الأميون في القرآن: أهم الأحناف؟

وُصف الرسول في القرآن بأنه أمي: (الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل)(1). كما وصف من بعث إليهم، ومن بين صفوفهم، بالأميين: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)(2). وما زال هذا الوصف يثير الجدال منذ عصر التدوين حتى الآن. فما معنى الأمي هنا؟ ومن هم الأميون حقا؟


وقد جرت في السنوات العشرين الأخيرة محاولات متعددة لفك لغز الأميين هؤلاء. لكن هذه المحاولات لم تضف جديدا بخصوص هذه القضية الشائكة. عليه، فما زال ملف الأميين، في رأينا، مفتوحا، ينتظر من يحله. وحله ليس مسألة قليلة الأهمية. إذ هو ضروري من أجل فهم نشأة الإسلام وبداياته. أي ضروري من أجل فهم الإسلام ذاته. إذ كيف يمكن فهم البيئة التي نشأ فيها هذا الدين، إذا كنا ما زلنا غير قادرين على تقديم تفسير مقنع لمسألة الأمي والأميين، التي ترد مرارا في سور متعددة في القرآن؟


لكن إذا كانت المحاولات الحديثة لم تضف جديدا فإنها، على الأقل، نجحت في استبعاد مقترحا ظل رائجا طوال العصور الماضية، ويرى أن الأمية في الوصف القرآني تعني عدم معرفة الكتابة. فلم يعد أحد يملك قدرا من الجدية يدافع اليوم عن هذا المقترح. ذلك أن جذر (أمم) في العربية لم يكن في الأصل يعطي معنى عدم معرفة الكتابة. وهذا يعني أن هذا المعنى كان وليد المحاولة غير الناجحة لتفسير تعبير الأميين في القرآن. أي أنه معنى حديث جاء في عصر التدوين. فوق هذا، فقد كان جزء لا بأس به من العرب قبل الإسلام، في مكة والمدينة، يعرف الكتابة، وبالتالي لا يمكن أن يوصفوا بأنهم أميين بهذا المعني. ثم إن هناك دلائل قد تتيح القول أن الرسول ذاته كان يقرأ ويكتب أيضا. من أجل هذا كله، فنحن نرى أن هذا المقترح قد دحض، ولم يعد محلا للنقاش الجدي.
عليه، لن يكون أمامنا من مقترح جدي لنجادله سوى المقترح القديم الذي يقول أن الأميين هم العرب عامة، أو هم العرب المشركون في مكة والمدينة، بعد أن تم إحياؤه وتجديده عن طريق الادعاء بالعثور على أصل مصطلح الأميين. وبناء على هذا الادعاء فإن مصطلح (أميّ) ليس عربي الأصل. يقول الفقيد الجابري: (الواقع أن لفظ "أمي" معرب، لا أصل له في العربية). ويضيف: (عندما نبهت في فقرة سابقة… وقلت إن هذه الكلمة معربة وان أصلها يرجع إلى لفظ "الأمم" الذي أطلقه اليهود على غيرهم ممن ليس لهم كتاب منزل، لم أكن انطق عن الهوى). ويزيد: (بهذا المعنى الاصطلاحي يجب فهم العبارات التي وردت فيها كلمة "أمي" و"أميين في الآيات السابقة. ف "الأميون" في سياق الخطاب في تلك الآيات هم "العرب"، وبالتحديد القبائل العربية في مكة)(3).

ويقول كاتب محدث آخر متفقا مع هذا الرأي:
(أطلق اليهود والنصارى على الناس الذين لا يدينون بدينهم، أي ليسوا يهوداً ولا نصارى، لفظ الأمي، وجاءت من كلمة غوييم العبرية "الأمم". وهو ما نعبر عنه اليوم بالدهماء أو الغوغاء أو العامة. لأن هؤلاء الناس كانوا جاهلين ولا يعلمون ما هي الأحكام في كتاب اليهود والنصارى، والنبوات التي جاءت لهم… وهذا واضح في الآية رقم 20 من آل عمران: "وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين"، فالذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، والباقي من الناس هم الأميون)(4). ويضيف كاتب ثالث عن الأميين:
(ولا نستبعد هنا تأثير الفكر اليهودي حتى لا نقول الديانة اليهودية في شحن هذه العبارة، التي هي لفظة عبرانية محورة من "الغوييم"، أي كل من لا يعرف قراءة الكتاب، والكتاب هنا هو التوراة ، ليتحول مدلول "الغوييم" إلى أمية معرفية كما تؤكد عليه أكثر من آية قرآنية)(5).


