الإرهابي الحديث

يسير بنا السارد عبر لغة هادئة، مكثفة، شائكة وبطيئة إلى مطارح طفولته وحياته، فنتعرف معه على منزل الأب حيث عاش معه حياة عادية ليس فيها ما هو استثنائي أو خارق دفعه إلى هذا المصير – قاتل محترف في منظمة إرهابية – ونتعرف أيضا إلى مقر عمله حيث عمله يمضي ساعات طويلة روتينية خلف طاولته في شقة صغيرة، مع أربعة من الأعضاء الآخرين، كل واحد يعرف عن زملائه الآخرين من المعلومات أقل مما يعرفه عن الناس الذين يشاهدهم في الشارع، يجمعهم مكان العمل وتفرقهم المهام الموكولة إليهم. عملهم هو دراسة جميع الملفات والصور والظروف الخاصة بالعمليات المطلوب تنفيذها، وعملية بطل الرواية هي اغتيال أديب مشهور ومعروف على نطاق واسع داخل البلاد وخارجها، ولذلك يمضي سحابة نهاره في تأمل وقراءة أعماله الأدبية كلها وإعادة قراءتها ثم قراءة المكان الذي ستجري فيه عملية الاغتيال – من خلال صور فوتوغرافية – وهو عبارة عن ساحة عامة في قرية بعيدة حيث يقيم الأديب. وتتمثل قراءته للمكان عبر الصور في نقل المكان من حيز الصورة إلى فضائه الذهني، حيث تتحرر شخوص الصور من ثبات الحركة وجمودها وتتحرك في خياله وتتأنسن الوجوه ويسري فيها ماء الحياة، محاولا من خلال ذلك حصر كافة الاحتمالات الخاصة بالمكان في سبيل إنجاح العملية بالشكل الأمثل، والصور التي بين يديه هي جزء من ملف كامل أعدته المنظمة الإرهابية عن الأديب. وفيه يتعرف الإرهابي على الحياة اليومية لضحيته بالتفاصيل الكبيرة والصغيرة. وجميع ساعات انشغاله بالملف هي ولوج إلى عالمه الخاص وكشف لحياته الخاصة بهدف إنارة مناطق العتمة فيها، إنه القاتل، يتقمص ضحيته فيقرأها قراءة دقيقة، عميقة فلا يترك لأي شاردة تفلت من يده لدرجة يتداخل فيها الإعجاب الشخصي بواجبات العمل فهو من أكثر المعجبين والمتحمسين لأدب الضحية، وطالما قرأه بشغف وأناة وذهول، خاصة من قدرته الفائقة على ابتكار وخلق حيوات إنسانية متصارعة وسبكها في شخصيات واقعية تنفتح دواخلها النفسية متشابكة مع ظروفها الحياتية ليكتمل بناء روائي أدهش بطلنا، بل وأحبطه أحيانا خاصة عندما تعلق الأمر بعوالم وتحليلات خاصة بالجريمة والعنف، اعتقد أنها خاصة به ومن بنات أفكاره ليجدها في مؤلفات الأديب وقد كتبها قبل ولادته بسنوات .

” شعرت بالغضب أيضا. كان كل الأشياء التي اكتشفتها وناضلت من أجلها في حياتي، كانت، بعد هذا كله، شائعة، عادية جدا – متوقعة، موصوفة، معلنة قبل عقد من ولادتي ” ص 57 .
بالطبع لن يضيف ذلك دافعا جديدا للقتل، إنما يدور في إطار العلاقة الخاصة والشخصية جدا التي حكمت الرجلين، على الأقل من وجهة نظر القاتل التي نعرفها الآن بشكل جيد بناء على الكم الهائل من التفاصيل عن حياته، المتاح له معرفته وتوغله فيها وتخيلها من جديد لدرجة يصل القاتل إلى فكرة أن الأديب يعرفه تماما ويعرف ماذا ينوي أن يفعل وأن الاغتيال برمته مكشوف .

كان ذلك الإحساس ناجما عن صلة توطدت يوما بيوم بينهما، توطدت قسرا وإكراها، لا اختيار فيها، إنما اقتضتها ظروف معينة، وحميمة الصلة لن تجعل من عملية القتل بالنسبة للقاتل أكثر من فعل ذبح عادي، ليس ثمة إدعاء أخلاقي، ما من مبررات يسوغ بها لنفسه ولنا جريمته، هو لا يرى الأمر على أنه استثنائي ولا يحتاج منه إلى محاجة دفاعية لأنه ليس في موقع اتهام، والموت الذي سيحصل مثله مثل أي موت آخر يحصل بمحض المصادفة، غير معزول عن سياقه، كأن يموت رجل بناء نتيجة وقوعه من فوق إحدى السقالات أليس ذلك موتا عاديا؟ هل في الأمر ما هو استثنائي ويستدعي الكثير من التأمل؟ والاغتيال في أحد جوانبه هو موت عادي. ثم إن الجريمة ليست استثنائية وقت حدوثها وإنما فيما بعد، عندما تنشر الصحف أخبارها، ساعتها سيتعرف عليها ملايين القراء وستقترن بكلمات محددة (اغتيال ـ قتل وحشي ـ جريمة نكراء ـ عنف أهوج ـ فوضى.) ص90 أي يتم نقلها من مستوى الواقع إلى مستوى الأخبار والتلقي. أي بجرة قلم تم مسح القتيل ورفع إلى مرتبة الرمز وعالم الكلمات النمطية الجاهزة الخاصة بأي / وبكل جريمة. صارت الضحية مادة إخبارية، صحفية، خبرا إعلاميا، وبالتالي جردت من إنسانيتها ففقدت نبضها الإنساني، كأن ثمة تواطؤ بين القاتل ووسائل الإعلام، كان الأديب وكل ضحية أخرى هو ضحيته، لنقرأ ما كتب ” الجريمة تغدو حقيقية لأنها نشرت في الصحف، لأنها دعيت عنفا أهوج وفوضى، لأنها تبلغ ذهن القارئ مجموعة من المقاطع المتفجرة. إن ما نرتكبه هو جرائم لغة، أي ضحية هو أكثر مناسبة من أديبنا العظيم، وأي مثار للسخرية أكثر، أو أي تلاعب قاتل حسب طريقته أكثر، من إخضاعه إلى أكثر التعابير تفجرا وابتذالا، هذا الدخول في قلب تلك الحقيقة (أو اللاحقيقة)، أي حرب الكلمات ” ص90.

إنه بنقله الجريمة إلى مستوى التعابير الإعلامية الجاهزة السريعة والمبتذلة، النمطية والخائبة، قد تنصل من أي سؤال أخلاقي فليس ثمة جوهر أخلاقي ثابت يشكل معيارا يمكن الاتكاء عليه في تحديد أخلاقية أو لا أخلاقية الاغتيال. فكما هو القاتل، بارد، عديم الرأفة، ميت القلب تجاه الضحية، كذلك هي وسائل الإعلام حتى وهي تستخدم أشد التعابير إدانة وتجريما. والمسألة ببساطة هي على الشكل التالي ” لقد استدعيت فقط لأكون قاتلا. فعل ذبح عادي، ممثل مجهول للقوى المضادة ” ص91.

الجريمة تحدث فعلا وبدقة، عدا عن موت الكاتب تموت معه ابنته وهو أمر لم يكن مطلوبا، ولكن استماتتها في الدفاع عن والدها وضعتها أمام القاتل وجها لوجه، فلم يتردد لحظة في قتلها حتى يصل إلى هدفه الرئيسي، ثم ينسحب بسرعة من الساحة ويتمكن من الهرب من الشرطة وتنتهي الرواية وهو طليق في أحد بساتين القرية بين أشجار التفاح .

كان يفكر أحيانا وهو يرى صور الساحة التي سيتم فيها تنفيذ الاغتيال، أثناء التحضير للعملية، كان يفكر بعودته إلى الساحة نفسها بعد التنفيذ، مع زوجة وطفل ربما بعد عشرين عاما، كسائح حقيقي، سائح مر من هنا سابقا ونقل جريمة حقيقية إلى حرب كلمات على صفحات الجرائد، وهاهو ينجح بالتنفيذ ويغدو طليقا بيدين نظيفتين، إنه إرهابي العصر الحديث ليس بحاجة إلى عقيدة يؤمن بها، يقاتل في سبيلها ” فكرة بالية تلك القائلة بأن كل العقائد التي تخضع الفرد لفكرة أوسع هي دينية . الصورة التي أفضلها هي صورة الرياضي، وهو يعيش يوما بعد يوم، في كل عصب من جسده، وفي كل عرق من إرادته، مع حدث ” ص 29 .

لذلك نراه يسخر من فوضويي القرن التاسع عشر وتبتلهم الزائف مقاربين معنى ما في حين حياتهم، فهل خلت حياة الإرهابي، بطل قصتنا من المعنى أم أن سؤال المعنى مازال قائما ؟
بالتأكيد مازال قائما، فحتى خلوّ حياته من معنى هو في حد ذاته معنى … هو معنى الإرهابي الحديث ” آه، إن العالم جد غريب، جد حزين، لكنه ممتع حقا ”

رواية “الإرهابي ـ ملعبة طفل”
المؤلف: ديفيد معلوف
المترجم: سعدي يوسف
إصدار دار المدى ـ دمشق .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This