“الأوان” تحاور فتحي بالحاج يحيى، أحد مؤسسي “جمعية الدفاع عن اللائكية” في تونس

العلمنة كنظام قيم يميز المجال الزمني بالنسبة للمجال الروحي يعاني إلى اليوم العديد من الإشكاليات المفاهمية التي تعيق تجذره في الذهنية الشعبية و انتصاره كخيار جماعي مجمع عليه من قبل الجميع. وذلك لكون حركاتنا السياسية تتأسس بعد على اعتبارات مغلوطة ومختلطة ومرتبطة بتراكم الماضي والتراث المتشابك بالمُثل و الماورائيات (دين، عادات و تقاليد، ميثالوجيا، لغة…). فالعلمانية كأخلاقية تنكر أي تبعية غير تبعية المواطنية، وأي سلطة غير سلطة الدولة. إنها الانصياع للعقد الاجتماعي ذي الطبيعة الإنسانية النسبية، متمردة عن أي شكل من الرقابة الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الطبقية من شأنها أن تقف أمام بناء مواطنية متساوية وشاملة. وهي خيار ما يزال عسير الإدراك من قبل جزء كبير من نخبنا. أما القسم الآخر الذي استوعب أن أحد الخطوات البديهية من أجل إصلاح “دعوات الإصلاح” الصادرة عن ألف منبر و منبر، فتمر حتما وبالضرورة عبر تشبع التونسيين بحزمة تلك المبادئ والأفكار الأساسية اللازمة لتحقيق التغيير الديمقراطي. ومن بين هؤلاء، السيد فتحي بلحاج يحيي، الذي انخرط إلى جانب مجموعة من الأكاديميين و الصحفيين و النشطاء الجمعياتيين في مسار “الدفاع عن اللائكية في تونس” في إطار جمعية تهيكل نشاطاتهم. وكان اللقاء التالي لكي يجيبنا على السؤال الجوهري؛ هل تحتاج تونس لمن يدافع عن العلمانية ؟ وفي مل يلي نص الحوار…

{{>ما هو دور جمعية للدفاع عن اللائكية في بلد مثل تونس؟}}

>قبل أن نبدأ الحوار أودّ الإشارة إلى أمر هامّ وهو أنّ هذه الجمعية، نظرا لخاصية مكوّنيها، فجميعهم من مثقّفات ومثقّفي البلاد، فإنّه لا يجب اعتبار ما سأقوله ممثّلا أو ملزما في التّفاصيل للجمعية ككلّ. فهو لا يتعدّى كونه إشارة إلى المناخ الفكري العامّ الذي نتحرّك ضمنه، والهواجس التي نحملها والتساؤلات التي تؤرّقنا، وخطّ السّير العامّ لجمعيتنا من حيث شكل النّضال المرجو. وبمعنى آخر لو تكفّل عضو آخر بالردّ لكانت إجاباته مختلفة من حيث الشّكل على الأقلّ، وربّما أيضا انتقاء الأمثلة وطريقة البيان ومنظومة الحجج والتركيز على هذا الجانب دون ذاك. نحن لم نتشكّل بعد ككيان قانوني منظّم، وحتّى يوم نتشكّل فسيظلّ ثراؤنا في تنوّع مقارباتنا وتعدّد أساليبنا واختلاف مرجعيّاتنا إذ الهدف الأوّل هو إثارة النّقاش وفتح ملفّات المسكوت عنه. وربّما من هنا جاء اختيارنا للفظة “لائكية” صراحة بكلّ ما أثارته وستثيره من جدل وخلط وفزع وذعر واستنفار للعقول.

وعودة إلى سؤالكم عن دور الجمعيّة فهو مثل دور جمعيّة حماية العصافير والأشجار في حديقة البلفيدير. إنّها قضيّة أوكسيجين في ظلّ وضع تونسيّ أخذ يسجّل منذ العقدين الأخيرين تراجعات كبيرة من حيث الذّهنيّة الجماعيّة وتحديدَا منذ ظهور المدّ الإسلامي الذي عرفته كلّ المنطقة العربية والإسلامية.

الأسباب عديدة ومتشابكة وهي تمثّل الهاجس الذي يؤرّق الفكر التّقدّمي في هذه المناطق، ودور الجمعية هو المساهمة في فهم تعقيدات هذا الواقع، وأسباب تردّيه، وتعطّل ديناميّة الحداثة، وسرّ تقبّل قطاعات من المجتمع التّونسي للخطاب الدّيني المتشدّد من حيث المنظومة الأخلاقية السّلوكية للمواطن، على الأقلّ. كيف تمّ الانتقال من العلاقة الحميمية والتسامحية التي كان يقيمها التونسي مع دينه ومعتقده إلى هاجس التّظاهر بعلامات التّقوى والتدخّل في شؤون الغير وتراجع ذهنية التسامح واكتساب خطاب تذنيبي و شبه تكفيري.

فأن ترتفع أصوات إسلامية للإشارة إلى أنّ الاختلاط بين الذّكر والأنثى على مقاعد المدرسة يمثّل أحد أسباب التّدهور الأخلاقي للمحيط المدرسي ولشبابنا، وأن تنتشر ظاهرة التحجّب بهذا الشّكل الملحوظ في وقت اقتحمت فيه المرأة ميدان الشغل والحياة العامّة أكثر من أيّ وقت مضى وتجاوزت فيه أعداد الإناث أعداد الذّكور في التعليم العالي، لفي ذلك مؤشّر على أزمة اجتماعية قيمية متعددة الأبعاد. ومثل هذه الظّواهر التي تبدو متناقضة في قراءة أولية تستدعي نبشا أعمق لفرز الخيوط البيضاء من السوداء.

{{>ربّما أحد أو بعض الأسئلة الممكنة هي التالية:}}

–بماذا نفسّر هذه الحاجة الملحّة للمسلم بأن يشعر بنفسه مسلما موليا وجهه على الوراء أكثر من أيّ وقت مضى وأكثر من حاجته إلى الشّعور بنفسه كمواطن القرن الواحد والعشرين، والحال أنّ التحدّيات الحقيقيّة التي يعيشها هي من قبيل التحدّيات المعرفية أي اكتساب معارف العصر، والخروج من التبعيّة الاقتصادية وما يتبعها من قائمة التبعيّات الأخرى الثقافية والعسكرية… ؟

–بماذا نفسّر عقليّة “الغيتو” التي تكتسحنا و البارانويا التي تتحدّد معها علاقاتنا بالعالم الخارجي إلى درجة لم نعد نعرف معها إن كنّا نحن الذين حكمنا على أنفسنا بالإقصاء أم هم الذين أحالونا عليه؟ هل سمعت يوما هنديّا يؤاخذ الغرب على استعماره الجديد للهند بتعلّة أنّهم يكرهونهم كبوذيين؟ ولعلمك، ومن باب التندّر الذي نحتاجه كثيرا تلطيفا لمصائبنا، أنّ الهند قد أقامت أخيرا دعوى على الغرب وأميركا لاستعمالهما رياضة اليوغا في طرد البؤس النّفسي والاكتئاب المعنوي وتجديد الطّاقة دون أن تسدّد معاليم حقوق التّأليف؟

–هل أنّ مواطنًا تونسيّ الجنسيّة ووُلد في هذا البلد ونشأ فيه سيكون عطاؤه لهذا البلد أقلّ لو كان يهوديًّا أو مسيحيًّا أو غير متديّن ؟ وهل المواطن المسلم سيخفّ إضراره بالبلاد إذا ما ائتُمن على مال عامّ وتلاعب به، أو استنزف عملة البلاد بما يضرّ باقتصادها، لمجرّد أنّه مسلم أو وُلد مسلما ووجد نفسه مسلما وعاش حياته على اعتقاد جازم بأنّه مسلم ؟ ما الّذي سيتغيّر في درجة المواطنة في هذه الحال أو تلك؟

العلمانية تتقلص في تونس يوميّا بفعل التصحّر الذّهني العامّ

{{>ألم يكن جديرا بكم طرح برنامج للنضال من أجل اللائكية و ليس الدفاع عنها؟}}

>السؤال وجيه جدّا وصراحة لم أُفكّر من قبل في الأمر، وربّما الجواب يكمن في هذه التّلقائيّة ذاتها. فلتونس وضع متفرّد مقارنة بالبلدان العربية الأخرى التي تُطرح فيها مثل هذه القضايا المتفاوتة الحدّة والتّعقيد.

لنتصوّر منظّمة مماثلة ترى النّور في السّعوديّة مثلا (جميل أن نعيش بالأمل !) فالأكيد سيبدؤون بطرح برنامج تبدأ حروف هجائه من الألف، ولن يخطر بذهن أصحابه البدء بالدّفاع عن اللاّئكية بل عن زراعة بذرتها الأولى في صحراء العرب. أمّا في تونس فالصّورة أشبه بمناطق خضراء تتقلّص يوميّا بفعل التصحّر الذّهني العامّ من جهة وبفعل القصور المتنامي لأولى الأمر في الحفاظ، على الأقلّ، عمّا هو مكتسب منذ أجيال (رغم أهميّة الإشارة إلى طريقة هذا الاكتساب الذي قد نتعرّض له لاحقا والذي هو أحد أسباب هذا التّردّي). فعندما نشاهد طريقة تعامل النّظام التّونسي مع قضيّة الحجاب مثلا ، فإنّنا نقف على حقيقة حدود خطابه وعسر توليده لفكر حداثي. وإذا بهذه القضيّة الفكريّة فيما تخفيه من خلفيّات معقّدة تُختزل في مناشير إلزاميّة ومعالجات أمنيّة وإخراج للـ”سّفساري” من صناديق العجائز كتقيّة للحجاب المثقل رمزيّة دينية وشبه دينيّة.

الغريب في الأمر أنّه هناك صورة فوتوغرافية للرّئيس بورقيبة في مطلع الستينات وهو يشيل السّفساري عن امرأة تونسيّة. وهي ربّما الصّورة التي تحمل الدّلالة الأرقى على دخول تونس عصر الحداثة بفعل فاعل وليس بموجب ديناميّة اجتماعيّة ديموقراطيّة بالمعنى السّوسيولوجي للكلمة. و لعلّ الأجدر هو الحديث عن “اقتحام” للحداثة أكثر منه “دخول” فيها. هذه الصّورة التي طبعت أذهان وعقليّات أجيال متعاقبة من التّونسيّين والتّونسيّات ومنحت لتونس صورتها الحديثة في المتوسّط والعالم وكذلك صورتها كبلد متفسّخ ويكاد يكون كافرًا لدي أهل الشّرق، نجد المسؤولين الذين أخذوا على عاتقهم قيادة الحملة الأخيرة ضدّ الحجاب ينسونها أو يتناسونها لأنّهم لم يعودوا قادرين على تحمّلها لأسباب عدّة منها افتقاد كاريزما بورقيبة واقتناعه الفكري العميق بأنّ حداثة الدّولة والمجتمع إنّما تبنى بقدر ابتعادها عن مناطق التّأثير الدّيني كشرط لتغيير الذّهنيّات، و منها نفاذ تأثير الشّرق عبر الفضائيات، وافتقاد الحزب الحاكم إلى القدرة على توليد فكر وخطاب قادرين على محاججة الإسلاميين دون المسّ بتوظيفات البترودلار المتنامية من جهة ودون توفير الذّرائع لهم بالتّشكيك في إسلامه. وبعبارة أوضح فإن كانت البلاد بأكملها تعيش أزمة هويّة فإنّ النّظام نفسه لم يتوصّل إلى تأسيس هويّة فكرية ثقافيّة لذاته فما بالك بالمجتمع.

وعودة إلى سؤالكم حول الدّفاع عن اللائكيّة أو بالأحرى عن مناطق اللائكيّة المكتسبة في الأذهان والقوانين وسير الحياة العامّة هو بمثابة تدعيم قواعد موجودة لترسيخ بنيانها ثمّ الانطلاق منها للعمل داخل المجتمع المدنيّ لرفع الكثير من الالتباسات والمغالطات المتعمّدة أحيانا من قبل بعض القوى التي لا تستسيغ أو تتعارض مصالحها أو تتصادم أفكارها ورؤاها، لما يجب أن يكون عليه المجتمع الصّالح، مع فكرة اللاّئكية. وقد لا أضيف لكم شيئا عن تعمّد هؤلاء إصباغ فكرة اللائكيّة بصبغة الإلحاد، وعن تناسيهم أنّ الدّول اللائكيّة والعلمانيّة التي تمثّل أغلب دول العالم من أمريكا اللاتينيّة إلى أوروبا وآسيا وأستراليا إنّما الأديان فيها محترمة أكثر من الدّول المدرجة للدّين في مرجعياتها التشريعية أو الرّافعة لسيف الإسلام أو هلاله على أعلامها. عندما ينظر الجار إلى جاره في نفس الحيّ على أنّه شيعيّ أو سنّي أو خارجيّ أو قبطيّ فإنّ أيّ مشكلة تطرأ بينهما عوض أن تحلّ ضمن القانون وثقافة العقد الاجتماعي فإنّه يتمّ فيها استدعاء عليّ بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان، ويفجّر مرقد الإمام فلان ويحرق جامع الصحابي فلتان أو كنيسة القديس إكس.

اللاّئكية هي أن يجمعني مع مواطن آخر، أو يربطني بالدّولة في باب الحقوق والواجبات، عقد اجتماعي قانوني ينطلق من اعتباري راشدا ومسؤولا عن أعمالي وعارفًا بما يصلح بي و لا يصلح. ودور القانون أن يذكّرني مثلا بفعلٍ ما كنت أعتقده صالحًا وفيه مضرّة للغير كأن أتجاوز ضوءًا أحمر في حركة مرور لأنّي على عجل أو أن أتوقّف عن العمل ثلاثة مرّات في اليوم بدعوى الصّلاة حاضرًا، وأنا أشتغل معلّما أو سائق حافلة عموميّة أو عونا فنيّا في برج المراقبة بالمطار. أمّا أن يأتي القانون ليرفض عليّ كمواطنة تونسيّة حقّي في اختيار شريك حياتي بدعوى أنّه غير مسلم بينما يبيحها لجاري الذّكر (ولا تقولوا لي تزوّجي جارك وأريحينا، فإنّي أكرهه)، أو أن يُدرَّس أبناؤنا في مادّة التربية الإسلاميّة أنّ الأرض والإنسان هما محور الخلق والكون بينما يكتشفون في دروس الفيزياء أنّها أصغر من نملة تائهة في الصّحراء داخل الكون اللامتناهي.

ففي الحالات الأولى مسّ بكرامة الإنسان المطلقة ومبدأ المساواة في المواطنة وإسقاط فاضح لما ورد في الدّستور من ضمان لحرية المعتقد إذ كيف يجوز أن تخوّل الدّولة لنفسها تقرير من هو مسلم ومن هو غير مسلم، ومن يتزوّج من؟ أمّا في الحالة الثانية فثمّة اعتداء على العقل والذّكاء ولو كان ذلك باسم الدّين والهويّة والاستثناء الثقافي والأصالة وغيرها من التّصنيفات التي تجتمع فيها جميع عوائقنا وفيها بعض التّفسير لبقائنا مستهلكين لابتكارات واختراعات وعلوم الغرب رغم أنّنا “أفضل أمّة أُخرِجت للنّاس”. والأمثلة كثيرة مثل المساواة في الإرث بين الأنثى والذّكر والتي مازال الخطاب الرّسمي يتعثّر فيها حيث نرى وزيرة المرأة تكاد تقرّ بمعقولية هذا الطّلب بالنّظر لوضع المرأة مع استدراكها القول بأنّ الأمر من ثوابت الإسلام لوضوح الآية القرآنية فيه، لذلك استحال تطبيقه. ولو ترجمنا كلامها لحصلنا على شيء من قبيل “واللّه الحكاية معقولة لكن للأسف نزلت الآية خالية من أيّ ذريعة يمكن اعتمادها أسوة بآية الأربعة نساء وقوله “ولن تعدلوا” !

{{>حصل اتفاق بين المؤسسين على أن وظيفة الجمعية هي ثقافية بالأساس، ما معنى ذلك؟}}

>إعتقادي أنّ لهذه المسألة وجهين أو سببين :

الأوّل والأهمّ: هو وعي المؤسّسين بأنّ مثل هذه القضايا كقضيّة اللائكيّة أو العلمانية وثقافة حقوق الإنسان والمواطنة، لئن يلعب فيها القرار السياسي دورا تمهيديا موجّها لبوصلتنا الحضارية، فإنّ هضمها وتحوّلها من قوانين وإجراءات إلى سلوكيّات وتمثّلات ذهنية أمر ثقافي بالدّرجة الأولى. والمقصود بالثّقافي هو كلّ ما يساهم في نحت عقليّة المجتمع بداية من برامج التّعليم أساسا وتكوين المدرّسين، وحرية الإبداع الفنّي والثّقافي وأجهزة الإعلام بجميع أصنافها، وتهيئة المجتمع لتقبّل جدلية النّقاش وتبادل الآراء واحترام مقوّمات الحوار…

الثاني: هو أنّ جلّ المؤسّسين قد عاشوا تجارب طويلة وثريّة سواء ضمن أحزاب ومنظّمات سياسية أو داخل جمعيات النّضال المدني كجمعية حقوق الإنسان أو منظمة العفو الدّولية أو النساء الدّيموقراطيات أو غيرها. وتكوّنت لديهم قناعات بأنّ تداخل النّضال المدني أو الثقافي مع النّضال السياسي المباشر من شأنه أن ينقل مجالات عمل هذه المنظّمات إلى مناطق لا طاقة لها بها وليس من قبيل أهدافها –بالمعنى الحصري-، كما أنّه يقلّص من انفتاحها على فئات من المواطنين تحمل معها نفس القيم والهواجس لكنّها لا تريد الانزلاق في معارك سياسية لم تختر الانخراط فيها.
الممنوع هو عدم الخوض في الممنوع

{{>إن الدفاع عن العلمانية يفترض القيام بمثيل ذلك بالنسبة للديمقراطية خصوصا وأن القيمتين متلازمتان ولا يصح الحديث عن أحدهما دون وجود مرادفته الأخرى، عن أي ديمقراطية ستدافعون؟}}

>هذا السؤال يجعلني أستدرك أو أوضّح بعض ما سبق ذكره. فلنكن واضحين: لا يعني أنّ المؤسسين في درجة الصّفر من السياسة، لكن المطلوب ليس التّعامل مباشرة مع الحواجز السياسية التي تقيمها السياسة والنّظام أمام حرية الفعل المدني والثقافي والسياسي، وإنّما اختيار طرق تعبير، ومواضيع تدخّل غير التي يسلكها السياسيون.

البرنامج الذي نسعى إلى وضعه يهتمّ أوّلا باستنفار جميع الطّاقات الفكريّة والجامعية والمثقّفة للتّفكير معا في نوع اللائكية المناسبة لأوضاعنا، هناك اللائكية على الطريقة الفرنسية أو التّركية، وهناك ما يعرف بالعلمنة (secularism بالإنجليزية) السارية في الرقعة الأنكلوسكسونية، وهناك تنويعات أخرى متفاوتة التجذّر في علاقة بالدّين. هل المطلوب أن تسحب الدّولة تماما تدخّلها في الشّأن الدّيني؟ هل يجب اعتبار المساجد وبيوت اللّه ملكا للدّولة تقوم على تسييرها وتمويلها باعتبارها أماكن عمومية مشاعة للجميع أم هي ملك جماعي لجمعيات مدنية أو دينية لها صفة الذّات المعنوية؟ هل يجب إلغاء خطّة مفتي الجمهورية كوظيفة دولة لتضاربها لدى البعض مع حرية المعتقد ومع اعتبار الإيمان أمرا شخصيّا يحدّده اجتهاد الفرد في دينه دون واسطة؟ وإلا فأين تقف صلاحيّات المفتي ؟ هل يجوز له الإفتاء في مدى تطابق أو عدم تطابق القوانين الوضعيّة مع الشّرع أم يقتصر دوره على إرشاد المؤمنين عند الطّلب أم يجوز له إصدار فتاوى ملزمة للجماعة الوطنية أو مولّدة لعقدة الذّنب، كأن يتدخّل في ضبط مقاييس اللّباس الحلال والحرام ؟… أسئلة كثيرة لا تنتهي ستشكّل محاور اهتمامنا وليس لنا فيها إلى حدّ هذه المرحلة كلمة فصل ولن تكون فيها كلمة فصل على أيّ حال، وإنّما سنسعى ليستأتس التّونسيّ الخوض فيها والنّظر إليها من زوايا مختلفة وتتكوّن له ثقافة النّبش في أركولوجيا المعرفة، وفي أعماق التّاريخ، وأسباب الظّواهر والتّقاليد. ربّما الهدف الأسمى في رأيي هو حمل المواطن التّونسي على فكرة أنّ الممنوع هو عدم الخوض في الممنوع لأنّه ما من أمّة بلغت من الحضارة والرقيّ دون أن يأخذ العقل مكانته في صلبها.

مثل هذا التّمشّي يستدعي حتما مسألة الدّيموقراطية، بداية من الحصول على التّرخيص لهذه الجمعية ومرورا بفضاءات تحرّكها أو السّماح لإصداراتها. نحن واعون تماما بهذا الإشكال. وحتّى أستطيع أن أردّ على سؤالكم بكلّ وضوح فالمسألة بالنّسبة لنا تحديدا هي مسألة حرية التّعبير، وحريّة حقّنا في الوجود، على ما نحن عليه. نحن اليوم أقليّة في البلد بدليل أنّ أطرافًا عديدة من المعارضة لا ترى بعين الرّضا مثل هذه البادرة التي تعتبرها منذرة بنتائج عكسيّة على سعيها في كسب الجماهير واسترضائها، وعدم مصادمتها بشكل جبهوي مباشر… هذا في أفضل الأحوال، إذ هناك من الأطراف من يسعى إلى الخلط بين العلمانية والإلحاد كما ذكرت، ومنها من لا تمكنّه ثقافته الدينية من فهم هذا المصطلح-الفكرة كنمط فكري مستقلّ.

في انتظار تشكّلنا ككيان، وبداية نشاطنا فقد أفاجئك بالقول بأنّ الأيّام قد تفصح لنا عن أعداد أكثر بكثير من التي يمكن توقّعها نظريّا. أناس كثيرون خارج الجدل السياسي القائم بين المعارضة بشتى أصنافها والنّظام، وهم أبناء العهد البورقيبي وفيه تربّوا ونشؤوا، كما أنّ هناك أجيال شابّة كبرت مع العهد الحاليّ، وبقدر عدم انخراطها في الخطاب الرّسمي فهي لا ترى في الخطاب الأخلاقوي الدّيني البديل المرضي بل تهابه أحيانا، وهي في وضعية طلب لإنتاج فكري يؤسّس لحيثيات يومياتها وسلوكياتها ومرجعياتها ومُثلها وأنماط تفكيرها الحداثية. وبمعنى آخر كيف نكون حداثيين دون تهمة الانتماء إلى “الغرب العدوّ” وما يتبعها من شعور بالذّنب، وكيف نرفض المشروع الديني أو القومي الملتقي معه في قضايا الهوية والعروبة والثورجية دون الشعور بخذلان القضيّة الكبرى، فالأمر يكاد يصبح من قبيل المعادلة التي يستحيل معها تصوّر معاداة الأمبريالية من خارج التموقع الإسلامي ويكاد الحديث عن حقوق الإنسان والدّيموقراطية واللائكية ضربا من استلاب الشخصية لفائدة الفكر الغربي. زمان الفكر العالمي والأممية والقيم الإنسانية المطلقة قد ولّى، ولعلّ المطلوب أكثر من أيّ وقت مضى إعادة الاعتبار لهذه المصطلحات.

لا أدري إن كنت أجبت على سؤالك وعلى كلّ فهذه القضية ستكون إحدى ملفّاتنا الشّائكة.

{{>خرج مئات الآلاف من الأتراك في الأسابيع الماضية لحماية مؤسساتهم السياسية مما رأوه تعديا عليها من قبل القوى المعادية للعلمانية، أتنتظر أن يفعل التونسيون مثل ذلك؟}}

أعتقد أنّي سبقتك الإجابة بشكل ما. الأكيد أنّ التّونسيين لن يخرجوا إلى الشّارع أفواجا لا للدّفاع عن اللاّئكية ولا عن الدّيموقراطية، في المنظور القريب على الأقلّ. لسنا في وضع تركيا ولا مقارنة بين المجتمعين والنظامين والتاريخين واللاّئكتين. سيطول المجال في الخوض في هذه المسألة كما في أحوال الوضع التّونسي ونجاح سياسة المجتمع الوسط، وبداية انخرام توازناته، وخاصيتنا ضمن شبه الإجماع السنّي المالكي، وعشرة ملاييننا التي لا تقاس بأعداد الأتراك، ووضعهم الجغرافي السياسي ومسألة انخراطهم في المجموعة الأوروبية، ودور الجيش عندهم…

الجمعية تهدف إلى أن تكون مخبرًا للآراء و الأفكار

{{>تناضل الجمعية من أجل لائكية الدولة، أتطرحون فكرة تنقيح البند الأول من الدستور التونسي الذي يقر بأن الإسلام هو دين البلاد والعباد؟}}

>الدّولة التّونسية ربّما هي أقرب إلى اللائكية منها إلى المرجعيّة الدينية. لم نتطارح بعد مثل هذه المسائل والموضوع مفتوح لكلّ الآراء. ويوم يُفتح سأطرح على أهل الاختصاص في القانون، من الّذين سنتوجّه لهم لإنارتنا وإفادتنا، السؤال التالي: ما معنى أن يكون للدّولة دين ما ؟ أحد التّونسيين كتب على مدوّنته الألكترونية ترحيبا بولادة جمعيتنا، في غاية الرّوعة من حيث الطّرافة والأسلوب التهكّمي المرح، وهو أسلوب قد ينفذ أحيانا إلى الأعماق أكثر من الخطب الصّارمة. سأتركها باللّهجة التونسية الدّارجة لكي لا تفقد نكهتها :

“الناس اللي تحكي على دولة مسلمة ودولة مسيحيةودولة كافرة بكل صراحة نراه كلام فارغ، لا معنى له. توة بالله تقولولي دولة دينهاالإسلام كيما موجود في دستورنا، إي آش معناها؟ عمركمش شفتو الدولة تتوضّى وماشيةتصلّي؟ يجي منّو دولة خارجة من الميضة متاع الجامع مشمّرة سروالها ولابسة قبقاب؟كلام فارغ، دولة عندها دين، تصوّروها معايا بالله: دول العالم واقفين على الصراتنهار القيامة يستنّاو في الحساب، صفّ للدول المسلمة وصفّ للدول الكافرة، شفتو؟ كلامفارغ.”

وهو تساؤل لا يخلو من وجاهة. ولكن للسياسة شأنا آخر، فعبارة “الدّولة التونسية دينها الإسلام…” يجب أن يؤخذ فيها بعين الاعتبار الظروف التي حفّت بها في مطلع الاستقلال وشخصية بورقيبة وعلاقته بالدّين ولعبة التوازنات التي أقامها بين الشكل والمضمون، وبين بنود الدّستور ذاته إذ يرد في الفصل الثّامن إشارة إلى حرية المعتقد، كما أنّ مجلّة الأحوال الشّخصيّة نموذج للمسافة المأخوذة عن الدّين دون مصادمته صراحة. هل يستوجب علينا اليوم البقاء ضمن ثقافة كتابة كلمة اللائكية بالحبر السرّي أم أنّ الرِّدّة عنها أصبحت تقتضي استعمال الحبر المكشوف ؟ هذه أيضا ملامح أخرى من ثراء الجدل والنّقاش والتّفكير الذي نريد إطلاقه من عقاله.

وخلاصة فلا تنتظر منّي أجوبة نهائيّة ومحدّدة لأنّي لو كنت أملك مثل هذا الوضوح لما انتميت إلى هذه الجمعية التي تهدف بالأساس إلى أن تكون مخبرًا وفضاء لتطوير الأفكار والآراء أكثر منها مؤسسة ترفع لواءًا من لون ما.

{{>في وجه الاستبداد السياسي الشامل الذي تعيشه تونس، يأتي تأسيس جمعية مستقلة؛ أي أفاق تترقبونها والكل يعلم درجة المحاصرة و العرقلة التي تتعرض لها هياكل المجتمع المدني الحرة ؟}}

>اعتقادي أنّه لم يوجد على مدى التّاريخ نظام واحد استبدادي شامل بمعنى بلوغه الهدف. أينما وُجِد نظام وشعب وُجدت ثغرات يتحدّد اتّساعها أو ضيقها بمدى عزيمة الشّعوب والأفراد والجماعات على استنباط أشكال المقاومة والكرّ والفرّ وطول النّفس الملائمة لقواهم ولمتطلّبات المرحلة. خوفي الوحيد أن يتمادى النّظام في إغلاق الأبواب فيدبّ اليأس لدى حاملي مشاريع ورؤى النّضال المتمدّن والشّرعي. وليس في تونس اليوم مجموعة معارضة واحدة، بما في ذلك إسلاميّو النّهضة، خارجة عن هذه الرّؤية. والخوف كما سبق أن حدث أخيرًا، أن تتجاوزنا الأحداث جميعا كما تجاوزت “فتح” و”حماس” ذاتها في فلسطين، أو في الجزائر في زمن غير بعيدٍ أو غيرها من بلدان العالم التي لم تفهم أنّ المجتمعات شأنها شأن الطّنجرة التي يغلي فيها المرق، فإمّا أن ينضج طبيخها ويحلو مرقها وإمّا أن يُحكم كبس غطائها فتتحوّل إلى متفجّر بحكم قانون فيزيائي بسيط لا يجادل بدليل أنّه مقرّر في كتاب الفيزياء للسّنة الخامسة ابتدائي من نظامنا التّعليمي.

{{>متى ينطلق برنامج نشاطكم؟}}

ينطلق نشاطنا يوم تنشط دوائرنا المسؤولة في تعمير قصاصة الموافقة على أن نكون مواطنين محترمين وراشدين يخوّل لنا حقّ الوجود والتّعبير ضمن ما يحدّده القانون من واجبات وما يمنحه من حقوق. وأؤكد أنّ الأمر لا يستوجب سوى خمسة دقائق بمفهوم زمن غرينويتش، أمّا زمننا نحن على الضفة الجنوبية للمتوسّط فيتمطّط كثيرا بمفعول حرارة الشّمس وفواصل الهوية من نوع “يا من عاش” و “سننظر في الأمر” و “ما المستجعل في القضيّة ؟” و”حتّى نشاور ؟” و”اخْطَى رأسي…” و”الدّوائر العليا” وهلمّ جرّا…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق