الأكل في المرحاض

قد تبدو فكرة تناول وجبة طعام في مكان كالمرحاض مثلاً أمراً مقززاً وغير مرغوب فيه لمعظم الناس، فالطبيعة البشرية لا تقبل بتناول الطعام إلا في مجال يحترم على الأقل الحدود الدنيا للنظافة، لذلك تجد معظم الأسر تهتم بنظافة غرف جلوسها وموائد طعامها، بل وتعتبر الطعام نعمة إلهية وجب الحفاظ عليها وصونها من كل فساد، و في بعض الأحيان طقسا دينا يتقرب به الفرد من معبوده عن طريق وهبه للآخرين… فقط اسمحوا لي أن أقول أن لكل ضرورة أحكامها التي تدفع بالفرد إلى القيام بأشياء تتنافى مع تربيته وقواعد السائد من الأعراف والعادات، خصوصا حينما يسلط عليه قمع هذه الأخيرة فيجد نفسه مجبرا للخضوع والاستسلام والعيش على الهامش، كون موازين القوى لا تخدم مصالحه، وأعراف المجتمع لا تقبل باحترام خصوصيته. في السنوات الأخيرة من مرحلة شبابي خلال كل سنة من شهر رمضان تعلن الدولة والمجتمع بداية شهر الصيام، وبحيث أنني لا ديني فهذه التعاليم لا تلزمني، لذلك أجد نفسي مجبرا على تناول طعامي سرا وأنا محاط بأربعة جدران لا تفصل بينها إلا مساحة مابين الركبتين والظهر (وضعية الجلوس)، إنها جدران المرحاض الذي لطالما ارتدته لقضاء حاجتي وطرح فضلات جسدي التي تزكم رائحتها الأنوف. لقد كنت أقضي كل يوم حوالي ساعة من الزمن في هذا المرحاض، من أجل تغذية جسدي بفتات بقايا طعام مائدة السحور، إنها وضعية جد صعبة لكنها أفضل بكثير من قضاء اليوم في صراع عنوانه معركة الأمعاء الفارغة. إنني لا أستطيع الأكل علنا ولا يمكنكم تصور ماذا يمكن أن يحصل لي إن أقدمت على ذلك؟ سأطرد من الأسرة لأنهم سيعتبرونني عاقا وكافرا، وسيتم نبذي وإقصائي من كل مناحي الحياة، سيرفض زملائي في المدرسة مخالطتي، حتى أساتذتي لن يكفوا عن شتمي وتوبيخي، السياسة أيضا ستقف ضدي… ولن تعترف بحقي في المواطنة، ستنزع مني بطاقة الهوية وشهادة الميلاد وتزج بي في سجن الأخلاق تحت جريمة المس بالمقدسات… سيصدر عالم مشرقي فتوى تبيح هدر دمي، وفي نهاية المطاف سأعدم رجما بدعوى الردة عن الدين…. إنه سيناريو تراجيدي لكن احتمالات وقوعه جد واردة وممكنة، في ظل هيمنة ثقافة مجتمعية غيبية تعتبر نفسها المصدر الوحيد للحقيقة التامة والمطلقة، وأيديولوجيا دينية تكرس للرأي الوحيد والطريق الوحيد والفكر الوحيد، مغلقة بذلك كل أبواب الاختلاف والتنوع، وممارسِة نوعا من الاستبداد والتسلط وإقصاء للآخر بما يعنيه هذا الآخر من فكر ورأي وموقف. مسألة الإفطار في رمضان إذا تم التعامل معها من جانب الحقوق والحريات المدنية فهي تعتبر حقا مشروعا تضمنه المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، فالمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة…" إن أزمة التسلط والقمع اللذين يفرضهما المجتمع ذو الأغلبية الدينية على أقلياته تعتبر عملا يتنافى ومبادئ الديمقراطية كون أن المفهوم الحديث للديموقراطية ينظر إليها بوصفها تلك العملية التي تضمن حقوق الأقليات ضمن حكم وسلطة الأغلبية… فهل فعلا يضمن مجتمعنا المغربي حقوق أقلياته؟ لست أنا وحدي الحالة الفريدة التي تحول المرحاض إلى متنفس للأكل وممارسة الحرية، وإنما هنالك فئات عريضة، عشرات.. مئات بل آلاف من أفراد مجتمعي، غير إننا نتقاسم نفس الهم ونتجرع مرارة نفس الواقع الموشوم بالتهميش والتغيب كوننا لا نتوفر على الضمانات القانونية المناسبة التي تخول لنا ممارسة حقوقنا المدنية بكل حرية دونما أي مضايقة أو زجر سواء كان معنويا أو ماديا، حيث أن الدساتير المحلية تجرم عملية الإفطار، وتسمح بها سرا، مثلما أقوم به أنا كل شهر رمضان في مرحاضي الذي باتت تربطني به علاقة صداقة وحب متينين لقد صار المرحاض جزءا مني فهو المخلص الذي يكتم أسراري عن غيري ممن لا يقبلون بها. في هكذا وضعية أعتقد أن الإصلاح القانوني جد مهم من أجل ضمان ودعم الحريات الفردية حيث من المفترض أن تعمل الدولة على تكييف قوانينها مع روح ما جاءت به المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لكن هذه المقاربة القانونية لن تكون كافية لوحدها دونما مصاحبتها بإستراتيجية تغيير وإصلاح علمي للسائد في المجتمع، بدءاً بالمدارس التي هي الأخرى تحتاج إلى إعادة نظر عميقة فالمقررات الدراسية باتت تشكل خطرا على مستقبل أجيالنا، خصوصا بعد أن تحولت المدرسة "المدنية" من فضاء لتلقين أسس التفكير المنهجي السليم وتسليح الطفل بمبادئ المنطق والفلسفة والفن وغيرها من العلوم… إلى مجال آخر يعمل على تدجين العقول الفتية والسيطرة عليها وتنمية جانب العنف فيها ومن ثم تسخيرها لخدمة مصالح سياسية وأيديولوجية باعتبارها قوة ضاغطة تبرر من خلالها الجهات المتحكمة في دواليب السياسة والاقتصاد حربها ضد اتجاه تيار فكري أو سياسي معين، بعد أن تتم أدلجة عقول صغارنا، عن طريق مواد دينية متحيزة لدين دون الآخر، ولإيديولوجية دون الأخرى، لذا أقترح مراجعة هذه المواد الدينية التي تخاطب الطفل بلغة الدين الوحيد والحقيقة الواحدة المطلقة، مع المطالبة بتدريس مادة أكثر شمولية مثل الانطربولوجيا أو ما يعرف بعلم الأديان تحتضن كل الأفكار مهما اختلفت وتباعدت دون تحيز لفكر أو دين ما، لان مسألة فرض دين معين على طفل صغير لم يتجاوز 18 سنة أمر مخالف لحرية الاختيار، واغتصاب لحق الطفولة في اكتساب عقل مضيء. غير أنني أجد أنه من الواجب أن أقر بأن تعاليم جميع الديانات السماوية وخصوصا الإسلام لا تجبر أحدا على الإيمان بها، فقط التأويلات الخاطئة والفهم غير السليم للدين والتدين هو الذي يسبب مثل هذه الأزمات. كيف سنتحرك من أجل ضمان حقوقنا المدنية؟ يمكن لنا نحن الأقليات اللادينية في المجتمع المغربي، أن نسمع صوتنا ونجعل الآخر يحس بوجودنا في أفق أن نحصل على حقوقنا الكاملة في الاحترام و الظهور العلني، بيد أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية وعلمية تساهم في زعزعة مجموع القيم السائدة، ولن يتسنى ذلك إلا بالاشتغال مع الأطفال والأجيال الناشئة، حتى نتربى على أن كل البشر آدميون لهم مواقفهم وآرائهم الخاصة ومن حقهم التعبير عنها، مادام الكل يحترم قواعد القانون العامة ويساهم في تنمية الوعي الجماعي. إن بوادر هذه الثورة الفكرية بدأنا نعرف بودارها الأولى ولعل واقع جامعاتنا خير برهان على ذلك، إن شباب الجامعات اليوم بات أكثر جرأة وقدرة على نقد تابوهات المجتمع وتناقضاته من ذي قبل، أمام ما يقدمه عصر السرعة من خدمات، ومشاركة للمعلومات، إنني آمل أن نشكل قوة ضاغطة باستطاعتها امتلاك الجرأة من أجل التنظيم وإماطة اللثام عن ذاتيتها وذلكم هو الرهان، نعلم أن الأمر سيكون مكلفا ونتائجه جد جسيمة، لكن لابد من التضحية كشرط محوري في عملية التطور ومراكمة المكتسبات. إنني شاب في مرحلة الثانوية عندي مشروع مخطط حياة للمستقبل معنون بأمل قوي بغد أفضل، وحلم بهامش حرية أوسع وأرحب… عندي أيضا مشروع زوجة و أطفال… وأحلام أخرى جميلة من أجل المستقبل… لكن سأقولها وبكل صراحة؛ إنني سأكون مجبرا بتطليق كل هذه الأحلام وسأعتبرها طلقة لا رجعة فيها، إذا ما استمر واقع الحريات في وطني على ما هو عليه، فأنا أرفض أن يتناول ابني وهو في مقتبل العمر طعامه في المرحاض خوفا من ديكتاتورية وقمع المجتمع، أو أن يعبر عن رأيه في الاختيار فيجد نفسه وراء قضبان فولاذية تسجنه. إن واقعنا اليوم يجعلني أحس و أتنبئ بغد غير مريح للأجيال المقبلة، أنا لست متشائما لكنني أرفض أن أكون مفرطا في التفاؤل، سأعمل جاهدا على دعم وتعزيز هامش الحريات في وطني وفي العالم، سأثبت أن الأفكار لا يمكن حصارها أو مصادرتها من أي كان، سأدون همومي وأنقل للآخر ما أحس به، كل هذا سيكون واجبا تفرضه علي قيمي ودوافع الذات، من أجل الغد وأطفاله، ومن أجل أن يتنفس أبنائي هواء الحرية و تفتح أمامهم أبواب الإبداع والتألق… ببساطة من أجل الحرية وحق الاختلاف. وأختم كلامي بهذا التساؤل: …ماذا سيحصل لك إن لم أعتنق دينك ولم أقبل بممارسة شعائره؟ لماذا الله يقول لا إكراه في الدين وهم يريدون أن يعلموا الله كيف يكون الدين؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This