إذن، فالمصطلح القرآني: (الأميون) مصطلح عبري الأصل، وهو يعني: العرب، أو العرب المشركين عموما، أو مشركي مكة على وجه الخصوص، الذين هم الطرف المقابل لأهل الكتاب في الجزيرة العربية. أي أننا في هذا المصطلح أمام ثنائية: كتاب ولا كتاب. فمن لا يملكون كتابا هم الأميون العرب، ومن يملكونه هم اليهود والنصارى. هذا هو الرأي الذي أخذ يسود الآن، طاردا الآراء الأخرى من الساحة.


هذه الثنائية ليست جديدة. فقد تبناها من المحدثين، قبل أكثر من خمسين سنة، الدكتور جواد علي: (إن للأمية معنى آخر غير المعنى المتداول المعروف، وهو الجهل بالكتابة والقراءة. فقد ذكر "الفراء" وهو من علماء العربية المعروفين، أن الأميين هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. ويراد بالكتاب، التوراة والإنجيل. ولذلك نعت اليهود والنصارى في القرآن ب "أهل الكتاب"، وهذا المعنى يناسب كل المناسبة لفظة "الأميين" الواردة في القرآن الكريم، وتعني الوثنيين أي جماع قريش وبقية العرب، ممن لم يكن من يهود وليس له كتاب)(6).


أما القدماء فقد كان هذا الرأي شائعا جدا لديهم. ابن تيمية: (الأميين وهم الذين لا كتاب لهم من العرب)(7)، ابن هشام: (والأميين: الذين لا كتاب لهم)(8)، القرطبي: (قال ابن عباس : الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب)(9). وعن غير هؤلاء ينقل د. جواد علي: (إنما سميت امة محمد صلى الله عليه وسلم الأميين لأنه لم ينزل عليهم كتابا). أما الشهرستاني فيقول: (الفرقتان المتقابلتان قبل المبعث هم: أهل الكتاب والأميون… وكانت اليهود والنصارى بالمدينة؛ والأميون بمكة. وأهل الكتاب: كانوا ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل؛ والأميون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل)(10).


 عليه، فقد كانت الغالبية الساحقة من القدماء ترى أن الأميين هم العرب المشركون الذين لا كتاب منزلا لهم. لكن يمكن القول أن التعارض بين من له كتاب ومن ليس له كتاب صار أوضح عند المحدثين، بعد أن تم التخلص نهائيا من حكاية عدم معرفة الكتابة. عليه، فالجديد الذي جاء به المعاصرون إنما هو فقط القول بأن مصطلح (الأميين) هو مصطلح (غوييم) العبري.


والحال أن اقتراح أصل عبري لتعبير قرآني عربي أصيل جدا، يعكس في رأينا كسلا حقيقيا، من جهة، كما أنه تكرار للمزاج الاستشراقي الذي يرى في القرآن عموما نتاجا ثانويا للتوراة، من جهة ثانية. ومثل هذا المقترح يخلق مشكلات جديدة، بدل أن يحل مشكلة قديمة. فهو:
أولا: يفترض أن القرآن قد ترجم كلمة (غوييم) إلى (أمم)، أو أنه استعمل ترجمة كانت موجودة في وقت قريب من وقته. وهذا صعب القبول في الحقيقة. إذ نعرف أن المصطلحات الدينية التي أتت إلى القرآن من لغات أخرى لم تكن مترجمة في العادة، بل كانت معربة، أي أنها تؤخذ كما هي مع تعديل بسيط يقتضيه نطق اللغة العربية وإعرابها. عليه، يمكن للمرء أن يتحفظ على كلمة (معرب) في نص الدكتور الجابري. فهي كلمة ليست مناسبة. ذلك أنها قد تفتح المجال لمن يريد أن يقول أن كلمة أميين تحوير عربي، لغوييم. وهو ما رأينا أحد الكتاب أعلاه يفعله: (هي لفظة عبرانية محورة من "الغوييم")! وهذا في الحقيقة يكاد يكون مستحيلا، إذ لا رابط بين (غوييم) و(أميين)، أي ان الثانية لا يمكن أن تكون تحويرا عربيا للأولى؟ وإذا كانت (غوييم) العبرية أصل (الأميين) العربية، فيجب أن يكون معناها هو الذي ترجم. أي أنها الأصل المعنوي لا اللفظي لكلمة أميين.


ثانيا: وإذا كان الأمر كذلك، فأن النسبة إلى (أمم) يجب أن تكون (أممي) لا أميّ. فكيف حصل أن القرآن تحدث عن (النبي الأمي) لا (النبي الأممي)؟ وهذا في الواقع رأي قاله أحد ما قبلنا، ونحن نأخذه عنه.
ثالثا: أن تحويل التقاطب بين الأميين وأهل الكتاب، إلى تقاطب بين من لهم كتاب ومن ليس لهم كتاب عموما قد يوسع البيكار، ويدخل بالتالي المجوس مع العرب، فقد: (ذهب بعض العلماء إلى إن الأميين من لا كتاب لهم من الناس، مثل الوثنيين والمجوس)(11). وهذا ما قد يخلق مشكلة جديدة بدل أن يحل القديمة. إذ قد يتاح للبعض أن يقول، بناء على ذلك، أن النبي الأمي هو نبي العرب والمجوس. وهذا بالطبع غير وارد.

النبي الأميّ:

على كل حال، يجب علينا أن نناقش الآيات التي يُستند إليها للقول بهذا الرأي، واحدة واحدة. لكننا سنبدأ بتقديم ملاحظة تأسيسية حول الآية التي يصف فيها القرآن النبي بأنه أمي، فالمؤمنون: (يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل)(12). أي يتبعون النبي الذي يجد أهل الكتاب اسمه وصفته مكتوبة عندهم في كتبهم الدينية. والسؤال: كيف أمكن للقرآن اقتراح أن يكون نبي أتى من صفوف مشركي مكة، أي قدم من خارج تقاليد أهل الكتاب، مذكورا في التوراة والإنجيل؟! وكيف أمكن لسورة البقرة أن تضيف أن أهل الكتاب يعرفون هذا النبي الأمي كما يعرفون أبناءهم: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)؟(13). هذا كلام لا يمكن أن يقال عن نبي من الوثنيين، بل عن نبي يفترض أنه قادم من داخل التقاليد الكتابية ذاتها، أي تقاليد أهل الكتاب، أو تقاليد مشابهة لها وعلى نفس المستوى.
نعتقد أن هذه التساؤلات تهز منذ البدء أركان ثنائية: أهل الكتاب- الأميين، أي أهل الكتاب- ومن لا كتاب لهم من العرب.

ليس علينا في الأميين سبيل!

ثم نأتي إلى آيتين شهيرتين جدا تتحدثان عن الأميين. ونظن أن تفسير هاتين الآيتين عند بعض المفسرين بالذات هو الذي أوصل إلى تثبيت ثنائية أهل الكتاب- ومن لا كتاب لهم من مشركي العرب بخصوص الأميين: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين)(14).


فقد فهمت كلمة الأميين هنا على أنها تعني: العرب. فأهل الكتاب يمتنعون عن تأدية الأمانة للأميين العرب، أي المشركين العرب حسب الفهم السائد، لأن دينهم يأمرهم بذلك: (وذلك بأن اليهود قالوا: أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. وقال الكلبي: قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا… وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياها منهم)(15). وقد أخذ جوهر هذا التفسير كاتب محدث ممن يؤيدون ثنائية أهل الكتاب- العرب وتوصل إلى أن اليهود لا يؤدون الأمانات لكل من يخالفهم في الدين، لا لمشركي العرب فحسب:
(وهذا المعنى واضح أيضاً في الآية رقم 75 من آل عمران عندما ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى فمنهم، أي اليهود، "من إِن تأمنه بدينار لا يؤدّه إِليك"، ومنهم، أي النصارى، "من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك". فلماذا لا يؤدي اليهود الأمانات لغيرهم؟ لأنهم يعتبرون "الغوييم" الأمم خدماً لهم وأنهم الدهماء)(16).


إذن، وانطلاقا من التفسير السائد لكلمة أميين، فإن جملة (ليس علينا في الأميين سبيل) تعني: ليس علينا في مشركي مكة سبيل، أي أننا لن نرد لهم دينهم. وهذا تفسير غير ممكن إطلاقا من ثلاث نواح:
الأولى: أنه يناقض الخبر بكل رواياته. فالخبر يقوم على أن بعضا من المسلمين كان قد داين اليهود قبل أن يسلم، أي وقت أن كان مشركا. ولو كان: اليهود يقولون بالفعل: (أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا) لما كان هؤلاء ولا غيرهم من مشركي مكة قد أعطاهم فلسا واحدا كدين أصلا. فكيف يمكن لك أن تداين أحدا يعلن جهارا أنه لن يرد لك دينك، وأن لا ذمة لك عنده؟! عليه، فلم تكن هناك مشكلة في تعامل اليهود المالي مع مشركي مكة. المشكلة حصلت فقط حين غير هؤلاء المشركون دينهم، وتبعوا الرسول محمد.
الثانية: أن هذا التفسير يخالف المنطق. إذ كيف لليهود أن يعيشوا بين العرب الوثنيين إذا كانوا يعلنون بوضوح أنهم لن يحفظوا لهم أمانة ولا عهدا؟ وكيف لهم أن يتعاملوا مع الأوس والخزرج في المدينة، وهم يحملون وجهة النظر هذه؟ إن هذا لهو الجنون بعينه.


الثالثة: انه يخالف الحقائق التاريخية التي نعرفها. فقد عاش اليهود بين مشركي يثرب وتعاملوا معهم في كل القضايا الاقتصادية بشكل عادي.
فوق هذا كله، فهذه الثنائية: أهل كتاب- عرب، أو يهود- عرب ثنائية تناقض ما تقوله أغلب المصادر العربية، التي ترى أن قبائل اليهود هي قبائل عربية تهودت وهذا يعني أن أوس يثرب وخزرجها ويهودها كلهم عرب. وبإمكان المرء أن يفترض حتى أن هذه الثنائية تنتمي إلى ما بعد انتصار الإسلام التام، أي أنه لم يكن لديها وجودي جدي في الجاهلية أو في طفولة الإسلام. عليه، فهذا التفسير باطل تماما، ولا يمكن الالتفات إليه من وجهة نظرنا.

بذا، لا يتبقى أمامنا سوى أن نكمل المقتبس السابق من مختصر البغوي لكي نعرض لرأي مقاتل وآخرين معه. فهذا الرأي يبدو مثيرا ومنطقيا في آن:
(قال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم، فقالوا: ليس لكم علينا حق، ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم.)(17).

ويورد القرطبي الخبر ذاته، لكن من دون أن ينسبه إلى مقاتل أو غيره:
(ويقال: إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب أموالا، فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود: ليس لكم علينا شيء، لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دينكم. وادعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى: "بلى" ردا لقولهم "ليس علينا في الأميين سبيل". أي ليس كما تقولون). أما الزمخشري فيختصر قائلا: (وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم، فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم)(18).

في هذا الخبر تبدو الأمور واضحة جدا، ومنطقية تماما؛ فاليهود رأوا أن الطرف الذي بايعوه لم يعد هو هو، بعد أن غير دينه واتبع دينا جديدا. لقد كان مشركا ثم أسلم، فسقط الدَيْن: (فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم، فقالوا: ليس لكم علينا حق). بالتالي، فكلمة الأميين في الآية لا يمكنها أن تعني مطلقا مشركي مكة العرب. أي أنه لا يمكن قراءة الآية بهذا الشكل: (ليس علينا في مشركي العرب سبيل). ذلك أنه كان عليهم في مشركي العرب سبيل. فقد كانوا يستدينون منهم ويردون الدين، وكانوا يعاقدونهم ويلتزمون بالعقد. وقد أعلنوا لمن داينهم أنهم لن يردوا له دينه بعد أن أسلم، ولأنه أسلم. أي باعتباره مسلما لا مشركا مكيا. بالتالي يجب قراءة الآية على أنها تعني: (ليس علينا في المسلمين سبيل). هكذا تماما!


وقد أعلن اليهود ذلك انطلاقا من مبدأ ديني يختصره نص القرطبي بدقة وجمال: (لأنكم تركتم دِينَكم فسقط عنّا دَينُكم). فهم يرون أن هذا ما يبيحه لهم دينهم، أي ما يبيحه لهم الله، وهو الأمر الذي رد عليه القرآن بقوله: (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). لقد نقض اليهود عقدهم مع مشركي مكة لا لأنهم مشركين، بل لأنهم هجروا شركهم وتحولوا إلى أميين، أي إلى مسلمين في واقع الأمر!


وفي هذه الحالة، ومع هذا الخبر، يصبح كلام يهود يثرب منطقيا جدا، حتى وإن كان غير مقبول للمسلمين. والحق أن موقف اليهود بشأن دَيْن من أسلم وهاجر يظهر التوتر الخفي، لكن العالي، بين المسلمين ويهود يثرب. وهو توتر ناتج عن تضارب المصالح السياسية، وعن الاختلافات الدينية معا. وقد بان هذا التوتر مبكرا، وقبل هجرة الرسول. ففي بيعة العقبة الثانية وقف رجل من أنصار يثرب ليقول للرسول: (إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدم والهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم")(19). عليه، فقد كان واضحا منذ البدء أن حلف الأنصار مع الرسول فيه فصم ما للعلاقة مع اليهود. لذا فلا غرابة أن يستنكف اليهود عن إعادة ما استدانوه من المهاجرين تحت حجج دينية.


بناء على كل هذا، نكون قد وصلنا إلى استنتاجين مثيرين من هذا الخبر:
الأول: أن مصطلح الأميين في الآية معادل لمصطلح أصحاب الرسول أو أتباع الرسول، أي أنه في الواقع معادل لمصطلح المسلمين. فالذين عاقدهم اليهود من مشركي مكة اتبعوا الرسول وصاروا أميين، أي صاروا مسلمين! وهذا يعني أن يهود يثرب كانوا، في تلك اللحظة، يضعون علامة مساواة بين المصطلحين: مسلمون= أميون!
الثاني: أن القرآن تقبل وصف اليهود للمسلمين بأنهم أميين وأدرجه في متنه. وهذا يعني أنه لا يعترض من حيث المبدأ على وضع إشارة مساواة بين تعبيري الأميين والمسلمين: الأميون= المسلمون!
نتيجة مدهشة، تقلب الأمور رأسا على عقب. فمصطلح الأميين الذي كان يفترض أن يعني مشركي العرب أصبح يعني فجأة: المسلمين! ولأنه يعني ذلك، فقد وصف القرآن نبي الإسلام بالأمي: (الذين يتبعون النبي الأمي).

ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني:

أما لماذا سمى اليهود المسلمين باسم الأميين، فهذا ما سوف تخبرنا به، في ما يبدو، الآية القرآنية: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني)(20). فقد أخذت كلمة الأميين في هذه الآية على أنها تعني أيضا العرب من مشركي مكة. وكي نفهم هذه الآية لا بد لنا في البدء من وضعها في سياقها. فقد بدأت السورة بالحديث عن اليهود والبقرة التي طلب الله منهم أن يذبحوها، ثم أضافت متحدثة عن هؤلاء اليهود: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون* وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون* أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون* ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون* فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)(21).

إذن، يقول القرآن للمسلمين هنا: لا تطمعوا في أن يتبع اليهود دينكم. فهؤلاء يسمعون كلام الله ثم يحرفونه، وهم يقولون إذا لقوا المؤمنين: آمنا، لكنهم من وراء ظهورهم يقولون: لا تعلموا أصحاب الرسول بما في دينكم، فهم سيستفيدون منه في محاجتكم ومواجهتكم. ثم تتابع السورة: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني). ولا ندري في الحقيقة كيف فهمت هذه الآية على أنها تعني مشركي العرب! فالنص واضح، إذ تقول الآية: إن المحاجين والمشككين كانوا من اليهود، لكن كان هناك إضافة إليهم بعض الأميين الذين فعلوا ما فعله اليهود. ونحن نقول بعض الأميين لآن الآية قالت (ومنهم أميون)، ولم تقل (ومنهم الأميون) بأل التعريف. وهذا الطراز من الأميين له علم ما بالكتاب، رغم أنه علم لا يعتد به في ما يبدو (لا يعلمون الكتاب إلا أماني). وهناك خلاف على معنى كلمة أماني. ذلك أنها قد تعطي معنى الأكاذيب والاختراعات: (التّمني: الكذب… ويقال للأَحاديث التي تُتَمنى: الأماني، واحدتها أمنية. وفي قصيدة كعب: فلا يغرنك ما منت وما وعدت/ إن الأماني والأحلام تضليل. وتمنى: كذب ووضع حديثاً لا أصل له. وتمنى الحديث: اخترعه)(22). عليه، فالكتاب الذي يعرفه هؤلاء، أو الذي بين أيديهم، أباطيل وأكاذيب. وإذا أكملنا ما قالته الآيات أعلاه فإن احتمال أن يكون معنى أماني الكذب والاختلاق وارد جدا: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). وهذا ما قد يشير إلى أن بعض الأميين كان يختلق أشياء ويزعم أنها من الكتاب. وهذا ربما جعلنا نفترض أن كلمة الكتاب في الآية قد تكون أوسع من العهدين القديم والجديد، أي أنها تعني الكتب الدينية المقدسة عموما، أو تعني العهدين مع أشياء أخرى حولهما.


غير أن كلمة أماني قد تعني أيضا معرفة النسخ والقراءة فقط: (تَمنّى الكتاب: قرأَه وكتبه)(23). أو تعني معرفة إنشاد وتلاوة: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إِلا أَماني؛ قال أَبو إِسحق: معناه الكتاب إِلا تِلاوة) (24). وفي كل الأحوال، لا تبدو معرفة هذا الطراز من الأميين بالكتاب معرفة موثوقة.


فَمَن هؤلاء الأميون الذين يعرفون الكتاب، لكن معرفتهم مجرد أماني؟ ليسوا بالتأكيد من مشركي مكة الذين نعرفهم لسببين:
أولا: أنهم وضعوا في سلة واحدة مع اليهود أهل الكتاب لا مع أهل الشرك. وهذا يعني أنهم قريبون منهم إلى حد ما.
ثانيا: أن لهم معرفة ما بالكتاب، وهذا غير حال مشركي مكة.
ومن خلال الآية يتضح، كما بينا أعلاه، أن هؤلاء مجرد جزء من الأميين وليس كلهم: (ومنهم أميون).
وكنا قد رأينا من قبل، ومن خلال خبر مقاتل، أن اليهود رفضوا الالتزام بعقود مشركي مكة الذين أسلموا وسموهم بالأميين. أي أنهم وضعوا علامة مساواة بين المسلمين والأميين. لكن القرآن لا يفعل ذلك هنا. فالأميون في الآية هنا ليسوا مسلمين. فهناك جزء منهم على الأقل خاصم الإسلام بشدة، مثله مثل اليهود تماما. عليه، فلدينا طرازان من الأمين:
الأول: أناس من مشركي مكة تبعوا الرسول فصاروا يدعون أميين، أي مسلمين.
الثاني: أناس كانوا من الأصل أميين في ما يبدو، لكنهم لم يكونوا من المسلمين، بل إن بعضهم وقف ضد الإسلام.
فكيف نحل هذا الأمر؟

جوابا على هذا السؤال نقول: الإسلام نبت في ما يبدو في بيئة أمية. لذا فأن جزءا كبيرا من المسلمين الأوائل كان من الأميين، في أغلب الظن. بذا فقد بدا الإسلام في بدء أمرة أميا أمام الآخرين. ولأن مصطلح (مسلمين) لم يكن قد ثبت في البدء، فقد اعتبر أتباع الإسلام عموما أميين. وهذا يفسر لم سمى يهود يثرب المسلمين المهاجرين باسم الأميين: (ليس علينا في الأميين سبيل). فقد كانت الحدود بين أميين ومسلمين غير مرئية بوضوح عند الكثيرين. أما في ما بعد، وبعد أن رسخ مصطلح (الإسلام)، فقد انتهت تسمية، وحل محلها اسم المسلمين.
 
على كل حال، يبدو أن الفئة القليلة من الأميين التي خالفت الاتجاه الغالب عند الأميين، وخاصمت الإسلام، كانت مؤثرة جدا رغم صغر حجمها. ولو لم تكن مؤثرة لما ذكرها القرآن. وتأثيرها نابع، في ظننا، من أنها كانت فئة مثقفة، وتعرف شيئا عن الكتاب. وقد شعر الرسول والمسلمون بالمرارة تجاه هؤلاء في ما يبدو. ذلك أن الإسلام كان يأمل أن يَدعم كلُ الأميين دعوته لما بينه وبين هذه الطائفة من مشتركات، لكن هذه الفئة خاصمته واصطفت مع اليهود. ويمكن للمرء أن يحس بالمرارة تنضح من جملة: (أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) تنضح بالمرارة تحت السطح.

وربما يكون أناس من بين هذه الفئة القليلة من طراز أمية بن أبي الصلت، الذي كان مثقفا حنيفيا معروفا، بل لعله كان من رؤوس الحنيفية، ثم جاءت دعوة الرسول فطمسته، الأمر الذي جعله يندفع غاضبا إلى مخاصمة الإسلام، دين الحنيفية الجديد، بل وحتى إلى أن يتحالف مع مشركي مكة، ويرثي قتلاهم في معركة بدر بعد ذلك، رغم ما بين معتقده ومعتقد المسلمين من صلات.

ولو صدق أن أمية كان بالفعل واحدا من هذه الفئة، فربما ألقى علمه بالكتاب ضوءا ما على (علم الأماني) الذي تحدثت عنه الآية. وعلم أمية كان، في الواقع، علم أساطير وخرافات. فأشعاره تعرض لأساطير بعضها موجود في الكتاب المقدس. لكن بعضها، أو بعض عناصرها على الأقل، لم تكن موجودة فيه، الأمر الذي يجعلنا نفترض أن كلمة الكتاب في الآية قد تكون أوسع من العهدين القديم والجديد، أي أنها تعني الكتب الدينية المقدسة عموما. وقد كان هناك العشرات من الكتب المقدسة التي انتشرت في المنطقة منذ القرون الميلادية الأولى.
لكن إذا كان أمية واحد من الأميين هؤلاء، فنحن في الواقع مع الأحناف. إذ كان أمية حنيفيا مشهورا: (وأما أمية بن أبي الصلت، فقد كان واقفا على كتب اليهود والنصارى كما يذكر أهل الأخبار، قارئا كتب الديانتين، مطلعا على العبرانية أو السريانية أو على اللغتين معا، وإن كان واقفا أي حائرا بين الديانتين، فلم تدخل في أمية ديانة منهما، وإنما كان من الأحناف على حد تعبير أهل الأخبار)(25).  وإذا كان أمية حنيفيا وأمّيا في الوقت ذاته، فإن هذا سيوصلنا إلى أن الأميين هم الأحناف. أي أن الاسم (أميين) هو مجرد اسم آخر للأحناف، أو أنهم فرقة محددة من فرقهم.

لكن إذا كان الأميون هم الأحناف، أو فرقة منهم، فهذا يعني أننا مع الديانة الإبراهيمية. فالحنيفية هي ديانة إبراهيم أولا وأخيرا. إذ ورد في القرآن: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)(26). كما ورد أيضا: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا)(27).
لكن إذا كانت الحنيفية ملة إبراهيم فمن أين جاءها هذا الاسم: الأميون؟ وما معناه؟

إبراهيم الأميّ:

الجواب: ربما كان الأحناف أميين لأن إبراهيم ذاته كان أمة: (إِن إِبراهيم كان أُمَّةً قَانتا لِلّهِ حنيفا ولَم يك من المشركين)(28). وهكذا فإبراهيم كان حنيفا وكان أمة. أما أتباعه فكانوا أميين حنفاء. ليس ما هو أبسط من هذا. فالنسبة إلى إبراهيم- الأمة هي الأميين. والأميون هم الأحناف.
حسن جدا، لكن لم سمي إبراهيم بالأمي، إذن، وما معنى هذا الاسم؟

الحق أن معنى هذا الاسم موضع خلاف شديد بين المفسرين. فهناك آراء عديدة قاد إليها تعدد معاني جذر (أمم) الذي اشتقت منه الكلمة. لكننا نعتقد، وإن من دون أن نجزم تماما، أن الأمي هو الشخص الذي وصل إلى ديانته من غير رسول: (وكل من تسنن بسنة من غير نبي كأمية وورقة وابن عمرو فهو أمة، والجمع من كل ذلك أمم)(29). أو (الأُمَّةُ الرجل المُتَفَرِّد بدينٍ كقوله تعالى: إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قانِتاً لله)(30).

وهذا ينطبق على النبي إبراهيم. فقد كان مؤسسا، ولم يكن يتبع نبيا. لقد وصل إلى الدين وحده. وقد روى لنا القرآن بتفصيل كيف وصل إبراهيم إلى الدين القويم وحده:
(وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين* وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين* فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين* فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين* فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون* إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين* وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون)(31).

لكن يمكن لكلمة امة هنا أن تعني: طريقة وحده، أو شريعة وحده، أو طائفة وحده، على اعتبار أن كلا منهم مثل اتجاها خاصا غير الاتجاهات السائدة المعروفة.
وقد وصف بعض الجاهليين الذين توصلوا وحدهم، ومن دون رسول، إلى ديانة تشبه الحنيفية بأنهم (أمة)، مثل عمرو بن نفيل وغيره. إذ يروى عن النبي أنه قال عن عمرو: يبعث يوم القيامة زيد بن عمرو بنِ نفيل أمّة على حدة. وقال مثل هذا عن قس بن ساعدة: يُبعث يوم القيامة أمّة وحده.

انطلاقا من هذا كله، ربما نستطيع فهم آية: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) بشكل أفضل. فالأميون أو الأحناف لم يكن لهم رسول. كانوا أفرادا ومجموعات متفرقة حتى بعث فيهم النبي. وهذا ما قد يعيدنا إلى نص للشهرستاني: (وكان النور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرا، والنور المنحدر منه إلى بني إسماعيل مخفيا)(32). وهكذا، فقد كان نور بني إسماعيل مخفيا إلى أن بعث النبي محمد. فمحمد هو ابن عبد الله بن عبد المطلب لكنه ابن إبراهيم روحيا. إذ حين عرض، حسب الخبر، الأنبياء على الرسول في إسرائه قال عن إبراهيم: (وأما إبراهيم عليه السلام فو الله إنه لأشبه الناس بي خلقا وخلقا)(33). إنه شبه إبراهيم لأنه ابن إبراهيم روحا ووحيا. وقد ورد مثل هذا الحديث على لسان هرقل الروم في حديث هشام بن العاص. فقد قابل وفد برئاسة هشام هرقل الروم، فأطلعهم على صور الأنبياء مرسومة واحدة واحدة: (فاستخرج.. حريرة سوداء، فإذا فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا إسماعيل جد نبيكم عليهما السلام)(34). إسماعيل جد النبي إن لم يكن عضويا فروحيا. وفي الحقيقة فإن النبي هو إسماعيل الزمن الجديد، زمن البعثة.

وانطلاقا من هذا أيضا، يمكننا فهم الجدل الذي دار بين الإسلام من جهة، واليهودية والمسيحية من جهة حول إبراهيم. فقد أصر الإسلام على أن أتباعه هم أتباع إبراهيم الأصليين: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون* ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون* ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين* إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)(35).

وهكذا، فأولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوه منذ البدء. وأتباعه هم الأميون الأحناف. إذ في الوقت الذي كان فيه إبراهيم جزءا ما من الديانتين النصرانية واليهودية، فإنه كان جوهر ديانة الإسلام. وبالمناسبة، ربما يكون في الآية أعلاه: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا) تعداد للعناصر الأولى التي تشكل منها الإسلام. فهناك أولا: الذين اتبعوا إبراهيم منذ البدء، وهم الأحناف الأميون، أو الأحناف والأميون إذا كان الأميون فرقة قريبة من الأحناف، ثم هناك ثانيا: الذين آمنوا، وهؤلاء هم الذين تبعوا الإسلام من مشركي مكة ولم يكونوا في الأصل أحنافا أو أميين، ثم هناك ثالثا: الرسول وبيئته العائلية المباشرة. فديانة عائلة الرسول كانت ديانة الذبيح، وديانة الذبيح هي ديانة إبراهيم وإسماعيل. فجد الرسول عبد الله كان ذبيحا. والرسول ذاته لقب ب: (ابن الذبيحين)، أي عبد المطلب وإسماعيل، حسب المفسرين والإخباريين. بالتالي، فجذور النبي الإبراهيمية ممتدة في عائلته منذ ما قبل قبل البعثة بوقت طويل. عليه، يكون ما جد مع الإسلام فقط أن رسولا قد بعث من بين الإبراهيميين، الأميين، الأحناف، ولا غير.

الهوامش:

1- القرآن الكريم، سورة الأعراف:157.
2- القرآن الكريم، سورة الجمعة: 2.
3- الدكتور محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم؛ الجزء الأول: في التعريف بالقرآن، مركز دارسات الوحدة العربية، بيروت 2006، ص: 83، 94
4- د. محمد شحرور، النبي محمد (ص) كان أمياً وكان يقرأ ويكتب،
5- د. عمر يزلي، متكئات القراءة الاستشراقية للموروث الثقافي الجاهلي،
6- د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام،
7- ابن تيمية، دقائق التفسير
8- ابن هشام، سيرة ابن هشام
9- القرطبي، تفسير القرطبي
10- الشهرستاني، الملل والنحل
11- د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
12- القرآن الكريم، سورة الأعراف: 157
13- القرآن الكريم، سورة البقرة: 146
14- القرآن الكريم، سورة آل عمران: 75-76
15- عبد الله بن أحمد بن علي الزيد، مختصر تفسير البغوي
16- د. محمد شحرور، مصدر سابق
17- عبد الله بن أحمد بن علي الزيد، مصدر سابق
18- الزمخشري، الكشاف
19- ابن هشام، سيرة ابن هشام
20- القرآن الكريم، سورة البقرة: 78
21- القرآن الكريم، سورة البقرة: 75-79
22- ابن منظور، لسان العرب، جذر أمم
23- المصدر السابق
24- المصدر السابق
25- د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
26- القرآن الكريم، سورة الأنعام 161
27- القرآن الكريم، سورة النحل: 123
28- القرآن الكريم، سورة النحل 120
29- ابن سيدة، المخصص: www.alwaraq.com
30- ابن منظور، لسان العرب، جذر أمم
31- القرآن الكريم، سورة الأنعام: 75- 80
32- الشهرستاني، الملل والنحل
33- ابن سيد الناس، عيون الأثر في المغازي والسير
34- الذهبي، تاريخ الإسلام
35- القرآن الكريم، سورة آل عمران: 65-69

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق