الأكراد العلويون في تركيا: قلق الهوية المضاعف

في أزقة “صنعة جادسي” أو “شارع الفن”، وسط مدينة ديار بكر، كبرى المدن الكردية في تركيا، قد تلتقي هناك صدفة أشخاصا كثيرين مثل الشاب رمزي، وتتبادل معه باللغة الكردية أطراف الحديث عن الثقافة والفن والاقتصاد. وحينما تدخلان في الشأن السياسي، وتقول له ضمن سياق الكلام: نحن الكرد.. يقف لثوان ويصدر سعلة صغيرة، ثم يقول: “عفوا أنا لست كرديا، أنا زازي “. والزازية هي اسم اللهجة الكردية التي يتحدث بها الأكراد العلويون في تركيا، وقد أضحت لرمزي ولكثيرين من أمثاله هوية يمكنهم التعبير بها عن أنفسهم.

قبل عقد أو اثنين من الزمن ما كان أمثال رمزي يحددون هويتهم بالبعد الديني. كانت الحالة القومية الكردية تمثلت بالصعود الشعبي الهائل لحزب العمال الكردستاني بين أواسط الثمانينيات وأواسط التسعينيات من القرن السابق. فقد انحصرت الهوية في تركيا في بعدها القومي (فأما أن تكون كرديا أو تركيا) بعدما كانت تركيا قبل ذلك ساحة للصراع الدامي بين اليسار واليمين فحسب؛ كانعكاس غير مباشر لأجواء الحرب الباردة. ولم يكن هناك أي مجال لصعود هوية شعبية أخرى طوال تلك الفترة. لكن ما أشعل الزازية، كهوية نصف قومية ونصف دينية، بعد الفرزين السابقين، يتمثل في عاملين سياسيين مهمين.

الأول: كان الصراع الدموي بين اليسار التركي ويمينه القومي منذ أواسط الستينات، مبطنا ببعد مذهبي ديني وبآخر قومي. فالعلويون في تركيا (كرد وترك، والذين يناهز عددهم ربع السكان بالمجمل) يرون أنفسهم أكثر المستفيدين من علمانية الدولة التركية، لأنهم يبقون أقلية ضمن المحيط السني الأكبر. لذا انجذبوا إلى التيارات اليسارية العلمانية. وعلى نفس المنوال رأى الأكراد أنفسهم منجذبين إلى اليسار بحكم وضعهم الأقلوي ذك، لكون اليسار البعد السياسي الوحيد الذي يخفف من وطأة الفرق بينهم وبين العنصر التركي. نتيجة لذلك كان اليسار يستبطن المذهبية العلوية والقومية الكردية، واليمين يظهر القومية التركية ويخبئ البعد السني. وقد حصلت في تلك الفترات الكثير من التداخلات الاجتماعية الطريفة، فالكثير من العائلات التركية العلوية اعتبرت نفسها كردية، وعكس ذلك فعلت عائلات كردية سنية، حين اعتبرت نفسها عائلات تركية.

انتهى ذلك الصراع الدامي بالانقلاب العسكري بداية الثمانينيات، والأقرب لليمين التركي بالطبع، والذي بدا راغبا في تغيير بعض ملامح الدولة التركية، والكف عن العلمنة الجافة. فبعد أضعاف منظم للنقابات (وخصوصا العمالية) زادت الدولة من بناء الجوامع في المناطق الريفية، طبعا مع منع تكوين دور العبادة الخاصة بالعلويين، لممارسة شعائر الـ (cam) الخاصة بهم. كما شكلت الدولة هيئة لرعاية الأوقاف الإسلامية كانت ميزانيتها تفوق ميزانية وزارة التربية، حيث أخذ كل شيوخ الجوامع يتقاضون رواتب نظامية من الدولة من خلال تلك الهيئة. كما أن اللون الليبرالي الأقرب للإسلامي قد بات اللون الأبرز في فضاء السياسية التركية، من خلال تيار رئيس الوزراء ثم رئيس الجمهورية توركوت أوزال، والذي مهد الطريق بدوره لصعود حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، هذا الحزب الذي جذب أعدادا كبيرة من الكرد لدغدغته مشاعر الأخوة الإسلامية بين الكرد والترك. كل ذلك خلق ردة فعل قوية ساعدت في خلق الهوية العلوية وبالذات منها في المناطق الكردية. ولم تكن صدامات حي غازي عثمان باشا وسط اسطنبول عام 1993 إلا ردة فعل على ذلك القمع المنظم الذي يمارس ضدهم؛ فالحي الذي تقطنه غالبية مهاجرة من مناطق تونجلي (ديرسم) الكردية العلوية احتج بعنف على حالة البؤس التي يعيشها. وبعد أيام من الحصار أنهت القوات الأمنية التركية حالته تلك بوحشية بالغة.

العامل الثاني: شكل حزب العمال الكردستاني ببعده اليساري الماركسي ملجأ مناسبا لفراغ هوية الأكراد العلويين، بُعيد ذلك الانقلاب العسكري المذكور. وقد ضم الحزب شخصيات علوية كردية تعتبر من رموزه، أمثال مظلوم دوغان وبيرتان. لكن كان للحزب حسابات سياسية خارج أيديولوجيته المعلنة. فالدعاية العامة للدولة التركية التي كانت تسم هذا الحزب بـ “مجموعة كفرة” أو الـ”الماركسيين الملاحدة” وجهت ضربات موجعة لشعبيته. خصوصا إذا علمنا أن الغالبية العظمى من أكراد تركيا هم من السنة الشافعيين. فأجبر الحزب على أبداء شيء من المرونة تجاه الدين والتعبير عن قربه من الإسلام السني. وقتها، فاضت مخيلة العلويين الأكراد عن الفرق بينهم وبين أقرانهم السنة. فحضرت الصراعات الدامية بين عشائرهم والفرق العسكرية الحميدية؛ التي كانت أغلبها من العشائر الكردية السنية، وولائها للباب العالي في اسطنبول. كما اسُتحضرت حملات القمع التي مارسها السلطان سليم ضدهم لكي لا يكونوا الطابور الخامس بيد إسماعيل شاه الصفوي، وطرح سؤال مركزي في عقله السياسي: ماذا فعل القوميون الترك لأقرانهم العلويين الترك حين انتصروا غير القمع؟!

عن كل ذلك لم تكن الدولة التركية بجهازها التربوي والإعلامي ببعيدة. كما لم يقصر جهازها العسكري في تغذية نقمة أهالي تلك المناطق على حزب العمال (تذكر منظمات حقوقية كردية أن الجيش التركي أزال خلال شهري سبتمبر ونوفمبر عام 1994 ثلث المناطق الريفية في محافظة تونجلي ـ ديرسم). لكن حزب العمال لم يستطع ردم تلك الهوة فيما بعد، حين أخذ يعبر عن تنوع القومية الكردية من خلال فضائية mtv الكردية.

على طريقة الشاعر محمود درويش الذي قال يوما: “في السجون الإسرائيلية اكتشفنا أننا عرب، وفي السجون العربية اكتشفنا أننا فلسطينيين”، يكتشف العلويون الكرد هويتهم الخاصة. فالزازية تحميهم من البوتقة القومية التركية من طرف، وتشكل مظلة تحافظ على تباينهم عن أقرانهم الكرد السنة من طرف آخر. فهذان العاملان السياسيان الرئيسيان اللذان خلقا الهوية الزازية أن لم نقل اخترعاها، في زمن العولمة التي تصيب الهويات بالالتهاب كما قال أمين معلوف في كتاب الهويات القاتلة. فرمزي وأقرانه ليست مشكلتهم في أنهم كرد وعلويون ومواطنو الدولة التركية، وغدا أوربيون في نفس الوقت، بقدر ما هي إحساسهم بكونهم لا يستطيعون أن يكونوا كل ذلك في وقت واحد. لا يستطيعون أن يعرفوا أن كل هوياتنا هي اختراع جدلية الصراع بيننا وبين الآخر. بيننا وبين وهمٍ أسمه الآخر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This