفيات دمشق، بينما كنت أرافق أمّي المريضة، وهو واحد من مواقف كثيرة تعرّضت لها توضّح التمييز ضدّ الأكراد، ولعلّ الحوار السابق يبيّن كيف أنّ محدّثتي تظنّ الله أيضاً يمارس التمييز ضدّهم، وترى ذلك من بديهيات الأمور. ومن بديهيات الأمور حتى ضمن الجوّ الثقافيّ أن يشار إلينا كأقلّية، دون أن يفكّر أحد بالحساسيات والتساؤلات التي يثيرها مفهوم الأقلّية أو لفظ الأقلّية، وما يستدعيه هذا المفهوم من وجود وضع شاذّ يتمّ فيه الانتقاص من حقوق هذه “الأقلّية” ومصالحها وتطلّعاتها في الدولة والمجتمع. ومن المخجل أن تنضمّ الدولة أيضاً إلى الله والصديقة التي تحدّثت عنها في مسألة التمييز، بدلاً من أن تكون حامية لحقوق مواطنيها دون استثناء، ولكي لا أبقى في العموميات سأنطلق من تجربتي الشخصية:
كان هذا قبل عدّة أشهر عندما قررت بيع منزلي وشراء منزل جديد. عندها رفُض شرائي للمنزل الجديد من قبل وزارة الداخلية، حيث تمنّعت هذه المديرية عن إعطائي أيّة صورة عن قرار الرفض. وحتى تصبح الدراما أكثر تشويقاً، فإنّ المديرية تمنّعت عن إعطائي (أنا المنكوبة) أيّ وثيقة تفيد أنّ معاملتي (الجرمية) مرفوضة، واكتفت بإبلاغي قرار الرفض شفهياً، وأنّ من حقّي تقديم طلب جديد بعد سنة من تاريخ قرار الرفض الأوّل، مع العلم أنّ قرار الرفض نهائيّ لا يقبل المناقشة أو الاستئناف أو أية طريقة قانونية من طرق التظلّم.

أليس من أبسط الحقوق الإنسانية حقّ المواطن في شراء العقارات على قدم المساواة مع غيره من المواطنين، بغضّ النظر عن العرق والدين؟ في الواقع يخضع هذا الحقّ البسيط في بلدي للتمييز العنصريّ، حيث أنّ الكرد، وبالتحديد في محافظة الحسكة، يُمنعون منذ سنوات من امتلاك كافّة العقارات، والأراضي الزراعية على وجه الخصوص. ولكي لا يُظنّ أن الموضوع يخضع لاعتبارات إدارية دنيا، أشير إلى أنّ هذه الإجراءات تأتي تطبيقاً لمرسوم تشريعيّ صادر عن أعلى المستويات يُمنع بموجبه الأكراد من امتلاك البيوت والأراضي الزراعية، وكذلك استئجار المحلات التجارية وغيرها من كافّة الحقوق العقارية لمدى يزيد عن ثلاث سنوات، دون موافقة وزارة الداخلية التي ترفض رفضاً باتّاً منح هذه الموافقة. بذلك توقّفت حركة بيع العقارات وشرائها نهائياً، وأشدّد على كلمة “نهائيّاً”، في محافظة الحسكة، ما أدّى إلى شلّ حركة البناء بشكل جذريّ، وتخلّى أغلب مالكي المكاتب العقارية عن عملهم، الأمر الذي تسبّب في زيادة البطالة المتفاقمة أصلاً بين المحامين والمهندسين والمتعهدين وتجار مواد البناء، ما أجبر الكثير من الأكراد على الهجرة إلى المدن الأخرى، كدمشق وحلب، بحثاً عن أيّ عمل، ولو بأجر زهيد، يقيهم ويقي أطفالهم الجوع.

في المقابل يحصل العرب في هذه المحافظة على تراخيص الشراء بسهولة، بعد تحقيق روتينيّ من قبل الشرطة والأمن السياسيّ، “من حقّ القارئ أن يتساءل: ما علاقة الأمن السياسيّ بعملية بيع وشراء كالتي نتحدّث عنها؟!” أي أنّ عملية البيع مضمونة، وتحصل على الترخيص اللازم إن كان المشتري عربياً، بينما تتوقّف العملية إن كان المشتري كردياً، ودون إبداء الأسباب التي تمنع الموافقة على شرائه، وكي نكون منصفين في هذا الأمر فالحكومة تحتفظ للأكراد بحقّهم في بيع أملاكهم العقارية، ولكن بشرط ألا يكون المشتري كردياً آخر.
باختصار شديد فحوى الرسالة هو: (ارحل عن أرضك، وانصهر مع باقي القوميات الأخرى، وكفى!). ومن المؤسف ألا يلقى هذا الإجراء التمييزيّ استنكاراً من قبل المواطنين غير الأكراد، بل إنّ الكثيرين منهم يبرّرون ما يحدث بأنّ المرسوم عامّ يتعلّق بالمناطق الحدودية ولا يستهدف الأكراد، مع أنهم لا يجيبون على السؤال التالي: لماذا حدّد المرسوم عمق المنطقة الحدودية بالنسبة للمحافظات الأخرى كاللاذقية وحلب وغيرهما، بمسافة 25 كم فقط من الحدود التركية السورية في الوقت الذي اعتبرت فيه محافظة الحسكة بكاملها، وهي ذات تواجد كرديّ كثيف، منطقة حدودية؟
لكنّ فداحة الأمر تتّضح أكثر عندما أجد أحداً من أبناء وطني مندهشاً من وجودي ككردية، وأتحدّث بلغتي التي لا يعلم عنها وعن وجودي شيئاً، فعهود الإقصاء والتمييز منعت كلّ ما يتعلق بثقافتي من الانتشار والوصول إلى أبناء مجتمعي ووطني. وقد ينطبق هنا المثل القائل “إنّ الإنسان عدوّ ما يجهل”، فالبعض ينظر باستنكار عندما يسمع حديثاً بالكردية وكأنّ هذه اللغة معادية له، أو ربّما هي لغة دنيا بالقياس إلى لغته المقدّسة!. يُضاف إلى ذلك عدم الاعتراف الرسميّ باللغة الكردية، مع أنّها لغة ما يقرب من عشرين بالمائة من السكان، ولتوضيح جزء من هذه المعاناة أقتطف من رسالة صديق قديم يعيش الآن في إسبانيا يقول فيها:

((لقد قضيت طفولتي في قرى الحسكة، وكنت أهاجر مع أهلي كثيراً لأننا كنّا نربّي الأغنام. نذهب إلى المراعي ثمّ نعود في المساء. الطفولة جميلة… إنها أجمل فترات الحياة، ولكن ظروفنا القاسية منعتنا حتى من التمتع بهذه الطفولة غير الطبيعية. لقد كانت فترة قاسية بالنسبة لي. وعلى الرغم من كل هذا فهي أجمل من كامل أوربا التي اتجهت إليها بعد حصولي على شهادة البكالوريا كي أتابع دراستي في كلية الطبّ بعد أن فصلتني وزارة التربية عن المدرسة لأنني تحدثت سهواً في حصة مادة اللغة العربية بالكردية، والحجة”عدم امتلاكي الجنسية السورية”. والشرطي الذي جاء إلى بيتنا ليبلغنا قرار فصلي عن المدرسة لمدة خمس سنوات أراد أن يظهر طيبته ويسدي نصيحة إنسانية إلى والدي:
– ما هذه اللغة التي تتحدثون بها؟! إنكم لستم مضطرين إلى ذلك، تحدثوا بالعربية ليكون التواصل والفهم أكثر.
– ومن قال لك أننا لا نتواصل بها ولا نفهم بعضنا!
– غريب، وهل تتحدثون بها في البيت أيضاً طوال اليوم؟ وكيف يفهم أطفالكم منكم؟))

أما عدم امتلاك صديقي للجنسية الكردية فهي معاناة حوالي ثلاثمائة ألف كردي جُرّد آباؤهم وأجدادهم من الجنسية السوري قبل حوالي نصف قرن، ولا يزال المواليد الجدد يرثون العقوبة، وهذا النوع من التمييز القانوني يستحق بحثاً منفصلاً.

أقتبس من الأديب اللبناني أديب الريحاني قوله: “إن الثقافة لا ترتقي إلا بممارسة الإنسان حقوقه الطبيعية، وإن الأمم لا تتقدم إلا بتقدم أفرادها، وإن الحكومات الحرة لا تقوم إلا بشرائع عادلة تسنها المجالس النيابية لا بأوامر يصدرها الملوك والسلاطين والرؤساء”.

وأتساءل: أين أصبحنا بعد عقود من هذا الكلام؟ ولماذا تتقوّض مجتمعاتنا من داخلها؟ ولكي أخرج من الجغرافيا الضيقة التي بدأت بها، أذكّر بنوع من العنصرية البغيضة التي قد تكون مرت على أسماع الكثيرين منكم من خلال الأفلام والمسلسلات المصرية، عندما تستخدم إحدى الشخصيات تعبير “استكردني” بدلاً من “استغباني”، وأسأل: هل مرّ ببالكم الاحتجاج على وسم شعب كامل بالغباء؟ وهل دعا أحد إلى مقاضاة كتّاب هذه الأعمال الدرامية وحتى المشاركين فيها بجرم التمييز الذي يقترفونه على الملأ؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق