الأومباشي الفقيه…

في العام المنصرم، كتبتُ رأيي في البرنامج الرمضاني الذي قَدّمه الأستاذ عمرو خالد، عن قصة موسى في القرآن الكريم ونُشِر على أكثر من موقع. شَدَّتْ انتباهي جملة وردَتْ من واحدٍ من الإخوة في الإسلام، ساءَهُ ما كتبتُ –  وهذا حقّه الطبيعي – لكنّه لم يناقش ما كتبتُ بل حشرني في زمرة الأمريكان ونصحني قائلاً : "خير لك أن تنقطع عن الفضائيات جملة واحدة"… ولما كنت ممن لا يحبون التقيّد بمثل هذه النصيحة، وجدت وسيلة للعودة إلى تناول الموضوع نفسه من زاوية أخرى. خاصة وأنّ رمضان المبارك على الأبواب، ولا بدّ من أنّ الأستاذ عمرو خالد قد أعّدَّ للأمر عُدَّته، وأنجز الاستعداد لتقديم سلسلة من البرامج المناسبة لشهر الصيام.
تمهيداً لما سأقدّمه الآن، أودّ سرد هذه الواقعة…


  أيّام الوحدة بين مصر وسوريا، كنتُ ضابطاً برتبة نقيب – يوزباشي – في سلاح المدرّعات، بين عدد كبير من الضباط السّوريين الذين نُقِلوا إلى العمل في الإقليم الجنوبي من ج ع م. حدث ذلك في أواخر العام 1959. وهكذا وجدتُ نفسي قائد سرية دبّابات في واحدٍ من ألوية الفرقة الرابعة المدرعة. وفي مطلع 1960 جرتْ اشتباكات في الإقليم الشماليّ – على جبهة الجولان – مع الجيش الإسرائيلي، لمّا قرّرتْ قيادةُ الجمهورية العربية المتحدة تحويل روافد نهر الأردن من منابعها في سفوح جبل الشيخ.


استَنفرتْ القيادة تشكيلات الجيش في الإقليم الجنوبي، تحسّباً لتفاقم الموقف، وأُرسلت فرقتنا مع غيرها إلى سيناء، قريباً من الحدود الدولية على المحور الأوسط، الواصل بين الإسماعيلية ومنطقة جبل لبنى. قضينا هناك عدة أشهر كان من بينها شهر رمضان.


يعرف العسكريون أنّ الإقامة في (الميدان) تزيد زمن التواصل بينهم، أكثر بكثير من الإقامة في الثَكْنة – القشلاق – كما تفرض على الجميع واجبات إضافية في تأمين المواقع وحراستها. وهكذا كنت أقوم بجولات في أوقات مختلفة، وخاصة ليلاً، من أجل تفقّد الحراسة ومعالجة المشاكل الطارئة كما يقضي الواجب.


ذات ليلة، وفي واحدة من الجولات، سمعتُ أصواتاً ترتفع من إحدى الخيام، فتوجّهتُ إلى مصدر الصوت، وتوقّفت على مقربة من الخيمة لكي أعرف أسباب الجدل قبل أن أتدخّل لفضّ "الاشتباك". كان أحد المجنّدين وهو (عسكري مؤهّلات)، أي أنه نال شيئاً من التعليم، يجادل العريف – الأومباشي – الرامي على مدفع الدبابة، حول موضوع "عائدية" سيناء. الأومباشي يصرّ على أنّنا في أرضهم والعسكريّ يرفض القبول بذلك. عندئذ صرخ الأومباشي : أنتَ مش بتقرا القرآن؟ أجابه العسكري نعم. فقال الأومباشي النبيّ موسى ده بتاع مين؟ – بتاعهم – طيّب موسى ده تاه فين؟ – تاه في سينا – احنا دلوقت فين؟ – في سينا طبعاً – شفت يا بني آدم إن إحنا دلوقت "في أرضهم" (طبعاً لم ينعته الأومباشي بني آدم).


عدت أدراجي إلى خيمتي، وقد عزمت على معالجة هذا الأمر الخطير، لأنّ الجندي الذي يعتقد بأنّه "يحتلّ" أرضاً للعدوّ بينما هو يحرس أرض وطنه، سيفقد عزيمته على القتال قبل خوض المعركة. فكيف إذا كان جذر هذا الاعتقاد دينياً مقدّساً…؟


طلبتُ في الصباح من قائد الكتيبة خيمة كبيرة، وضعناها في حفرة مناسبة وموَّهناها جيداً، ورحت أجمع فيها جنود السرية كلّ مساء، لتناول الشاي وتبادل شتّى الأحاديث ذات الصلة بواقعنا. بعد أيام أخذتُ الحديث صوب الفوارق الموجودة بين بني إسرائيل في القرآن الكريم، وبين إسرائيل اليوم، واستمرّ الحديث على هذا المنوال أمسيات متتابعة، بسطتُ خلالها تاريخ فلسطين وأهمّية أرض سيناء، كما ركّزت الاهتمام على وحدة المنطقة حضارياً، ووضعت الغزو الصهيوني لفلسطين في سياقه الاستعماري. حتّى أنّ "الحكاية" استغرقت سهرات رمضان كلّها تقريباً. وكنتُ أحاول إشراك الجنود في الموضوع عن طريق الأسئلة، وإعطائهم الزمن اللازم للكلام. كم كنتُ سعيداً ذات أمسية عندما اندفع عسكري المؤهلات هاتفاً : شفت يا أومباشي ان احنا مش في أرضهم. فلم يفتح الأومباشي فمه.


عادت هذه القصة إلى ذاكرتي بعد انقضاء نحو نصف قرن عليها، لمّا أتحفنا الداعية عمرو خالد في رمضان المنصرم بقصة خروج موسى إلى سيناء، مُقَدّماً إياها على أنها ذات أهمية كبرى لواقع المسلمين اليوم!… ذلك أنّ استحضار بني إسرائيل القُدامى، وهم قبائل كغيرهم من سكان الشرق الأدنى، تهوّدوا ثم تَنَصَّر بعضهم ودخل الإسلام آخرون منهم. هذا الاستحضار يؤدّي إلى خلط الأمور بشكل سلبيّ، على ضوء وجود دولة مُصطنَعة أعطاها صانعوها اسم إسرائيل عامدين تضليل الدنيا كلها. فأيّ شيء يجمع الخزر ذوي الأصول المغولية، ممن سكنوا حوض نهر الڤولغا والجبال المشرفة على بحر قزوين، وينتمون إلى "العرق الآري" رغم عدم دقة هذه التسمية، بسكان فلسطين القُدامى؟ هؤلاء الخزر الذين تَهوَّدوا منذ نحو ألف سنة، وانساحوا في أوروبا الشرقية بعد ضعف مملكتهم وإماراتهم، يشكلون أكثر من ثمانين في المائة من يهود العالم، وتهوّدهم لا يجعلهم يرتبطون بأرض الشرق الأدنى إلا إذا استرجعنا أساطير التلمود، واعتمدناها مصدراً تاريخياً يشرح مسالك الخروج إلى سيناء، ثم اغتصاب فلسطين. هل ينبغي أن نستحضر ما قاله بن چوريون لموشيه شاريت إبان الثورة الفلسطينية في ثلاثينات القرن العشرين، من أن الفلاحين الفلسطينيين الذين ظلوا في أرضهم، وتهوّد أجدادهم ثم تنصروا واسلموا، والذي نقاتلهم اليوم، هم أصحاب الأرض من مسلمين ومسيحيين، وليس من جاؤوا من أوكرايينا وروسيا ورومانيا وشبه جزيرة القرم، لكي يقتنع بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بمخاطر جعل قطعان المستوطنين الصهيونيين "بني إسرائيل" القدامى. لأنّ هذا الخلط هو ما تبحث عن ترسيخه الدعاوى الصهيونية؟


        لا أعرف ماذا يُعدُّه لنا الداعية عمرو خالد من وجبات فكرية دسمة نتناولها في رمضان القادم. لكنني أتمنّى أن يلتفت ولو لأمسية واحدة، إلى ما اقترحتُه عليه سابقاً، فيشرح لنا المسالك المؤدية إلى تنفيذ أمره جَلّ وعلا : "إنّ الله يأمر بالعدل". أليس من واجب الدعاة تذكّر هذا الأمر والعمل على كشف المسالك التي تؤدّي إلى نشر العدل في ديار المسلمين؟ مع كوني غير متفائل البتَّة في هذا المجال، ففي الردود التي تلقاها "الموقع" الذي نشَر اقتراحي على السيد عمرو خالد أن يُقدِّم شرح المسالك المؤدية إلى نشر العدل في بلاد المسلمين، على شرح مسالك موسى في سيناء، خاطبني أخ مسلم بقوله" "لستَ إلا حاقداً جديداً على الإسلام"…


        إنّ دعاة عصر "الفراغيات" يعرفون تماماً مدى امتلاء الرؤوس التي يخاطبون أصحابها بكل ما لَذَّ وطاب من التفاصيل المخالفة لجوهر الإسلام، والمتشبّثة بالمظاهر التي لا يخدع أصحابُها إلا نفوسَهم. لهذا تراهم يُمعنون في السعي وراء العادات والطقوس التي ألصقوا عليها علامات الإسلام، ويتهربون ببراعة من كل ما في الإسلام من جوهر يدعو إلى التغيير والتقدّم والعدل والمساواة.


        لا أدري لماذا أتذكّر ذلك "الأومباشي" وحكاية "إحنا في أرضُهم" كلما شاهدتُ داعيةً فراغياً يشرح التاريخ القديم على ضوء التلمود…
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This