الإخوان المسلمون “حلفاء محتملون” لواشنطن في مواجهة الإرهاب؟ / حمود حمود

عانت إدارة واشنطن بوش وبخاصة في السنوات الخمس تقريباً التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) من غياب إستراتيجية واضحة في حربها على الإرهاب، إلى درجة بلغ عجزها عن تحديد من هو عدو الولايات المتحدة، ما هو الخطر الحقيقي الذي يهدد أمنها ومصالحها في الشرق الأوسط، ومن هم الحلفاء الذين يمكن أن تتعامل معهم، الأمر الذي أدى في بداية الأمر إلى التعامل مع مطلق الحركات الإسلامية كـ “كل متجانس” يقف على أرضية أممية تهدد الغرب وتحديداً الولايات المتحدة. لكن هذا التهديد بقي في قراءة واشنطن على درجات متفاوتة بين أطياف الإسلام السياسي.

 

لكن بعد فوز الإخوان المصريين المفاجئ بانتخابات 2005 بنسبة 88 مقعداً بدأت هذه السياسة تتغير شيئاً فشيئاً، وأخذت سياسة التعميم تخبو، وإنْ كان كثير من الأميركيين ينظرون، حتى الآن، إلى ظاهرة الإسلام السياسي ككل بمثابة “بلشفية جديدة” والحرب معها طويلة الأمد.

 

تنظيم القاعدة بعد عقد من الزمن من جهد الولايات المتحدة المتواصل في الحرب ضده، ما زال يشكل “الخطر الأكبر” على أمنها ومصالحها في الشرق الأوسط، بالرغم من الإنجاز الذي حققته في مقتل أسامة بن لادن، زعيم التنظيم، وإضعاف قدراته الهجومية والإرهابية. الكثير من الخبراء الأميركيين يرون أن استمرار تزعم القاعدة لائحة الإرهاب يعود بشكل أساسي ليس إلى قدراته التنظيمية والقتالية التي انحسر رصيدها، بل إلى “الإيديولوجية العنفية” القوية التي تشكل بمثابة حاضنة وتبرر القتل وتحرض عليه. هذه الإيديولوجية التي ما زالت تجد لها “أرضاً خصبة” في كثير من بقاع العالم الإسلامي، وعند كثير من أوساط حركات إسلامية لا تنتهج العنف، إنما يمكن أن تتحول بأي لحظة إلى سلوك طرق الإرهاب أو تسهل الطريق له (Conveyor Belt) كما هو الأمر عند “حزب التحرير الإسلامي” أو “جماعة التبليغ”…الخ. وهكذا فإن مجرد بقاء هذه الإيديولوجية حيّة وفاعلة، ليس فقط داخل أوساط التنظيم، إنما عند من يشاطرونها الإيديولوجية (ويستطيعون نشرها)، يعني أن خطر القاعدة وأمثالها ما زال قائماً، حتى ولو تناقص عدد أفراد التنظيم إلى مئة إرهابي.

 

هل يمكن لواشنطن “التعاون” مع الإخوان في محاربة الإرهاب؟ وإذا كان الأمر بـ”نعم” ما هي الكيفية؟ إنّ التحالف أو مجرد الاتصال مع الإخوان المسلمين من طرف واشنطن، لا بد أن يُسبق من ناحية طبيعية بتبادل الثقة بينهما، أو على الأقل لا بد أن يعني هذا أنّ صانعي القرار الأميركي قد تخلصوا من هاجس “إخوانوفوبيا Ikhwanophobia“؛ والأمر نفسه ينطبق على الإخوان في نظرهم إلى واشنطن. لكن هذا لم يتحقق عند أي طرف منها، ولن يتحقق، حتى عند من يدعم فكرة الحوار مع الإخوان من الأميركيين. وإذا كان من الصحيح أنّ الإخوان والولايات المتحدة لم تصل علاقاتهم إلى حدّ “العداء التاريخي” على طول خطهم السياسي البراغماتي (بل لطالما خدم كل طرف منهما الآخر بمصالح معينة)، فإن حذراً متبادلاً بينهما، هو الذي كان يطبع الموقف. هذا الحذر لا ينطبق فقط على الإخوان، وإنما على حركات الإسلام السياسي عموماً. وبالتالي، التعاون معهم لن يتعدى إلى ما هو أبعد من خدمة مصالح أميركية معينة وفي محاربة الإرهاب، (الإرهاب المسلح تحديداً)…الخ.

مواجهة القاعدة إيديولوجياً “من داخلها”:

 

بغض النظر عن عدم الارتياح الذي سببته تصريحات كلينتون مؤخراً في نهاية يونيو (حزيران) عن “استئناف اتصالات محدودة” مع الإخوان، سواء عند أطياف كثيرة من الأحزاب العربية أو حتى عند البعض من صانعي القرار الأميركي، فإن سياسة أوباما المرنة التي قلصت من فرص الحسم العسكري في محاربة الإرهاب، بدأت من الواضح تركز على محاربة الإيديولوجية المتطرفة للقاعدة “من دخلها”، أي ضرب هذه الإيديولوجية وزعزعة أركانها بالمنطق الإيديولوجي نفسه. ولكون أن البنية العقائدية للتنظيم تنضوي في نهاية الأمر تحت أطياف الإسلام السياسي لكن بشكل مسلح، فإن الإخوان المسلمين (وهم اللاعبون الأقوى ضمن هذه الأطياف في كل رقعة العالم الإسلامي) سيأخذون الدور الأقوى في هذه المهمة، والعلاقة معهم ستكون ضمن إطار هذا المنحى في محاربة الإرهاب؛ ومؤخراً بدأت أصوات أميركية من صانعي القرار تنادي بقوة لإتباع هذه السياسة مع الإخوان، وذلك بتمكينهم هم في محاربة القاعدة، كـ “أحد الأدوات” في محاربة الإرهاب.

أساس هذه الرؤية، أن الإخوان المسلمين بالرغم من مطلبهم النهائي لإقامة دولة تتوسل تطبيق قوانين الشريعة (وهو ما يجمع تقريباً معظم من يستند على “إيديولوجية دينية” من أطياف الإسلام السياسي)، إلا أنهم لا يقومون بأعمال إرهابية مسلحة كما هو شأن القاعدة لتحقيق ذلك المطلب كما ترى الرؤية الأميركية؛ وهم بهذا يقفون على الجانب المعاكس والمنافس لنشاطات القاعدة (واشنطن أخذت بملاحظة معارضة القاعدة للإخوان المسلمين في العراق). لذلك يمكن لواشنطن “استثمار” الإخوان ضمن هذا الإطار:

 

تنظيماً، لا يخاطب الإخوان المسلمون مجتمعاتهم من “خارجه”، وإنما من طداخله”، من خلال سيطرتهم ونفوذهم الأفقي الممتد اجتماعياً جراء أنشطة الجمعيات الخيرية وبعض النشاطات الفنية والإعلامية والثقافية…الخ. بينما القاعدة تعمل وتخاطب الجماهير المسلمة من “خارج” المجتمع، هذا فضلاً عن الفارق في الرصيد الكبير لجماهير الإخوان مقارنة بالقاعدة وسط الشرائح العربية والإسلامية. لهذا تلح الولايات المتحدة من طرف خفي حيناً وعلني حيناً آخر على نشر ما يسمى بـ “الإسلام المعتدل”، لا بل الذهاب أبعد من ذلك من خلال حض العرب على احتذاء “النموذج الإسلامي” بنسخته التركية الذي لا يشكل خطراً على أمن أميركا ضمن “المدى المنظور” فقط.

 

حتى ولو كانت “إيديولوجيا الاعتدال” تكتيكاً إخوانياً سياسياً، يفرضها الشرط التاريخي والسياسي، فإن كثيراً من الأميركيين يعتقد أنّ الإخوان يتمتعون بها (على الأقل ظاهرياً)، وبالتالي هي من بين ما يمكن استثماره لمحاربة القاعدة إضافة إلى “الشكل التنظيمي” لهم وتغلغله داخل أروقة المجتمع، وإن كان الأميركيون يميلون أكثر إلى استثمار الشكل التنظيمي لهم، أكثر مما الى الإيديولوجية الإخوانية. لهذا يمكن للإخوان المسلمين من هذه الناحية أن يشكلواً “حاجزاً منيعاً” (كما هو الرأي الأميركي) في وجه إيديولوجياً القاعدة المفتقرة تنظيمياً إلى “المركزية”، وذلك من خلال تمكين وتفعيل إيديولوجيا الإخوان وسط الجماهير العربية والمسلمة. وليس هذا بالأمر المفاجئ إذا اتبعت واشنطن هذه السياسة.

 

التحالف من قبل الطرفين ليس تحالفاً استراتيجياً بقدر ما هو “تكتيكي” و”وظيفي”. والآن بعد تفتح نافذة “الربيع العربي” تعرف الولايات المتحدة ماذا يريد الإخوان وما هي حدود قدراتهم على الأرض وقوتهم بين الأطياف السياسية؛ وكذلك الأمر ينطبق على الإخوان: إن نجاح أي صيغة للتحالف بين الطرفين يكمن في ما يحققه كل منهما للآخر في تأمين مصالحه وسياساته. لقد عبر أحد الخبراء الأميركيين، وهو أحد الداعمين، لفكرة الحوار بالقول: “لمجرد أن تضمحل القاعدة كبؤرة مركزية للمصالح الأميركية، فإن الحسابات السياسية حول الإخوان المسلمين ستتغير بالطبع”!.

 

لا يمكن تصور أن الولايات المتحدة ستصل الى حد اعتبار الإخوان “ليبراليين” بما فيه الكفاية، حتى ولو أعلنوا مؤخراً عن انضوائهم في حزب (؟) فإنهم سيبقون “إخواناً”.

 

تدرك الولايات المتحدة تماماً أن الإخوان يسعون في أجنداتهم النهائية إلى إقامة دولة إسلامية، لكنها بنفس الوقت تدرك أكثر أن الإخوان أنفسهم لا يعرفون “معنى” تلك الدولة المرجوة ومدى ملائمتها في التاريخ المعاصر، هذا فضلاً عن افتقارهم الى امتلاك قواعد تلك الدولة المرجوة. وبشكل مختصر، لا تتعاطى سياسة الولايات المتحدة مع هذا المطلب إلا بكونه “حلماً رومانسياً” في أحسن حالاته، قد طاول ماركس قبلهم، وبالتالي لا توليه كثيراً من الأهمية. لكنها بنفس الوقت حذرة في الامتداد مع الإخوان أكثر مما تبتغيه تأمين مصالحها الإستراتيجية ومحاربة الإرهاب..الخ.

 

وبانتظار ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات المقبلة، من المرجح أن تقوى هذه العلاقة بين الطرفين وبخاصة مع تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة، وتشرذم القوى السياسية، والغياب الواضح للبرامج الحقيقية.

 

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 30/10/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق