الإبادة العرقية في دراما الخيال العلمي والخيال الأسطوري الأمريكية

رغم كلّ ما يطرح من مقولات عن كون الفنّ هدفاً بحدّ ذاته، وأنّه يجب عزله عن الأفكار السياسية والاجتماعية والمضامين الفكرية الأخرى مهما كانت، إلا أنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر أنّ الفنون (والدرامية منها على وجه الخصوص) لا تستطيع أن تعزل نفسها عن محيطها الاجتماعي والسياسي، ولذلك فهي غالباً ما تحمل بعداً سياسياً وكثيراً ما تطرح مقولات سياسية. ورغم ما يقوله كثير من المثقفين العرب دعاة الديمقراطية الذين يرون في أمريكا الخلاص المنشود من أنّ أمريكا هي أبعد ما يكون عن تحميل الدراما أيّة أفكار سياسية، سلبية كانت أم إيجابية، فإنّ هذا الطرح عار عن الصحة لأنّه ببساطة انتقاص من قيمة الدراما الأمريكية قبل أن يكون غير متعمّق في مضامينها، فالدراما الأمريكية غير خاضعة لأجهزة رقابة شبيهة بما يحدث عندنا، وهذا ما يسمح للعاملين بالدراما بطرح آرائهم السياسية، مؤيّدة لحكومتهم أو معارضة لها، مؤيّدة لأفكار معيّنة ومعارضة لأخرى.

وسنتعرّض هنا لفكرة الإبادة العرقية في الدراما الأمريكية وبالتحديد في أعمال الخيال العلمي والخيال الأسطوري، وهذا لأنّ الإبادة العرقية تتجلّى في هذين النوعين بشكل مختلف تماماً عن الأفلام الواقعية.

إنّ معظم الأعمال الدرامية المستندة على الخيال العلمي والخيال الأسطوري تقوم على صراع بين الخير والشرّ، وهذا ما يجعلها من أخطر الأنواع الدرامية لكونها تحمل مضامين ومقولات أخلاقية تساهم في بناء المنظومة الأخلاقية للمجتمع، وعند حديثنا عن الدراما الأمريكية فلا نبالغ إذا قلنا إنّها تسهم في صناعة منظومة أخلاقية للعالم كلّه، كونها مشاهدة في العالم كلّه تقريباً.

ظهرت أعمال الخيال العلمي مع بداية السينما في أمريكا، وبعد أن كانت بدايتها سعياً إبداعياً نحو تطوّر الجنس البشري وتخيّل اختراعات واكتشافات جديدة من نوع تحويل أعمال جول فيرن الروائية إلى أفلام، بدأت هذه الأعمال تنحو منحى مختلفاً مع تسارع التطوّر العلمي، فصارت غالباً ما تعالج المخاطر الكامنة وراء هذا التطوّر والهوس به، وإن كانت إرهاصات هذا النوع ظهرت مبكّرة مع أعمال من نوع Frankenstein و Dr. jekyll and Mr. hyde إلا أنّ هذه الأعمال الأولى كانت غالباً ما تحمل أبعاداً نفسية وأخلاقية حيث كان الصراع فيها صراعاً مع النوازع الشرّيرة في ذات البطل، ونادراً ما يكون الشرّير شريراً خالصاً، والأندر أن يكون الشرّ متمثّلاً في مجموعة لا في شخص واحد. ولكن مع دخول عصر أعمال الخيال العلمي المرتبط بالفضاء اختلف الأمر تماماً، حيث صار الشرّ غالباً متمثلاً في مجموعة من الفضائيين وأحياناً كثيرة في عرق كامل منهم، ويكون الواجب المقدّس للبشرية هي إبادة هؤلاء الفضائيين لئلا تفنى البشرية، ثمّ امتدّ هذا إلى أنواع أخرى من أعمال الخيال العلمي، وبخاصة في العقدين الماضيين.

وإذا أردنا أن نتناول أمثلة على هذا الأمر فالأمثلة كثيرة نذكر منها فيلم I Robot الذي تجري أحداثه في زمن مستقبلي حيث ينتشر الرجال الآليون ويقومون بالأعمال المهنية التي لم يعد البشر المتفرّغون لأعمال أخرى يقومون بها، وبالأخصّ الخدمة والأعمال المنزلية، وتحرص الشركات المنتجة لهؤلاء الآليين على برمجتهم لإطاعة الأوامر فقط باستثناء الأوامر التي تؤدّي لإيذاء البشر، ويبرمجونهم بحيث ينمو ذكاؤهم وتنمو مداركهم كالبشر إلا فيما يتعلق بالعواطف والانفعالات التي تعدّ من المحرمات عليهم، وهكذا يبقون مجرّد خدم وأتباع. ولكن فجأة يُقتل عالم يعمل بإحدى الشركات المنتجة للآليين وتتّجه الشبهات إلى أحد الآليين لمجرّد كونه أظهر بعض الانفعالات كالغضب. وبعد التحقيق يكتشف بطل الفيلم أنّ الأمر أعقد من مجرد آليّ ينفعل ويقتل حين يذهب لمكان يوجد فيه مجموعة من الآليين من نماذج قديمة تمّ استبدالها بأنماط أحدث، ولا يلبث الآليون الجدد أن يأتوا خلفه ليبدؤوا بقتل الآليين القدماء، وعندما يكتشفون وجوده يحاولون قتله وينقذه الآليون القدماء، وفجأة يبدأ الآليون الجدد ثورة للسيطرة على البشر ويأمرونهم بالبقاء في منازلهم. يظنّ المحقّق أنّ المسؤول عن هذا هو مدير الشركة المنتجة لهؤلاء الآليين لكنه يجده مقتولاً ليكتشف بعد ذلك أن المسؤول هو الكمبيوتر المركزي للشركة، فيتمكّن من القضاء عليه بمساعدة (طبيبة رجال آليين) والآلي الذي يملك مشاعر إنسانية ليعود الآليون لكونهم مجرّد عبيد، وليكتشف بنظرة المحقّق الثاقبة وغير المبرّرة أنّ قاتل العالم كان هو فعلاً الروبوت الذي يملك صفات بشرية، لكنه يسامحه لأنّ العالم أمره بقتله كي يتمكّن المحقّق من اكتشاف مؤامرة الكمبيوتر المركزي. إنّ نظرة أولى للفيلم توحي بأنّ الشرّير الذي تمّت إبادته هو الكمبيوتر المركزيّ فقط، ولكن بالتعمّق أكثر في الفيلم نجد أنّ من تمّت إبادته هم جميع الروبوتات القادرة على اتّخاذ القرار نيابة عن البشر، بحيث يظل العرق البشري هو المهيمن، ويظل الآليون غير قادرين على الشعور والانفعال، لأنّ هذا في النهاية أمر خطير كونها تتمتّع بالتفوّق على البشر في كلّ شيء وبالتالي يمكن أن تثور إذا انفعلت، ناهيك عن كمّ الآليين الذين قتلوا بدم بارد خلال الفيلم. وبالتالي فإنّ الإبادة كانت لعرق كامل من الحياة العاقلة ولو بشكل مجازيّ.

ويمكن أن نأخذ مثالاً آخر وأكثر خطورة من سابقه هو مسلسل تلفزيونيّ بعنوان Stargate S.G.1 وهو مسلسل تجري أحداثه في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، حيث يكتشف عدد من علماء الآثار حلقة حجرية ضخمة في مصر مصنوعة من مادة غريبة عن الأرض يتبين لاحقاً أنها جهاز انتقال، ينقل الأشياء في لمح البصر من كوكب إلى آخر قد يبعد مئات أو آلاف أو ربما ملايين السنوات الضوئية، صنعه عرق فضائيّ غريب ووضعه عرق آخر على الأرض وعلى كواكب أخرى، وهذا العرق اسمه غواؤولد وهم كائنات طفيلية أشبه بديدان ضخمة تعيش داخل كائنات أخرى، وتفضّل البشر أو الكائنات الشبيهة بهم، وهي تسيطر على عقول هذه الأجساد المضيفة لتتحوّل فعلياً إلى أجسادها هي، وهي كائنات لا تهتمّ إلا بالقتال والسيطرة والاستعباد، وهم العرق الشرير الذي تجب إبادته، إذ أنه يتفوّق على البشر في قدرته على التخفّي في أيّ جسد أمامه، إلى جانب تقنياته القتالية شديدة التطوّر، فهم يسعون للسيطرة على مجتمعات البشر أو الكائنات الفضائية الشبيهة بهم لضمان استمرار نوعهم غير القادر على الحياة إلا اعتماداً على هذه الكائنات. والسبب الذي يجعلنا نرى في هذا العمل خطورة أكثر من سواه على مستوى الإبادة العرقية هو أنّ للأشرار هنا أشكالاً بشرية. صحيح أنّها بالأساس طفيليات دودية الشكل ولكننا لا نراها إلا داخل الأجساد البشرية، وبالتالي فإننا نرى الشر متمثلاً في عرق بشري تجب إبادته.

وبالطبع فإن قائمة أعمال الخيال العلمي التي تحمل مضموناً مشابهاً كبيرة ولا مجال لذكرها كلها هنا، ولكننا سنذكر منها باقتضاب أفلاماً مثل mars attacks و evolution ومسلسلات تلفزيونية مثل they are among us وغيرها.

وبالانتقال إلى أعمال الخيال الأسطوري نجد أن هذه الأعمال لم تتمكن من تطوير الخيال الأسطوري أخلاقياً فيما يتعلق بفكرة الإبادة العرقية رغم إرث آلاف السنين من الحضارة البشرية، فالخيال الأسطوري الذي تخيّل كائنات تمثل الشرّ مثل التيتان والسيكلوب والأورك في أساطير الشعوب القديمة ما زال ينتج أعراقاً مشابهة الآن في أفلام ومسلسلات ينتج الكمّ الأكبر منها في أمريكا.

أول ما يتبادر للذهن عند حديثنا عن أعمال الخيال الأسطوري في أمريكا أفلام مصّاصي الدماء، وهي من أهمّ الأمثلة على موضوعنا، فمصّاصو الدماء كائنات ذات شكل بشريّ تماماً وإن كانت قواهم وصفاتهم غير بشرية، فهم لا يتحمّلون نور الشمس، ويتمتّعون بقوى جسدية خارقة في الغالب، ولا يمكن قتلهم إلا بنور الشمس أو الثوم أو الأوتاد الخشبية، وطعامهم الوحيد هو الدم البشري، وما إن يمتصّوا دماً من إنسان حتى يتحوّل إلى مصاص دماء آخر. وفي معظم أعمال مصّاصي الدماء تكون المهمّة الملقاة على عاتق بطل العمل أو أبطال العمل هي القضاء على مصاصي الدماء وإبادتهم لإنقاذ البشرية من شرورهم. والأعمال المستندة على هذه الأسطورة كثيرة جدّاً نذكر منها أفلاماً مثل interview with the vampire و blade وفيلم تحوّل بعد ذلك إلى مسلسل تلفزيوني هو buffy the vampire slayer والقائمة تطول.

ومن الكائنات الشريرة الأخرى التي تظهر في الدراما الأمريكية الأموات الأحياء (الزومبي zombie ) وهم بشر ماتوا ودفنوا ويعودون للحياة بعد موتهم، ولكن ليس كبشر إنما ككائنات ذات شكل بشريّ تسعى لتخفيف آلام الموت من خلال التهام البشر أحياء، ولا سبيل لإيقافهم إلا بطريقة واحدة تختلف من عمل دراميّ إلى آخر، فهم في النهاية أموات، ولكن معظم هذه الأعمال يتّفق في أمر واحد هو أنّ حرق هذه الكائنات يوقفها. وفي معظم هذه الأعمال تظهر هذه الكائنات في بلدة صغيرة، وعند معرفة السلطات الاتحادية بالأمر يلقون قنبلة نووية على هذه البلدة لإيقاف الخطر ليقضوا بذلك على البشر والأموات الأحياء معاً دون تفريق، وهذا ما يجعل هذا النوع من الأعمال من أسوأ الأعمال عند الحديث عن فكرة الإبادة العرقية. ومن أشهر هذه الأعمال أفلامnight of the living dead وdawn of the dead وshaun of the dead وهو وإن كان فيلماً هزلياً يسخر من الفيلم السابق إلا أنه يحمل تقريباً المضمون ذاته.

ويمكن أن نذكر مثالاً آخر يتمثل في مسلسل charmed، وهو مسلسل تدور أحداثه حول ثلاث شقيقات شابّات تتمتعن بمواهب وقدرات سحرية خارقة، تحاربن الشرّ متمثلاً في الشياطين الذين يظهرون في هذا المسلسل بشكل بشر عاديين، وبالطبع فإنّ الوسيلة الوحيدة لإيقافهم هي بقتلهم.

وبالطبع هناك أمثلة أخرى كثيرة على هذا النوع مثل أفلام lord of the rings وmummy وscorpion king.

إن أهم ما يميز أعمال الخيال العلمي والخيال الأسطوري الأمريكية هو اعتمادها الكبير على التشويق وقدرتها الكبيرة على اجتذاب المشاهد، إلى جانب كونها تكون غالباً إنتاجات ضخمة لاحتوائها على الكثير من المؤثّرات مما يجذب النجوم للعمل فيها، الأمر الذي يؤدي إلى انتشارها الأوسع بين الجمهور. ومكمن الخطورة في هذه الأعمال كما بينّا فيما سبق يأتي من تمثل الشرّ في عرق أو جماعة يمكن أن تتمثّل في شكل بشري، والحلّ الوحيد لإيقاف هذا الشرّ هو بإبادة هذه الجماعة كليا، وهو أمر إذا أخذنا معه الانتشار الواسع لهذا النوع من الأعمال يجعل المجازر التي ترتكب بحقّ شعوب كاملة أمراً أكثر قبولاً وأقل إثارة للاستياء والتقزّز، ما دام الهدف هو الدفاع عن الذات أو عن عرق أو دولة صديقة، لأنها تولد لدى المشاهد خوفاً من أيّ شرّ يمكن أن تمثّله مجموعات عرقية أخرى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق