الأمم المتحدة والاتجار بالبشر / توفيق بوعشبة

لا ينبغي النظر إلى منظمة الأمم المتحدة فقط من خلال ما تتناوله سواء عن طريق مجلس الأمن أو عن طريق الجمعيّة العامّة من مسائل ومشكلات وقضايا سياسية كبرى أبرزها ما يتعلق بالسلم والأمن الدوليين وما يتعلق بنزاعات كبرى وبأوضاع تخص مناطق معينة من العالم تفجرت فيها حروب دولية أو حروب داخلية.

بل أنّ النظر إلى منظمة الأمم المتحدة يجب أن يكون أشمل من ذلك. وقد لا يعرف الكثيرون أن الأمم المتحدة تهتم اهتماما بالغا بأصناف من الجرائم التي يرتكبها الأفراد أو المنظمات الإجرامية وهي جرائم من متعلقات النظام الجزائي القائم في كل دولة أصلا.

نعرف أن الأمم المتحدة تتناول على أوّسع نطاق ممكن ما يسمى بالجريمة الإرهابية ونعرف أن الأمم المتحدة مهتمة وعلى الصعيد العالمي بمعضلة الإتجار غير المشروع بالمخدّرات ولكن لابدّ من الالتفات أيضا إلى أن الأمم المتحدة عكفت منذ ما يزيد عن العقد من الزمن على ما يسمى بالجرائم المنظمة عبر الوطنية باعتبارها جرائم ترتكب من منظمات إجرامية تنشط أو تنقل محصول ممارسات غير مشروعة عبر أقطار مختلفة غير عابئة بالحدود الإقليمية للدّول. فكان للأمم المتحدة أن وضعت واعتمدت في عام 2000 معاهدة هي اليوم من أبرز مصادر القانون الجنائي الدولي وتسمى بمعاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والتي يُطلق عليها اختزالا معاهدة «باليرمو» نسبة إلى المدينة الإيطالية الكائنة بجزيرة صقلية (سيسيليا) حيث اختيرت تلك المدينة لتكون المكان المخصص لتوقيع الدول على المعاهدة الفريدة من نوعها في الحياة الدولية.

وإذا كانت هذه المعاهدة قد وُضعت لتعزيز التعاون الدولي في مجال الوقاية من الجريمة المنظمة والمعاقبة عليها كما بالنسبة إلى غسل الأموال وإلى الفساد فإنها تركت الباب مفتوحا أمام الدول لتتولى اعتماد معاهدات أخرى تخصصية بشأن أصناف مميّزة من الممارسات التي يُنظر إليها على أنّها من قبيل الجرائم المتنظمة عبر الوطنية.

وفعلا تم الاتجاه بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية والتي سرعان ما دخلت حيز النفاذ، اعتماد ثلاث معاهدات جاءت تحت مسمّى «بروتوكول» لكلّ منها هي:

ـ بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البحر والبرّ والجوّ.

ـ بروتوكول مكافحة صنع الأسلحة النارية وأجزائها ومكوّناتها والذخيرة والاتجار بها بصورة غير مشروعة.

ـ بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص (البشر) وخاصة النساء والأطفال.

ومن هنا كان عنوان هذه الورقة «الأمم المتحدة والاتجار بالبشر» وهو ما يعني أن الأمم المتحدة هي مصدر تلك المعاهدة التي يطلق عليها «بروتوكول الاتجار بالبشر وخاصة النساء والأطفال» والإطار الذي اعتمدت فيه. فالأمم المتحدة أرادت بهذا البروتوكول كمعاهدة مخصصة لمكافحة الاتجار بالبشر أن تتصدّى إلى إحدى أبشع الجرائم التي برزت في هذه العشريات الأخيرة خصوصا في أوروبا لاسيما بعد الحروب التي شهدتها منطقة البلقان وما خلّفته من مآس إنسانية وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وما تلاه من تغيير اقتصادي ومجتمعي في روسيا.

كما أنّ ظاهرة الإتجار بالبشر برزت خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي كظاهرة مستفحلة في آسيا وخاصة في جنوب شرق آسيا وكذلك في إفريقيا ما تحت الصحراء وفي أجزاء من أمريكا اللاّتينية. لذا اتجهت الأمم المتحدة إلى وضع معاهدة مكمّلة للمعاهدة الشاملة المتعلقة بالجريمة المنظمة عبر الوطنية خصّصتها لظاهرة الإتجار بالبشر باعتبارها من أخطر وأبشع الجرائم التي تمارس في وقتنا الحاضر عن طريق منظمات إجرامية تستغل لصالحها ما أتاحته العولمة من تمطيط للحدود وما أتاحته الثورة التكنولوجية في مجال المعلومات ووسيلة الأنترنات من تسهيلات في الاتصال وفي ربط الاتصالات بين الأطراف المختلفة العاملة في مجال الإتجار بالبشر وخاصة النساء والأطفال. ذلك أن الإتجار بالبشر الذي يستهدف بصورة خاصة هاتين الفئتين أي النساء (فتيات ونسوة) والأطفال إنما يتمثل في استقطاب هؤلاء إما بصورة عنيفة أو بصورة غير عنيفة غالبا ما تستخدم فيها الحيل كالوعد بتوفير الشغل بالبلدان الأوروبية المتقدّمة.

وفي أغلب الحالات يتم استخدام التهديد وكذلك الاختطاف كما يتم استغلال حالة استضعاف الفتيات أو النسوة المستهدفات أو الأطفال المستهدفين. وكل تلك العملية تتم بهدف الاستغلال من حيث التوظيف في الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو إخضاع الضحايا لممارسات شبيهة بالرق. ويذهب الأمر في حالات إلى حد نزع أعضاء من جسد النساء أو الأطفال ممن يقعن أو يقعوا في شباك المنظمات الإجرامية الناشطة في حقل الإتجار بالبشر بغية الاتجار بها أيضا بصورة غير مشروعة.

ولمّا كانت ظاهرة الإتجار بالبشر ظاهرة عالمية ترى الأمم المتحدة أنّه يجب على كافة الدول، حتى تلك التي لم تحصل فيها عمليات اتجار بالبشر أن تحتاط لها وان تركز استراتيجية للوقاية منها وأن تُدخل في تشريعها الجزائي ما يلزم من الاحكام إزاء هذا الصنف الخطر والبشع من الجرائم، كلّ ذلك مع تزويد التشريع الجزائي والتشريعات الاجتماعية ذات العلاقة بما يلزم من الأحكام التي ينبغي أن تُخصّص للضحايا لضمان حمايتهم مع تمكينهم من المساعدات اللاّزمة سواء منها الطبية أو النفسانية أو المادية.

فكلما أمكن التوصل إلى الضحايا أو إنقاذهم من العصابات والمنظمات التي تسلطت عليهم للإتجار بهم وجب حسب معاهدة الإتجار بالأشخاص التي وضعتها الأمم المتحدة وصارت نافذة منذ بضع سنوات، الإحاطة الشاملة بالضحايا وإن كانوا من الأجانب بما في ذلك توفير فرص العمل والتعليم والتكوين إلى أن يتمكنوا من الرجوع إلى أوطانهم أو سفرهم آمنين معافين ممّا حصل لهم وبما في ذلك إمكانية الحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت بهم.

أليس جميلا ما صمّمته الأمم المتحدة في مجال التصدي للاتجار بالبشر؟

عن جريدة الصباح 22/1/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق