الإرهاب بين محاربيه ومستخدميه / عبد الوهاب بدرخان

ترافق الانسحاب الأميركي، وهو ليس النهائي، من العراق مع توقعات بأن "القاعدة" ستكون الرابح الأكبر، وهي لم تتأخر في تأكيد ذلك عبر سلسلة عمليات شبه يومية تعمدت الإيحاء بأن هذا التنظيم الإرهابي لا ينفك يتوسع جغرافيّاً. في الوقت نفسه اتسمت ضربات حركة "طالبان" أخيراً بنوعية جديدة في الاستهدافات وكذلك في أنها تنتقل إلى مناطق ظلت طوال الأعوام السابقة هادئة وبالتالي مزدهرة. وينطوي أي سيناريو للانسحاب من أفغانستان على مخاوف من احتمال عودة "طالبان" لفرض سيطرتها.

 

رغم هول الكارثة الإنسانية التي تسببت بها الفيضانات في باكستان، وعجز الإمكانات المحلية والخارجية عن السيطرة عليها، فإن الهمّ الآخر الذي أقض المضاجع كان ولا يزال في استغلال "طالبان باكستان" للظروف سلباً بمواصلة نشاطها وإيجاباً بمنافستها السلطات كافة في أعمال الإغاثة ولو بقدرات متواضعة لكن ملموسة لدى المنكوبين. ومن جهة أخرى طرحت التساؤلات الكبرى عما سيكون عليه الوضع في مرحلة ما بعد الكارثة، وهل تصمد الدولة أم تنجح "طالبان" في تفكيكها.

 

مع هذا التواصل بين العراق وأفغانستان، تبدو بؤرة أخرى ممتدة من اليمن إلى الصومال وصولاً إلى مثلث الجزائر -موريتانيا -مالي وكأنها تنظم صفوف "قاعدييها" من دون أن تزعجها أي "حرب على الإرهاب". ففي غرب أفريقيا استطاعت "القاعدة" أن تؤمن لنفسها تمويلاً مهمّاً عبر عمليات الخطف، ومثلها مثل أخواتها في شرق أفريقيا تداخلت مع أنشطة التهريب. وتتبادل مع العصابات حمايات ومكاسب، مستفيدة من أن تجربتي أفغانستان والعراق باتتا كفيلتين بتحريم أي تدخلات عسكرية احتلالية من جانب دول غربية متحالفة.

 

بعد نحو عشرة أعوام على المجاذبة الفعلية والمباشرة للإرهاب، ورغم التقييم الإيجابي الذي يقول دائماً إن الحرب استطاعت أن تكسر زخم العنف والتطرف، تمكن الإشارة إلى اتجاهين تطورت فيهما الوقائع، الأول أن الدول التي تصدت للمهمة من خلال تحالف دولي بقيت في إطار خطط تضعها الجيوش النظامية، ولم تستفق إلا متأخرة لتعطي الجوانب غير الأمنية الأهمية التي تستحق، فجاءت نوايا التنمية ومشاريعها متأخرة أيضاً، ولكنها مع ذلك ضرورة، أما الاتجاه الآخر، والأخطر، فهو أن محاولة تطبيع الوضع في أفغانستان هزّ الاستقرار في باكستان وهو كان هشّاً في الأصل، ثم إن احتلال العراق أوجد منطقة عمليات جديدة للمطرودين من أفغانستان، واستطراداً أصبحت هناك "أفغانستان طالبانية" جديدة اسمها الصومال، فضلاً عن "باكستان" أخرى مضطربة هي اليمن. فالنموذجان يحملان العناصر ذاتها.

 

وفي موازاة ذلك تتعرض الدول الغربية أكثر فأكثر، الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، إلى ظاهرة الإرهاب المستولد من داخلها، بعدما نجحت في سد المنافذ أمام الآتين من الخارج. في بريطانيا استطاع هذا "الإرهاب الداخلي" أن يخترق النظام الأمني عام 2005، وفي نيويورك أوشك أن ينجح في إحداث صدمة جديدة، وفي إسبانيا كان خليطاً من وافد ومقيم… ما يعني إبقاء الأجهزة الأمنية مستنفرة بلا أي خطأ، ومع ذلك تمكن الشاب النيجيري من أن يستقل الطائرة متوجهاً إلى ديترويت في عيد الميلاد 2009 ليعيد التذكير بأن التنسيق بين الدول المتحالفة ضد الإرهاب كان ولا يزال يعاني من ثُغرات ونواقص لا أحد يستطيع تبريرها إلا بكون الأجهزة حافظت على تقاليد عمل لم يفلح حتى التهديد المشترك بها في تغييرها.

 

لم يأت التقرير البريطاني الأخير عن السجون التي باتت تخرج متطرفين بأي جديد في استنتاجاته، ولم يعرف إذا كان اقترح توصيات للمعالجة. فقبله توصل الأميركيون إلى الاكتشاف نفسه في تجربة "معتقل جوانتانامو"، وبات معروفاً الآن أن عشرات من الذين أفرج عنهم عادوا إلى أنشطتهم السابقة، وبمناصب قيادية. أكثر من ستمئة وصلوا إلى جوانتانامو ولم توجه اتهامات سوى لعدد ضئيل منهم، وأكثر من ثمانمئة يوجدون في سجون بريطانيا ولم توجه اتهامات، ثم إن مئات مروا بالسجون السرية أو لا يزالون فيها. جميع هؤلاء، معتقلون أو مطلقون، أصبحوا الآن أكثر خطراً مما كانوا قبل الاعتقال.

 

هذه الصورة لحالة "الحرب على الإرهاب" هي، على الأقل، لحرب لا تزال دائرة ولم تقترب بعد من نهايتها، وأسوأ ما فيها أنها لا تقدم إجماعاً دوليّاً على محاربة هذه الظاهرة، بل إن سياسات ما قبل الحرب استمرت أثناءها وواصلت تغذية الانقسام الذي يطيل عمر الإرهاب بين محاربيه والمستفيدين منه.

 

عن جريدة الاتحاد 31/8/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق