الإسلاميون ومجتمع الخراب (3)

1. وضعية الإنسان في الدولة الإسلامية بين الفقه والتشريع المدني

 من البديهي بذاته أن التشريع في أي دولة مُتحضّرة يتعامل مع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وفي هذا الإطار لا يدخل العامل الديني أو العرقي أو اللغوي أو أي عامل خارجي آخر في تشريط القانون وإدارة مؤسسات الدولة. لكن في الدولة الإسلامية هذا الأمر لا يستقيم أبدا، لأن مَن ينطلق من فكرة مِعيارية تُقيِّم البشرية مبدئيا بحسب المعتقد الديني، وتُعطي لدين واحد الأحقيّة التامة والصلوحية التاريخية الكاملة، وتعتقد جازمة بأن ما خلاه من الأديان هي باطلة أو محرّفة، فإنه بالتأكيد لا يمكن أن يؤسس لدولة ديمقراطية أو يَبني مجتمعا مدنيا يَنعم فيه جميع أفراده بالمواطنة الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات.

يقال إن قاعدة التعامل في المجتمع الإسلامي هي المساواة، والأمر الثابت هو أن القرآن ينصّ على أن لا إكراه في الدين، وهذه الآية النافية للإكراه، في رأي الغنوشي، «متّجهة إلى الناس جميعا[1]»، بمعنى أنها صالحة كقاعدة أولية لا يمكن خرقها بأي حال من الأحوال وتحت أي ذريعة كانت. من المفروض أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، لكن بما أن هناك في الفقه الإسلامي حيل يمكن الالتفاف بها على القاعدة وطُرق شتّى للحدّ من صلوحية المبادئ الكلّية، كذلك يفعل الإسلاميون المحدثون لإقامة الاستثناءات وتبرير الإقصاء. الغنوشي بدوره حاول تحييد هذه القاعدة بالقول إنها صالحة لكل الناس «ما لم يرفعوا السلاح في وجوه المسلمين عدوانا وظلما، ويمنعوا الدعوة إلى الإسلام، فإذا فعلوا ذلك كان مجال عمل آيات القتال[2]». يعني، إن فهمت جيدا أفكار هذا الرجل، أن الإسلام كالحرباء يبدّل من لونه كلّما تبدل الوضع والمكان والظرف وميزان القوى. لا يركن لمبدإ واحد ولا يستقرّ على قانون أوحد. فمن جهة ينفتح على الناس جميعا نافيا مبدئيا الإكراه في الدين، ومن جهة أخرى يُجيز تفيعل آيات القتال، ويسمح لنفسه بمحاربة الأمم الأخرى والاعتداء على سيادتها الوطنية، تحت تعلّة أنهم أغلقوا الابواب أمام الدعوة للإسلام.

هذه الضبابية المفهومية، وهذه الازدواجية في المواقف يمكننا أن نستجليها إن قرأنا أي كتاب في الفقه الإسلامي القديم. إنّ آية لا إكراه في الدين قد تُركت منذ زمان، ولم يعد لها أي مفعول تشريعي، وعلى العكس من ذلك فإنّ المسلمين، حتى في تعاملهم في ما بينهم (حروب الردة مثلا)، لم يسيروا إلا على آية السيف. ابن تيمية وهو المرجعية الأولى للسلفية الوهابية ولكافة الحركات الإسلامية المعاصرة، في كتابه السياسة الشرعية يوضّح هذا الأمر قائلا إن « أصل القتال المشروع ـ وهو الجهاد ـ مقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمَن مَنع هذا قُوتِل باتّفاق المسلمين[3]». يعني حربا عدوانية شاملة ضد كل الدول وكل شعوب الأرض قاطبة دون استثناء. وهناك من الفقهاء المسلمين، يقول ابن تيمية، من يُبيح «قتل الجميع بمجرّد الكفر، إلاّ النساء والصبيان لكونهم مَالا للمسلمين». دمار شامل وقتل ونهب وسلب واسترقاق ومعاملة النساء والاطفال كالدواب، ومع ذلك يتشدّقون بآية لا إكراه في الدين.

هذه الازدواجية في المواقف والضبابية المقصودة أحيانا والتي يُبديها الإسلاميون في جميع خطاباتهم، تَلتَهِم كل شيء وتَمتدّ لتشمل حتى مواقفهم من أهل الديانات الأخرى في المجتمع الإسلامي. القاعدة المبدئية هي المساواة بينهم وبين المسلمين، ومع ذلك فالاستثناءات موجودة في هذه الحالة حتى وإن حصرناها في ما أسماه الغنوشي «مقتضيات النظام العام أو هويّة المجتمع ونوع القيم العليا التي تحكمه[4]». إنها شروط ليست بالهيّنة على الإنسان الذي ليس هو بمسلم في مجتمع مسلم، لأن مقتضيات النظام العام، والقيم العليا المتحكمة في المجتمع، التي هي بلُغة فَصيحة “الشريعة الإسلامية”، يمكن أن تتوسّع لتشمل كل شيء بما في ذلك حرية الشخص في أن يكون مسيحيا أو يهوديا أو صابئيا. ولذلك فإن مخاوف المسيحيين العرب من أن تَلتَهِمُهم الدولة الإسلامية السلفية وتُوقِع بهم وتُهمّشهم، بل وتُهجّرهم أو تُبِيدهم حتى، لا يمكن أن يُهدّئها خطاب إسلاموي سلفي ضبابي، متناقض، لا يستقرّ على قاعدة ولا يتمسك بقانون واضح. الإسلام يقول الغنوشي «كفلَ لأهل كل عقيدة حق إقامة المعابد وإقامة الشعائر بها»، لكن سريعا ما يتدارك الموقف لكي يُعلن أن ذلك مكفول في حدود معينة. ما هي هذه الحدود؟ «رعاية الرأي العام، والذوق العام للأغلبية». إنها تعلّة هيّنة لكي لا تُبنَى كنائس ولا تُرمّم أي دور عبادة غير المساجد. فالرأي العام إذا ما دُمْغِج من خلال الفضائيات السلفية، وعُجّ بالأحقاد ضد الاديان الاخرى، وإذا تَركّز الأمر على ذوق الأغلبية المسلمة فإنه من المحال إقامة أي دور عبادة في الدولة التي تقطنها أغلبية مسلمة. (حالة أقباط مصر والمعانات الفضيعة التي يعانونها من الوهابية ومن القوانين التعجيزية للدولة هي الحالة المثلى في هذا الصدد).

ويحق لنا أن نتساءل: عن أي إسلام يتحدّث الغنوشي؟ ما هو هذا الإسلام الذي يكفل لأهل كل عقيدة حق إقامة المعابد؟ إذا رجعنا إلى المدونة الفقهية الإسلامية، التي هي إطاره المرجعي الثابت، فإننا نجدها تَحتقر المسيحيين وتقهرهم، والشريعة تعج بالقوانين الجائرة المُهينة والعنصرية ضدهم، ومنصوص في القرآن أن أهل الكتاب، هم كفار لا يحرّمون ما حرّم الله، يجب محاربتهم، وإن رضخوا للسلطة يجب عليهم أن يدفعوا أموالا للمسلمين وهم في وضعية إذلال ومهانة. إن تخريجات راشد الغنوشي تبدو وكأنها متأتية من عالم آخر، من عالم خيالي، مصطنع من رأسه إلى أساسه. نحن لا ننكر حقيقة أن كل الأديان تقريبا اضطهدت مخالفيها، وهدّدتهم بالموت في الحياة الدنيا، وبالعذاب الدائم في الآخرة. لكن بالنسبة للغنوشي الاسلام يختلف عن الاديان كافة ويَعلو عليها كلها من حيث أنه ضَمن لغير المسلمين كل شيء بما في ذلك حرية التعبير، سواء بالدفاع عن عقيدتهم أو الدعوة إليها أو نقد غيرها. نحن هنا أمام مجتمع حرّ يكفل للجميع حق التعبير والنقد، ينبذ العنف مبدئيا، يساوي بين أفراده دون استثناء ودون شروط تعجيزية خارقة، وينأى عن كل فكر أحادي أو إيديولوجيا يَبغي أصحابها فرضها بالقوة على رقاب الناس. إلاّ أن الأمر ليس هو بالمرّة على هذه الصورة، فالحرية التي يَعنيها الغنوشي، ليست الحرية المدنية الشاملة، بل حرية محدودة تنحصر فقط في مجال العقيدة الدينية، وأظن أن العقيدة الدينية تنحصر هي بدورها في الديانتين التوحيديتين اللتان اعترفت بهما الدولة الإسلامية قديما وجعلت معتنقيها مواطنين من الدرجة الثانية، وسمّاهم المسلمون ذميّين. أما الذين لا يندرجون تحت هذا التصنيف، أو أولئك الذين ليس لهم دين ويلحدون بالإله وبكل الأديان، فإن الغنوشي لا يشملهم بهذه الحرية. فالذمي «له الحق في إذاعة قيم هويته في وسطه الخاص، أو في الوسط العام» على شرط واحد ـ وهو شرط تعجيزي مستحيل التحقيق ـ أي «عدم انتهاك الشعور العام للمسلمين[5]». الحقيقة هي أن غير المسلمين طبقا لتحديدات الغنوشي لا يتمتّعون بأية حقوق، لأن الأغلبية تفرض عليهم إطارا قانونيا، مرجعيته الشريعة «في الحدود التي لا تجرح مشاعر الأغلبية[6]».

هذا في ما يخص الذمي، وهي تسمية تحقيرية يستعملها الاسلاميون عن قصد، وتعني من هو غير مسلم يعيش بين أغلبية إسلامية. أما المسلم الذي تَرَك دينه فوضعيته الفقهية هي وضعية المرتدّ في مصطلحات المسلمين، وفقهاء الإسلام اعتبروا الردة جريمة خطيرة، كما يؤكّد الغنوشي «ولقد نصّت آيات الكتاب على استبشاع هذه الجريمة في مواضع كثيرة وتوعّدت مقترفها بأشد العذاب، دون نص على عقوبة محددة في الدنيا، غير أن السنة نصّت على القتل “من بدّل دينه فاقتلوه” وأجمع الأصحاب رضي الله عنهم عن قتال المرتدين، ولم يختلف أهل العلم في اعتبار الردة جريمة».

أيّ صنف من القانون هذا الذي يُخوّل قتل مواطن بدّل دينه أو انسلخ منه؟ أهذه هي الحريات العامة المُبشّر بها في الدولة الإسلامية؟ ألا يتضارب هذا الحد مع أبسط مقوّمات حقوق الإنسان؟ فلنتصوّر لبرهة من الزمن كيف سيكون عليه الحال لو أن دولة غربية شرّعت في دستورها لشيء من هذا القبيل، ورفعت الحصانة عن كل من بدّل دينه من مواطنيها، وحلّلت دمه وماله وعرضه، ألا يعمّ البلاء على المجتمع بأكمله؟ ألا تُكبت الحريات وتُضطهد الأقليات وتحل محل الديمقراطية، ثيوقراطية دينية رهيبة؟

هذه الإشكالات القانونية والأخلاقية لا تعني الغنوشي وجمهور الاسلاميين عموما طرفة عين: الردّة جريمة وكفى. النقاش، حسب رأيه، إن كان هناك فعلا باب للنقاش، يَقتصر فقط على المسألتين التاليتين: «هل الردّة جريمة سياسية تتمثل في الخروج عن نظام الدولة، وبالتالي يُترك للإمام معالجتها بما يُناسبها من التعازير، أم هي جريمة عقيدة تدخل ضمن جرائم الحدود التي هي حق الله فلا مناص للإمام من إقامة الحدّ فيها؟[7]». والقارئ قد يتفطّن بمفرده أنه بأي حلّ أخذ فإن أحلاهما مرّ. الحل الذي يرجّحه الغنوشي هو أن الردّة في حد ذاتها جريمة، وهي أشدها، لأنها جريمة سياسية والمشرّعون قصدوا بها «حياطة المسلمين، وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية من نيل أعدائها». عقوبتها هي التعزير لا الحدّ، هكذا يَتَرحّم الغنوشي على المواطن التونسي الذي تخلى عن الاسلام ودخل المسيحية أو البوذية أو الهندوسية. إن شأن من يبدّل دينه كشأن من اقترف جريمة سياسية بحيث إنها « تُقابَل في الأنظمة الأخرى بجريمة الخروج بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته[8]». ألا تتضارب هذه مع المادة 18 من حقوق الإنسان التي تنصّ بالحرف أن: ” لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة”؟

أظن أن الإسلاميين، تماشيا مع ازدواجيتهم المعهودة، قد يقبلون بهذا البند ولكن في اتجاه واحد، لأن من يبدل دينه ويدخل الإسلام فهو ليس بمرتدّ، أما العكس فلا. والسبب في ذلك هو بالدرجة الأولى سبب عنصري، بل ربما خليط من العنصرية والغرور والإعلاء من الذات، مَبنِي على الإعتقاد في فساد كل الأديان الأخرى ما عدا الإسلام، دين الفطرة حسب ادعائهم. فالإسلام، في رأي الغنوشي وما أجمعت عليه السلفية، هو الفطرة بعينها الكامنة في جبلّة كل إنسان «حتى أنه لو خُلّي بينها وبينه في جوّ من الحرية والنزاهة لما وجدتْ سبيلا لغير اعتناقه». ليست العنصرية فقط، كما قلت، بل الغرور المفرط الذي حمل هذه الفصيلة من الناس على اتهام كل من لا يعتنق الإسلام بأنه يَسير ضد الفطرة وضد طبيعته كإنسان. وأنا أذكر العنصرية لأنني لا أستطيع أن أسمي بعبارة أخرى من يصف دينه من دون الأديان الأخرى بتلك الصفة، أو من يميّز بين البشرية بحسب المعتقد والملّة.

اللافت للنظر هو أنه للبرهنة على أن الإسلام لا يقيم اختلافات عرقية فإن الغنوشي لم يتورّع، في هذا الإطار، من الاستشهاد بآية من سورة النور تقول: “وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقراء يُغنهم الله من فضله”. تعليق الغنوشي هو أن الله «لم يفرض من القيود على الزواج بين مختلف فئات المجتمع وأجناس البشر غير ما يتعلّق بالمعتقد حرصا على الإنسجام ودوام العشرة من جهة وعلى صيانة الأمن العامّ للمجتمع[9]». وعلى هذا الأساس فهو لا يُقلقه ذكر العبيد من النساء والرجال، بل هم مكوّن من مكونات المجتمع الاسلامي الذي ينشده. ولِمَن كان في شك من أمره فليرجع إلى جامع البيان للطبري في تفسيره لهذه الآية «وزوّجوا أيها المؤمنون مَن لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم[10]». الغنوشي لم يجد ما يستشهد به من القرآن إلاّ هذه الآية، ولا أدري هل اطّلع على تفسيرها في أمّهات الكتب الإسلامية أم لا. هكذا مثل الساحر تمرّ أمامنا آيةً يُذكَر فيها بصريح العبارة العبيد من نساء ورجال دون أن تستثير فيه أية حيرة، ويريد أن يبرهن عن طريقها أن الإسلام منفتح، وأنه حرّض الناس على الزواج، دون أن يرسم أية قيود أو عوائق بين مختلف فئات المجتمع (عبيدا وأحرارا). إلاّ أن الإقصاء موجود حتى في هذا الإنفتاح المزعوم، وهو أن الرجل والمرأة لا ينبغي عليهما أن يختارا من يتزوجان به، بل إنه يُمنع شرعا، حسب صريح عباراته، «الزواج بالفَسَقة والملحدين وأعداء الإسلام عامة». المشرّعون ورجال القانون، في دولة الغنوشي التي تُطبّق الشريعة بحذافيرها، مسموح لهم بأن يتدخّلوا في خيارات المواطنين الشخصية، ومراقبة حتى غرف نومهم. النساء يُحظَر عليهن التزوج من الفَسقة والملحدين (بحسب المعايير التي يقررها السلفيون)، والرجال بدورهم ممنوعون من الزواج بغير المُسلمات الصالحات، وإذا اقتضى الأمر يمكن أن يُرخّص لأحدهم بالتزوج «من العفيفات … المحصنات من أهل الديانات الأخرى»، لا لأن هذا الرجل اختار الإقتران من محض إرادته، وبمَوّدة بينه وبين قرينته، بل لغاية تبليغية، أي الدعوة إلى الإسلام. على حد قول الغنوشي «إذا غلب الظن أن ذلك سبيلا إلى انتشار الدعوة في صفوفهم[11]». ومرة أخرى فإن هذه الرخصة، على محدوديتها وعلى منافاتها لأبسط حقوق الإنسان، هي فقط في اتجاه واحد، أي أنها صالحة للرجال فحسب، ومحظورة على النساء كافة. وهذه تُرينا كم من مشاعر احترام يكنّها الإسلاميون للمرأة. فعلا، الغنوشي ينبّه: «لا مجال في هذه الرخصة للمُسلمات». وما السبب في ذلك يا ترى؟ السبب هو أن المرأة ناقصة عقل ودين، وهي قاصرة عقلانيا وخطيرة عاطفيا، إذ تكفي هبّة ريح واحدة كي تُكسّر إرادتها، وتَجرّها للسّير على خُطى زوجها دون وعي أو رويّة. المرأة ممنوعة من هذه الرخصة «على اعتبار ما جُبلت عليه من حبّها لزوجها وطاعتها له بحكم ما جرت به العادة من انتقال المرأة إلى بيئة زوجها ونشأة الأبناء بحسب الدين السائد في تلك البيئة، الأمر الذي يجعل من اقتران هذه المسلمة بكافر خطرا على دينها وعلى أبنائها، وقد يمثل خطرا على نظام المجتمع برمّته[12]». أنا لا أدري كيف يقول هذا الرجل إن «الإسلام عمل على الإطاحة بكل الإعتبارات العرقية والطبقية التي تُقيم حواجز بين البشر وتمنعهم من التعارف والإقتران تحقيقا لهدف الإسلام في عودة البشرية كلها، كما بدأت أول مرة عائلة واحدة[13]»، ثم يجيز لنفسه تفريق البشرية بحسب الدين وتقسيمهم إلى فاسقين وكافرين ومؤمنين. إنه من المذل لكرامة الإنسان أن تُمنع المرأة في تونس ـ الدولة العربية التي يتّهمونها بأنها علمانية مارقة وكافرة، ولا يتوانون من قذف مواطنيها بالفسق ـ أقول أن تُمنع من الإقتران بشخص من دين آخر إذا لم يدخل في الإسلام. والعديد من أولئك الرجال أرغموا على الاعتناق الشكلاني للإسلام، رغم أنهم لا يعتقدون في أي دين، ولا يَهتَمّون حتى بالدين الذي نشؤوا فيه. إنها إهانة فضيعة وحط من كرامة الإنسان وتدخّل سافر في خياراته الشخصية، هذا إن لم تكن عنصرية فاضحة. الكنيسة نفسها لا تبيح أن يتزوّج المسيحي أو المسيحية من غير المسيحي، وودّت لو أنها فرضت إرادتها على الحكومات الغربية، لكن العلمانية، والفكر التنويري الملحد، والديموقراطية هي التي كفت الناس شرّ التشريعات الإلهية وحرّرتهم من سلطة القوانين اللاهوتية الجائرة.

ولا تخفَى عند هذا الحدّ الفكرة العزيزة على الإسلاميين عموما، ألا وهي استباق الإسلام لكل الانجازات الحضارية الغربية، من علوم صحيحة ونُظم حكم وحرية فردية وعدالة اجتماعية. الإعلانات المعاصرة لحقوق الإنسان، هي في رأي الغنوشي، « ثمرة ضغوط أكثر منها ثمرة اعتراف بكرامة الإنسان». المهم هو أن المكتسبات المدنية الغربية جاءت «متأخرة جدا في الفكر والممارسة عن الإسلام نظريةً وممارسةً. فلقد أقام الإسلام مجتمعه على أساس الأخوة والمساواة والعدالة وما يقتضيه ذلك من تعاون وتضامن وإيثار[14]».

أليس هذا تلاعبا بالكلمات وذرا للغبار على العيون؟ أين نحن من مجتمع عبودي، يحقّ للمرئ فيه أن يملك إنسانا آخر ويُمرّغ كرامته في الوحل، إزاء مكتسبات المدنية الغربية الحديثة؟ على حد التشريع الفقهي فإن المجتمع الإسلامي ينقسم إلى قسمين، عبيد وأحرار، ولكلّ منهما حقوقه الخاصة، والأسياد لهم اليد الطولى على عبيدهم، ولهم أن يفعلوا بهم ما يشاؤون لأنهم في نهاية المطاف ملك يمينهم كما يملك أحدهم حمارا أو بغلا أو عَرَبة. أما المرأة فهي لا تملك شيئا من نفسها، هي مجرد متاع للرجل. هذا دأب الاسلاميين المحدثين: الازدواجية والمغالطة والغرور المفرط. إنهم يعيشون في عالم آخر، في عالم خيال رومانسي، وحينما يودّون تحقيقه (أفغانستان، ايران، اليمن، الصومال، السودان)، فإن أبواب جهنّم تُفتح على المجتمع وتُدمّر كرامة الانسان ويُنزَل به إلى مرتبة الدواب. 

لكن في حقيقة الأمر وحسب الواقع الراهن، ورغم كل العنجهية والاحتفاء بالذات، هناك مرور من الإسلام إلى المسيحية مكثف في عديد البلدان العربية، رغم التعتيم والتقليل من شأن هذه الظاهرة. النقاش لا يدور حول هذه المسألة، فالمبدأ الأساسي في أي دولة مدنية تحترم حقوق مواطنيها، دون تمييز، هو حرية التدين أو عدمه. المعضلة هي أن الإسلاميين الوهابيين لا يقبلون بهذه الحرية بتاتا، وأي تزحزح عن النصوص المؤسسة سيُوقعهم في معضلات لا تنتهي. الوصفة التي توخاها الغنوشي لإرجاع الكفار إلى الجادة، وهو يقصد بالكفار أولئك “المواطنين” «المهتزة أو الفاسدة عقائدهم، وكانوا الوسط المناسب لاستقطاب الأحزاب الشيوعية والعلمانية من أبناء المسلمين»، أقول، الوصفة التي ارتآها هي التعامل معهم كأطفال صغار، بغسل أدمغتهم وإعادة تنشئتهم التنشئة الإسلامية اللازمة، أي بثّ الفكر السلفي الوهابي في عروقهم، وتتطبيبهم، كما يقول، من مرضهم المزمن[15].

2 . التزييف التاريخي. بناء الدولة الديمقراطية

الديمقراطية صالحة جدا للإسلاميين، والعلمانية أيضا مرغوب فيها ومُحبّذة، لكن على شروط خاصة وفي حدود معيّنة. العلمانية مقبولة إذا كانت منحصرة في الغرب، وإن وفّرت لهم حق التعبّد وحق التبليغ، والديمقراطية بدورها إذا أتاحت لهم، في البلدان العربية، الفرصة للمشاركة في الحياة السياسية، فقط للمدة التي يَصِلون فيها إلى الحكم، وإثرها انتهت الديمقراطية والحريات الشخصية ولا تسود إلاّ ما يسمى بالشريعة.

لكن الأمر المثير للإنتباه، هو الإدّعاء المستقر عند الإسلاميين على جميع مشاربهم بأن انجازات المدنية الغربية، برمّتها، جاءت إثر ردة فعل ضد الكنيسة والحكم الملكي الموالي لها. وتلك الإنجزات، على أية حال وعلى الرغم من اعتراف الغنوشي بأنها انجازات عظيمة (اعلاء سلطان القانون، تقييد تصرفات الحكام، اقرار للشعب بحقوق محروسة من طرف مختلف السلطات الأخرى، اعلام مستقل حريات للتعبير والتجمّع، توزيع السلطات)، غير كافية، لأنها حسب زعمه قادت إلى «حروب طاحنة وتسلّط الأقوياء على الضعفاء وظهور الديكتاتوريات الفاشية والنازية والبروليتارية[16]». أما على الجانب السياسي فإن مؤسسة الديمقراطية تشكو تشويشا في تحديد نوع ومصدر «القيمة أو السلطة أو الجهة التي تُحدّ من تلك السايدة وتعلوها وتفرض عليها الإنسجام معها والخضوع لمقتضياتها». الخيارات التي يطرحها الغنوشي هي هذه: «هل هي قانون الطبيعة؟ أم قانون الأخلاق؟ أم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؟ أم القانون الدولي؟ أم سلطان الله المطلق الذي نَطقَ به الوحي الثابت[17]». القارئ يستطيع بيُسر أن يتنبأ بأن الغنوشي يُرشح هذا الأخير، أعني سلطان الله المطلق الذي نطق به الوحي الثابت على جميع الخيارات الأخر، لأن لا الطبيعة ولا الأخلاق ولا مواثيق حقوق الإنسان، بإمكانها أن تصلح لبناء دولة كتلك التي يصبو إليها الغنوشي. المحقق هو أن الدولة الغربية، بكل ضماناتها القانونية ومؤسساتها الدستورية وحرياتها المدنية غير قادرة على حل المشكلة السياسية المتمثلة في «كيفيّة كبح جماح رغبة الإنسان في التسلّط على الآخرين مستغلاّ ضرورتهم إلى الإجتماع. إن هذه المشكلة لا تجد لها حلاّ مرضيا في إطار مفهوم الدولة الغربية من خلال مفومَيه الأساسيين: مبدأ الشرعية وسيادة الشعب[18]».

إن الديمقراطية الحديثة، حسب زعم الغنوشي، لا يمكن أن نثق بها إطلاقا لسبب بسيط وهو أنها رأس خراب المجتمعات الغربية. فهي «تُشرّع للقمار واللواط والوأد المعاصر (الإجهاض، تحديد النسل)[19]». وأخطر من ذلك هو أن الداء، كما يرى الغنوشي، لا يَكمن في الآليات التي تستخدمها للتداول على السلطة، مثل الانتخابات، والبرلمان، وسلطة الأغلبية، وتعدد الأحزاب وحرية الصحافة، هذه جزئيات لا معنى لها ويمكن التخلي عنها أو تحويرها وتشويهها بالكامل في حالة استحواذهم على السلطة. الداء يكمن، في روح الغرب، في نظرته للعالم، وبكلمة واحدة، في فلسفاته السياسية المادية الكافرة، تلك الفلسفات: « التي فصلت بين الروح والجسد (فلسفة ديكارت) ثم تجاهلت الروح ووأدتها وحاربت الله وجاهدت جهادا كبيرا لإحلال الإنسان محلّه، فلم يبق في الكون والانسان غير المادة والحركة واللذة والسيطرة والصراع وشرعة القويّ[20]». أتوقف لبرهة عند هذه النقطة وأعني بالتحديد فلسفة ديكارت وفصله بين الروح والجسد (في الحقيقة بين الإمتداد والفكر). أقول لو كان الغنوشي متضلّعا في الفلسفة وعارفا بالفكر الغربي لما قال شيئا من هذا القبيل، ولما ذكر ديكارت كبرهان على محاربة الله أو اعتناق الكفر. ذلك لأن حذاق القوم من اللاهوتيين المعاصرين لديكارت ثمّنوا فكرة فصل المادة عن الروح وحسبوها درعا ضد الإلحاد. وأخص بالذكر اللاهوتي الكبير أرنو (Arnauld) حيث قال إن هذه الفكرة هي أعظم مَجد لهذا الفيلسوف، وأن ديكارت هو مَفعول متفرّد للعناية الإلهية «التي أرادت وقف الإنحدار الرهيب الذي يبدو أنه قد أوقع العديد من الناس في وقتنا الحاضر في اللادين والإلحاد[21]». ثم أضاف بأن حكمة الله العليّة، لكي تُرجع الكافرين، الذين لا يعتقدون في خلود النفس، إلى الجادّة استعملت ديكارت: رجلا «صاحب ذهن ثاقب، خارقا للعادة في العلوم الأكثر تجريدا؛ متفانيا في صناعة الفلسفة، مقرّا صراحة بإرادة التخلّص من الأفكار السائدة؛ وبهذه الخصال وجد الوسيلة لإقناع المرتابين على شرط أن يفتحوا أعينهم للنور الذي يُقدَّم إليهم، لحقيقة أن لا شيء أكثر منافاة للعقل من القول إنه بانحلال جسدنا تضمحلّ روحنا. وكيف برهن على ذلك؟ من خلال مبادئ واضحة، مبنية فقط على مفاهيم طبيعية، من واجب كل إنسان ذي حسّ سليم الإقرار بها: الروح والجسد، يعني ما يُفكَّر به وما هو مُمتدّ، هما جوهران متمايزان كليا، بحيث إنه من المحال أن يكون الإمتداد تغيّرا في الجوهر المفكِّر، ولا الفكر تحوّلا في الجوهر الممتدّ. هذا وحده كفيل، في حين تم إثباته بشكل جيّد (كما فعل السيد ديكارت في تأملاته)، بأن لا يترك واحدا من الملحدين ـ له شيء من الاستقامة الذهنية ـ مقتنعا بأن أرواحنا تفنى مع أجسادنا[22]».

لو أن اللاهوتيّين تفطّنوا إلى أن فصل الإمتداد (المادة) عن الفكر (الروح) هو تصوّر هرطقي ومناف للدين لتصدّوا له في الحين ولأدانوه بكل حزم، ولكن كما نرى من خلال أقوال أرنو حدسوا مدى صلوحيته لتدعيم واحدة من أهم المعتقدات الدينية، أعني خلود النفس وعدم فنائها مع الجسد. نحن نطلب من الإسلاميين قليلا من الجدّية في التعامل مع الأفكار والنصوص والرجال، وأن يحترموا عقول قرائهم. لكن أظن أن هذا المطلب محال، أو صعب المنال لأن عادتهم الدائبة هي عدم التعمق في الأشياء ورمي الكلام مجملا دون تفصيل، وهي أسهل الطرق لكسب ودّ العامة، واستجلاب أنصاف المتعلمين لصفّهم. 

 المفهوم المكوّن للديمقراطية، إذن، عند الغنوشي فاسد، بمعنى أن القاعدة النظرية ينقصها التصور الإسلامي، التصوّر الذي يشدّد على محدودية الإنسان ودونيته وعدم قدرته على الاكتفاء بذاته في تشريعه وتسيير شؤونه بنفسه. الجهاز الديمقراطي يمكن أن يعمل بنجاح «لو تهيأت له فلسفة وقيم إنسانية صالحة تعترف بأبعاد الإنسان كلّها، ومنها بُعده الروحي والخلقي من حيث حاجته الدائمة إلى الخالق، وعدم قدرته على الاستقلال عنه إلاّ بالتفريط في انسانيته وسموّه». أين توجد هذه الفلسفة؟ أفي المسيحية؟ أو في اليهودية؟ أم في البوذية أو الهندوسية؟ أم في الفكر العلماني الحديث؟ أبدا، بالنسبة للغنوشي، في الإسلام وفقط في الإسلام: «مهما أمعنّا بحثا عنها في التاريخ والواقع فلن نجدها في غير الإسلام[23]». والسبب في ذلك بديهي وبسيط جدا وهو أن الإسلام جَمَع بين الروحي والمادي، بين الديني والدنيوي، وشعاره هو أن قيصرا وما لقيصر لله وحده.

الفكر الفلسفي التنويري دحر الدين في البعد الشخصي وجعل الممارسة السياسية مُعقّمة من سلطة اللاهوت بحيث أصبحت المجتمعات الغربية تشرّع لنفسها بنفسها، وتمارس نشاطها السياسي بحرية. ولم ترض الكنيسة بهذا الفصل واعتبرته شيئا منافيا لتعاليم الدين. الحاكم بالنسبة للاهوت المسيحي، ينبغي عليه أن يلتزم بتعاليم المسيح ولا يمكنه البتة أن يتجرّأ على خرقها أو تعطيلها. وفي عز القرن التاسع عشر، بينما كانت تعيث الوهابية في الحجاز لإرجاع قسط كبير من الشعب العربي إلى العصور المظلمة، والكنيسة تُطلق لعناتها ضد الحكومات الغربية، تمكّنت فرنسا من فصل الدين عن الدولة، والتحرر من سلطة الكنيسة وتخليص مؤسساتها من قبضتها الخانقة. ومع كل المواجهات والكد والجهد، فإن الدّول الغربية أخذت تسير في ذاك المسار وحققت أشواطا كبيرة في سبيل الانعتاق من قبضة الدين. ولم يكن هذا ممكنا لو لم تهيّئ طبقة المثقفين الكبار التربة لمثل هذا التحرر. فالمرحلة المهيئة هي فعلا نقد الدين، كل دين (وليس كما يزعم الإسلاميون نقد الدين المسيحي فقط)، وإظهار تهافته من جميع الجوانب: العلمية والأخلاقية والسياسية.

 في غياب نظرة تاريخية شاملة فإن الإسلاميين يكرّرون حتى التخمة أشياء من قبيل أن الإسلام هو دين ودولة، إلى درجة أنها غدت عندهم، وفي أذهانهم هم فقط، بديهية غير قابلة للنقد أو الدحض. بالنسبة للغنوشي لا أحد من الدارسين المخلصين «يساوره شك في الطبيعة الخاصة بالإسلام من حيث كونه نظاما شاملا للحياة[24]». الغنوشي يُموقع نفسه منذ البداية في صف الأصولية التي ترى أن الإسلام هو دين ودولة وأن الذين يرفضون هذه الحقيقة في العالم الإسلامي، هم إما طوائف ضالة، لا وزن لها في تاريخ الإسلام، أو فرق مندسّة وغريبة عن جسم المجتمع الإسلامي، أو فئة وافدة عليه من خارج، أي من المستعمرين الغربيين الذين حاولوا تجذيرها في عالم الإسلام.

لكن التاريخ يشهد بعكس ذلك. كيف نُفسر إذن دعوات المصلحين للتحرر من قيد الشريعة التي أطلقها الطاهر الحداد وخير الدين وعلي عبد الرازق؟ هل هم وافدون علينا من الغرب؟ هل هم أذيال الاستعمار أم دخلوا البلاد على ظهر الدبّابة؟ الغنوشي يردّ على نفسه بنفسه ويعترف بأن فكرة فصل الدين عن الدولة انطلقت أيضا من المعاهد الاسلامية التقليدية حيث نَبعت منها أصوات داعية «إلى التفكير العلماني نفسه من مثل الشيخ المصري علي عبد الرازق الذي كان لكتابه الاسلام وأصول الحكم شهرة كبيرة». ومع ذلك فإن هؤلاء الدعاة الذين برزوا في الثلاثينات من القرن الماضي وعلى رأسهم علي عبد الرازق هم أناس مارقون في رأي الغنوشي، والكتاب الذي أحدث ضجة كبيرة في تلك الفترة فَقَدَ هو وصاحبه مصداقيتهما « نتيجة حملة النقد العاتية التي قامت بها المؤسسات الدينية الرسمية ضد الكتاب وصاحبه، متعاونة في ذلك مع الحركة الاصلاحية ومفكريها الذين لم يكتفوا بنقد الكتاب وتسفيه الأدلة القائم عليها وتعرية الدوافع الكامنة وراء الكتاب […] بل أضافوا إلى ذلك جهودا إيجابية تمثلت في تكثيف الكتابة في النظام الإسلامي لتجلية خصوصياته بين الأنظمة وإبراز معالمه من ناحية وبعث حركات وأحزاب إسلامية للدعوة إلى إعادة بناء الخلافة وإقامة حكومات إسلامية من ناحية أخرى[25]». هذه هي مقومات الحركة الرجعية التي مازالت تنخر الجسم العربي إلى الآن. لقد تكفّلت جمهرة الرجعية، من وهابية وشيعة ومؤسساتهما المدعومة بعائدات البترول إلى استمرار هذه الحملة، وانضافت إليهما الآن الفضائيات وأحدث وسائل التواصل (التي اخترعها كفار) لكي يتمّ الإجهاز على مكاسب الدولة المدنية بالكامل. إن دعاة الدولة المدنية، دولة المواطنة والدستور والتشريع المدني، دعاة اللائكية والليبرالية هم في رأي الغنوشي أزلام الغرب الاستعماري، الذين يحاولون الإنفكاك «عن النص الاسلامي لحساب توثيق الصلة مع الغرب». ولذلك فإن أنظمة الحكم «التي حكمت المنطقة في غالبيتها المطلقة متأثرة بمضامين هذه الدعوة» العلمانية الليبرالية، وبالتالي فهي كلها كافرة، بحسب اللغة الصريحة لسيّد قطب. الغنوشي يواري تكفيره للمثقفين والساسة، ولكنه يُلقي عليهم تهمة ربما هي أخطر منها ألا وهي الخيانة، حيث يَصفهم بأنهم من “أنصار التبعية للغرب”، بعكس الإسلاميين الذين هم «أنصار استقلال أمة العرب والاسلام ووحدتها وعزتها[26]». هذه الاتهامات المجحفة معروفة ومتجذرة في عقلية الإسلاميين على بكرة أبيهم، فهم حينما لا يستطيعون منازلة خصومهم بالفكر والحجة والأدلة التاريخية، يَجنحون مباشرة إلى لعبة الاتهامات، والتخوين والثلب والقدح حتى في الأشخاص. إنها تقنيتهم المعتادة في النيل من خصومهم ومخالفيهم في الرأي، تقنية بَرعت في استخدامها الديكتاتوريات العربية، وعانى منها التونسيون أشد المعانات في ظل حكم المخلوع. الحقيقة التاريخية، على أية حال، تفنّد مقولات الإسلاميين، فالرجال الذين ساهموا في تحرير الشعوب العربية من المستعمر لم يكونوا أبدا خانعين للغرب ولا مُقتَفين أثره حذو النعل بالنعل، وحتى بورقيبة الذي ناظل ضد الاستعمار، والذي كفّره الغنوشي جهارا وقال إنه ملحد، لم يكن يرغب في التفريط في بلده ومحو إرثه الثقافي والتاريخي لصالح المستعمر. ولكن من المعلوم تاريخيا أن الحركات الإسلامية التي استفحلت في العالم العربي هي حركات رجعية تخريبية عدوة للتقدم والعقل والتنوير وبالجملة عدوة البشرية، وغالبا ما تحالفت مع المخابرات الأمريكية لضرب اليسار وكل القوى التقدمية. هذه أمور معروفة ومُوثقة (انظر اعترافات وزيرة الخارجية الأمريكية في احدى جلسات الكونغرس)، ولكنهم لا يقرّون بها، ويَعمدون بكل جهدهم إلى تزوير الحقائق وانتهاج نهج الازدواجية والكيل بمكيالين.

3. طلب المستحيل: الخلافة

 إن الأدلة التي قدمها الغنوشي، ويقدمها مفكروا التيارات الاسلامية بجميع مشاربهم، على حقيقة الدولة الإسلامية والبراهين التي يسوقونها: تاريخية، اجماعية، سياسية هي كلها سفسطة، ومجرّد ركام من الخرافات والمراوغات المنافية للتاريخ وغير قادرة على الصمود أمام التحليل العلمي الرصين.

الإسلاميون يستمدّون لنا نموذج السياسة من عالم غابر موغل في القدم، عالم لم يتّفق فيه المؤرخون ولا الرواة العرب ولا حتى الفقهاء على أي شيء بخصوص ما يسمى بالدولة الاسلامية. ولكل من رغب في نقض الآخر فإن هناك حديثا أو رواية أو فتوى جاهزة لتبرير رأيه ومنهجه. لقد برّروا حتى شرب الخمر، وقالوا بأن محمدا كان يشرب الخمر، لا بل يتوضأ به حتى. وهذا الحديث جاء في صحيح مسلم، في سنن النسائي، سنن الترمذي، سنن البيهقي، في كنز العمال للمتقي الهندي، في سنن أحمد.

كيف يمكن أن نثق بأناس يروون الشيء وضدّه؟ ما هي النصوص الصريحة التي ينبغي الاعتداد بها والسّير على هديها؟ ثم هل من الممكن الآن في القرن الواحد والعشرين أن نجعل مثالنا العملي والسياسي، عالما أسطوريا غابرا لا ندري كيف كانت تحدث فيه الأمور؟

الغنوشي، دون تعمّق تاريخي، ودون أدنى حسّ نقدي يُعيد ويُكرّر نفس أشباه الأدلة التي يُنزلها الإسلاميون من ضرورة إقامة الخلافة لأنها حقيقة تاريخية أوّلية لا نقاش فيها. فالأمور بيّنة وواضحة وجليّة ولا لبس فيها: بعد الهجرة إلى المدينة « قام .. مجتمع سياسي متميّز مستقل برقعته الترابية وبنظامه القانوني الموحّد وقيادته … تربط أفراده وشائج ومواثيق وأهداف مشتركة، وأن ذلك المجتمع قد قام بكل وضائف الدولة من دفاع وقضاء، وإبرام معاهدات وابتعاث السفارات، وأنه ما كان أحد من بناة النظام يشك في طبيعته من حيث إن سلطة التقنين العليا فيه لله ورسوله (الكتاب والسنة) وإن المصادر الأخرى للتقنين “الاجتهاد” إنما هي مصادر ثانوية تعمل في إطار المرجعية والمشروعية العليا (الكتاب والسنة) أي الوحي ومقاصده[27]». هذا الكلام الجياش العاطفي نعثر عليه في كل أدبيات الإسلاميين، ولكنه في جوهره لاتاريخي، بل مناهض حتى للتاريخ الإسلامي نفسه. إن ما يسمّى بالسنة لم تُدوّن إلاّ في القرن الثاني للهجرة، وقد حُشيت بكل الأساطير التلمودية والفارسية والغنوصية، ومن الصعب جدّا أن نفرّق بين ما هو صحيح، منسوب إلى النبي، وبين ما يرجع إلى استيهامات وأذواق المحدثين.

أرى أن أحسن من تكلّم في هذا الشأن ومن فنّد مزاعم الاسلاميين هو الحقوقي التونسي محمد الشرفي في كتابه “الاسلام والحرية”، حيث ذهب إلى أن القرآن، خلافا لما يزعمه الاسلاميون، دعاة الخلافة، ينص بوضوح أن رسالة محمد «تتمثل في الدعوة لا في الحكم ولا الالزام. وكثيرة وواضحة هي الآيات التي جاءت حسب هذا الاتجاه[28]». ولقد حدد القرآن رسالة محمد بصيغة سلبية، يقول الشرفي، فهو ليس (حفيظا) على الناس، (وما أنت عليهم بجبّار)؛ (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)؛ (فذكّر إنما أنت مذكّر)، (لست عليهم بمسيطر). هذه الآيات صريحة وهي ليست في حاجة، كما يقول الشرفي، إلى تأويلها «لأنها تعني بداهة أنه على الرسول واجب الدعوة وليس له سلطة القيادة، مما يُزيل عنه كل مُهمّة لها صلة بالدولة». وخلافا للغنوشي وللإسلاميين الحاقدين على علي عبد الرازق فإن الشرفي، يُقيّم ايجابيا عمله ويرى أنه اعتمد على هذه الآيات «ليؤكد على أن الإسلام ليس في حاجة إلى الخلافة، وأن هذه المؤسسة ليست إلاّ مؤسسة انسانية وليدة التاريخ». وكما هو معلوم فإن كتاب علي عبد الرازق جاء معاكسا لمشروع الملك فؤاد الذي كان يحلم إذاك بتنصيب نفسه خليفة المسلمين بعد أن قضى كمال أتاتورك على تلك المؤسسة الاضطهادية المتخلّفة التي قهرت الشعوب العربية لمدّة ألف وأربعمائة سنة. أما في ما يخص الدولة الاسلامية التي يُزعم أن أبا بكر وعمر قد أسّساها، حتى وإن تجاوزنا الشكوك حول واقعيتها، فإنه لا يمكن، حسب الشرفي «أن يُستنتَج من ذلك أن النبيّ أسّس دولة وتصرّفَ تصرّف رئيس دولة. فالبون شاسع بين هذا وبين الواقع التاريخي، ولا يمكن تجاوز هذا البون، بلا حرج، إلاّ بدافع إيديولوجي[29]». وما يدعّم هذا التحليل، وأرى أن الشرفي محق في ذلك، هو أن «مِن شأن كل رئيس دولة، له مقدار أدنى من الشعور بالمسؤولية، أن يحرص على أمر خلافته حتى يضمن دوام عمله واستمرار الدولة التي يُسيّرها[30]». ففي حَجّة الوداع رغم أنه استشعر قرب وفاته «لم يُعيّن خليفته، ولا أشار أدنى إشارة إلى كيفية انتخابه». ومن المفارقات الكبرى أن بخصوص هذه النقطة فإن المستشرقين والاسلاميين، حسب الشرفي، يرتكبون نفس الخطأ بإقرارهم أن النبيّ أسس دولة، ولكن هذا الاتفاق في النتائج، كما هو معلوم، يحمل دلالات مختلفة: المستشرقون علمانيون ولا يعتقدون في النبوّة وبالتالي فلا مخرج أمامهم إلاّ باعتبار محمد رجل سياسة أراد تأسيس دولة ووضع اللبنات الأولى لبناء امبراطورية. أما الإسلاميون فهم يعترفون «بدافع الحرص على تأكيد شرعية الخلافة أن ما قام به الخلفاء الراشدون ليس إلاّ مواصلة لعمل النبي، فهو إذن مؤسس الدولة[31]».

إن الإشادة بالخلافة الإسلامية كمثال أعلى للحكم في العصور الذهبية للإسلام، وإرادة العودة إلى تلك المؤسسة القروسطية، كما يزعم ما يسمى بحزب التحرير، أحد الأحزاب الأكثر تخلفا ورجعية وعنفا في العالم، إذا محّصناها تاريخيا فهي لا تصمد أمام النقد، ولا تستحق تلك الهالة المثالية التي يحاول الاسلاميون إضفاءها عليها.

وفي هذا الإطار فإن الغنوشي لا يشذ عن قاعدة الإسلاميين قاطبة، بمن فيهم حزب التحرير الذي يُبدي أحيانا تجاهه بعض التحفظات أو الانتقادات الودّية دون أن يمس بجوهر أفكاره في العمق. فهو بدوره يكفّر كل الذين يناهضون في تلك المؤسسة القروسطية الرجعية، ويتهجّم عليهم قاذفا إياهم بأبشع النعوت. تلك النعوت التحقيرية، والرسائل المشفرة حينا، والتحذيرات العنيفة أحيانا جاءت في كتاب يَعِدُ صاحبه، كما قلت، بالفحص العلمي الرّصين عن معنى الحرية، لا بل الحريات العامة، في الدولة الإسلامية المنشودة. وإذا به يُهدد المفكرين العلمانيين، ويحذر المسلمين المخالفين له في الرأي، من مغبّة الخروج عن أطر النظرة السلفية الوهابية للحكم: دون إرساء تلك المؤسسة القروسطية فالأمة كلها آثمة، لأن تنصيب الخليفة أو الإمام ضروري «لإنفاذ الشريعة وخدمتها، عملا بقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب». وبما أن الأمة كافة، حسب مقدمات الغنوشي، مأمورة بإقامة الشريعة، التي هي «جملة النظام الاسلامي الذي اختاره الله لحياة البشر»، فإن إقامة الخلافة، أي نمط الحكم الاسلامي «واجب شرعي تَأثم الأمة كلّها إن لم تبذل أقصى الجهد وتسترخص الأموال والأنفس لإقامته». إذن لا خلاف بين الغنوشي ـ المُنظّر الإسلامي المعتدل حسب جدلية حُلفائه الجدد من القوميين والشيوعيين ـ وبين حزب التحرير المتطرّف، في هذه النقطة، ولا اختلاف حتى من جهة الأسلوب واللهجة. ليس لدى الغنوشي أي بضاعة أخرى يُسوّقها للمجتمع التونسي وحتى للعرب قاطبة إلاّ هذه، لأنه في إحدى الحصص التلفزية التي بثتها قناة الأولى المصرية منذ بضعة أيام (2/8/2011) عاد وكرّر نفس الفكرة. قال: هناك ثورة مُضادّة تُحاك ضد ثورة التونسيين والمصريين؛ سمّاها أيضا “ردّة”، وهي التسمية التي يلوّح بها في كل خطاباته الجماهيرية التي يلقيها في تونس على أتباعه المتحمّسين، وأراهن على أن الردّة هي القوى السياسية التي ترفض الدولة الدينية الوهابية المتعفنة؛ الخلافة حسب الغنوشي لا جدال فيها، بل هي «طموح وأمل عند كل المسلمين» لا يمكن تحقيقه عاجلا، في أربع أو خمس سنوات، كما يروم حزب التحرير، ولكن الطموح موجود ويكفي العمل الدؤوب حتى نتمكّن من إنجازه في مستقبل غير بعيد جدا. 

الحقيقة الثابتة هي أننا كلنا مذنبون والمجتمع الإسلامي منذ قرن من الزمن غارق في الإثم لأنه لم يسترجع تلك المؤسسة الدينية أي مؤسسة الخلافة. ومن الواضح أيضا أنه بإرساء هذا النظام القاهر فإن على الشعوب العربية أن تُودّع الدولة المدنية الى الأبد، بحيث تصبح الحرية والمساواة والمواطنة المعمّمة مجرّد سراب. وكل من يزعم التخلي عن تلك “القيم” الدينية الأسطورية فهو، في نظر الغنوشي، وحسب قاموس السّباب الذي برع فيه الإسلاميون قاطبة: جاهل، مدسوس، ضال وملحد، من أتباع إبليس. يقول الغنوشي: «كيف يمكن لغير جاهل أو مدخول النية أن يخطر على باله أن ذلك كله ممكن التحقيق في إطار سياسي يقوم على مبادئ وأهداف معادية أو “محايدة” في علاقتها بالاسلام وعلى يد رجال لم تتشبّع أرواحهم بقيَمِه؟ إن ذلك من أشنع ضلالات الملحدين وضحايا الغزو الفكري، إنه تلبيس ابليس والردّة المعاصرة[32]».

4. ردّة ولا أبا بكر لها

 كما يلاحظ القارئ، لم يجد الاسلاميون من قاموس أمامهم للنقاش الفكري والتعمّق في الشأن السياسي إلاّ التّهم الخطيرة، المستمدة من تراثهم الفقهي العتيق (التيمية والوهابية) الذي يهدر دم من يخالفهم الرأي ويُكفر من لا يرضى بأن تُفرض عليه تعاليمهم اللاهوتية دون نقاش. فالمصطلح الذي استعمله الغنوشي، عن قصد، لوصف معارضيه أعني “الردة المعاصرة” مستمدّ كما يصرّح بذلك هو نفسه من أبي الحسن الندوي، أكثر الاسلاميين رجعية وتهجما على الناس، من خلال كتيّبه “ردّة ولا أبا بكر لها”. وهو أيضا صاحب كتاب “ماذا خسر العالم من انحطاط المسلمين؟”. أطروحة الندوي، كما يعرضها ويتبنّاها صراحة الغنوشي، هي أن الردّة لا تعني بالضرورة جريمة نكران الدين، بل هي في العمق رفض تطبيق الشريعة، أو فصل العبادات عن المعاملات. إنها بِلُغة صريحة، فصل الدين عن الدولة، أساس فلسفة السياسة المعاصرة والدعامة الأولى للتمدن الحديث. هؤلاء في أعين الإسلاميين هم الردّة بحق، وما أقدم عليه الخليفة أبو بكر من قتالهم وسَبيهم والتنكيل بهم هو عمل جيّد في نظرهم لأنه قد «أنهى بذلك أوّل حركة تمرّد “علماني” مُسلّح حملت السلاح لفرض أفكارها بالقوة[33]». تزييف واضح للتاريخ، حتى في معناه الإسلامي المقدس، لأن المؤرخين المسلمين مجمعون على أن أهل الردة لم يحملوا السلاح ولم يبدؤوا هم بالحرب، بل إنهم رفضوا أن يُسدّدوا ضرائب مثقلة لكاهلهم، فما كان من الخليفة الأول إلاّ أن بادرهم، لا بالحوار والإقناع، بل بالحرب وسفك دماء الأبرياء. وحينما انتهره عمر عن فعلته هذه، قذفه بالخور، قال له حرفيا، حسب المصادر الاسلامية: “أجبّار في الجاهلية خوّار في الإسلام؟”. كيف نعجب من أقوال من أسماه الغنوشي بالعلامة أبي الحسن الندوي، وهو الذي أعلن في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” أن الإسلام هو دين “استعماري“، رغم أن هذا النوع من الاستعمار كما يقول «ليس مدفوعا بحبّ الحكومة والاستيلاء»، بل الدافع له هو «بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي[34]». لا واحدة من القوى الاستعمارية في العالم أعربت صراحة عن نيّتها في اخضاع الشعوب وقهرهم عن عمد، فحتى هتلر نفسه، زعم بأنه اجتاح الاتحاد السوفياتي لكي يحمي الثقافة الغربية ويخلّص الشعوب الأوروبية من المدّ الشيوعي الملحد. الإسلام دين استعماري، إذن، أما سيّد قطب، في تقديمه لهذا الكتاب، فقد ذهب أبعد من ذلك وقال «إن الاسلام عقيدة استعلاء[35]» ولكن ليس ككل استعلاء (عِزة من غير كبر، ثقة في غير اغترار، اطمئنان في غير تواكل). ومع ذلك فإن عقيدة الاسلام تبثّ في المسلمين مسؤولية جمّة ملقاة على كواهلهم هم فقط من دون الأمم الأخرى: «الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتَبِعَة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة، وهدايتها إلى الدين القويم، والطريق السوي وإخراجها من الظلمات إلى النور، بما آتاهم الله من نور الهدى والفرقان[36]». يعني أن المسلمين أمامهم بشرية هي في منزلة الدواب (قطعان ضالة)، وواجبهم تقويم تلك القطعان الضالة، على حد عبارات سيد قطب، بإدخالها في الدين الاسلامي، دون استشارة المعنيّ بالأمر هل يرغب في ذلك أم لا.

الفكرة التي يتوافق فيها الغنوشي والإسلاميين جميعا، وعلى رأسهم سيّد قطب، والندوي والمودودي وغيرهم، هي أن الشعوب الإسلامية دخلت في حالة ردة، ربما أخطر من تلك التي شهدها العالم الإسلامي في بدايته. إنها القضية الكبرى: «ردّة تنتشر وتغزو المجتمع الإسلامي[37]»، أو بالأحرى «موجة جاهلية تكتسح العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وهي أعظم موجة واجهها العالم الاسلامي في تاريخه الطويل وهي تفوق كل موجة معارضة عرفها التاريخ الاسلامي سواء في قوّتها وفي شمولها وفي تأثيرها في المجتمع الاسلامي[38]». الحل المقترح هو السير على منوال الخلفاء الذين حاربوا بالحديد والنار تلك البدع، واستئصالها من جسم العالم الاسلامي بالكامل. يعني، بلغة أخرى حرب أهلية تطهيرية، تبدأ بالتكفير، ثم تنتهي بجزّ الرؤوس. رسالة الندوي واضحة «إن أعظم القربات وأفضل العبادات أن تُقاوم هذه الموجة اللادينية التي تجتاح العالم الاسلامي … وأن تُحارب المبادئ الجاهلية التي رسخت في النفوس .. وأن يحل محلّها المبادئ الاسلامية باقتناع وايمان وحماسة[39]». جهاد المرتدين المحدثين، هو حسب الندوي، «فريضة لا تَحتمل التأخير ولا تأخير يوم واحد، فالعالم الاسلامي يواجه اليوم موجة ردّة عنيفة منتشرة في أعز أبنائه وأقوى أجزائه، إنها الثورة على أعز ما يملك من عقيدة وخُلُق وقيم، ولا بقاء للعالم الاسلامي، بعد ضياع هذه الثروة التي خلفها الرسول وتوارثتها الأجيال وجاهد في سبيلها أبطال الاسلام[40]». لقد تقبّل الاسلاميون في الوطن العربي هذه الرسالة بعد أن روّج لها سيد قطب في كتاباته، وترجمها إلى لغته الأدبية العاطفية، والنتيجة أنها أنشأت شبابا حاقدا على المدنية والحضارة، وكارها للاختلاف والمغايرة، مُكّفرا للجميع وشاهرا سلاحه أمام كل من يتجرّؤ على مخالفته في الرأي. الحصيلة على أرض الواقع، لمثل هذه الأفكار الفاشستية، كانت مأساوية للغاية، والتاريخ القريب يشهد بأنها تسبّبت في دمار مهول وأراقت نهرا من الدماء في أفغانستان ومصر والصومال واليمن والسودان والجزائر (وكانت ربما ستقع مجازر مُماثلة في تونس) لكن مع تغلغل الاسلاميين الآن في تونس، بعد الاطاحة بالدكتاتور، فإن فتنة من هذا القبيل غير مستبعدة.

5. تراث الضغينة واستتباعاته الكارثية

 هذا هو التراث الإسلاموي “الحديث” الذي ينهل منه زعيم النهضة، وأتباعه، وكتاب الندوي الذي أشاد به الغنوشي هو من بين الكتب التي تُعتمَد في حلقات الدرس عند الاسلاميين وتُشحَن بها أدمغة الشباب. ولا ينبغي أن نعتقد بأن الغنوشي تخلّى طرفة عين عن هذا التكفير الشامل المعمّم للمجتمعات البشرية المعاصرة، أو خفف من حدة تهجماته على العلمانيين (يسميهم الدهريين، يعني ملحدين، زنادقة[41])، بل إنه مكث على تصوره ذاك، حتى إنه أعاد في إحدى دروسه التي يلقيها من لندن، زمن الهجرة، على احدى الفضائيات المتأسلمة، هذا القول بالحرف، أي إن الردة هي العلمانية الحديثة، وحرب أبي بكر ضدها هي أول حرب ضد العلمانية.

إن المجتمع الذي يروم تحقيقه زعيم حزب النهضة وأتباعه هو مجتمع وهابي سلفي، لا اختلاف فيه ولا مغايرة، أما الديمقراطية والحرية والانتخابات النزيهة، فهي في عداد الموبقات التي لن ترجع أبدا بعد أن يتمكّن الاسلاميون من الحكم. المهمّة الأولية الملقاة على طبقة المنظرين الاسلاميين تتمثل في مراقبة الحكام بصفتهم قائمين على شريعة العذاب والتنكيل، وذلك بالعمل على تسريب الايديولوجيا الاسلاموية الوهابية في جميع شرائح المجتمع بكل الطرق، وخصوصا بالترغيب (دفع الأموال) والترهيب (التكفير والتعنيف الجسدي). وإن بقيت من مسؤولية للأمة (المواطنين) فهي مجرد اتباع لأولئك المنظّرين لكي يحرصوا على أن يقوم الحاكم بتطبيق الشريعة. فالأمة كلها ـ بعد أن استحوذت عليها الايديولوجيا الاسلاموية الوهابية ـ مُلزمة، كما يؤكّد الغنوشي، « بالحسبة على الحكام وإشاعة العلم. كل ذلك لإنتاج رأي عامّ يَقِظ، يقوم بالرقابة العامة لحراسة الشريعة ضد كل انتهاك من الحكام والمحكومين من خلال الممارسة الدائمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[42]». وهذا في حقيقة الأمر تحذير صريح لكافة المواطنين، (في لهجة الاسلاميين “الأمة”، لأن فكرة المواطنة معدومة في الاسلام)، بمن فيهم النخبة المثقفة أن يلتزموا الصمت وأن لا يتجرؤوا على استخدام عقولهم أو تفعيل مواهبهم الفنية والأدبية بكامل الحرية، وإلاّ فإن عصا الردع ستُكسّر عظامهم تكسيرا. ولقد تجرّع التونسيون من هذا التحذير جرعة طفيفة خلال أحداث سينما أفريكا، وعادت محاكم التفتيش (الحسبة) لكي تنشط من جديد بعد غياب دام وقتا طويلا. فالأولوية ليست لإدارة شؤون البلاد بعقلانية، ونشر الوعي بالحرية والتوزيع العادل للثروات، وتمتين روح التمدّن في نفوس المواطنين وتشجيع الإبداع الفني والعلمي. لا أبدا، هذه تفاهات لا تليق بالمسلمين. المهمة العظمى المناطة بعهدتهم فردا فردا هي حراسة الدين (إقامة محاكم تفتيش، وإحداث كتائب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وتفعيل الشريعة الاسلامية بما فيها من قصاص وتعذيب ورجم وبتر وجَلد، وكل ترسانتها اللاإنسانية، فضلا عن المعاملة الدونية التحقيرية لأهل الأديان التوحيدية، إضافة إلى النزعة العدوانية الحربية ضد كل الثقافات والحضارات الأخرى. القاعدة كما يورد الغنوشي ـ مُستمِدّا كلامه من الماوردي ـ هي هذه: “الدين أسّ والسلطان حارس”. ما علاقة هذه القاعدة بالديمقراطية؟ كيف يمكن مَزج الدين بالدولة المدنية الحديثة التي نأت بنفسها عن ادماجه في لعبة السياسة؟ ليس هناك أي اختلاف في ثبوت هذه القاعدة، حسب رأي الغنوشي، والاختلاف الوحيد، طفيف جدا بالنسبة له، لكنه بائن في أعين الدولة المدنية الحديثة، هو «علوية سيادة الشريعة أو التقنين الإلهي على كل سيادة أخرى في هذا النظام[43]». ولا يُخفِي الغنوشي أغراضه في تحقيق تلك الدولة على أرض تونس، تلك الدولة المسخ التي تَمّحي فيها كل مقوّمات المدنية الحديثة، وتندثر فيها إنسانية الانسان حتى يغدو لعبة في يد فقهاء يعيشون في القرن الواحد والعشرين لكنهم يُفكّرون بذهنية القرون المظلمة، ومُنظّرين اسلاميين متشبّعين بمؤلفات السلفيّين كارهي البشر، مشحونة ظلامية وعنفا وإقصاءا. المحقّق هو أن تعالي سيادة الشريعة على التشريعات البشرية، أمر لا جدال فيه، والدولة الاسلامية لا يجمعها أي جامع من حيث السياسة المدنية والتشريع والمؤسسات مع أي دولة حديثة، بل هي دولة تقوم على دين شمولي أو بعبارة الغنوشي “نظام شامل للحياة” يعيش فيه أفرادها «روحيّا وماديا في توافق مع القانون الفطري الذي جاء من الله وهو الاسلام». إنها إسلاموية عالمية لا يفرّ منها أي شيء، ولا يتحرّك خارجها أي فرد من أفراد المجتمع، لا بل إن البشرية كلها سيأتي يوم تغزوهم الشريعة ويتحقق طموح الإسلاميين في وراثة «الأرض كلّها، حتى تكون عبادة الله والتقرّب إليه بالطاعات وفعل الخيرات[44]».

الدين لله والوطن للجميع، كما هو معقول من خلال شعارات العلمانيين، الذين لا يرون أي حاجة إلى قيام سلطة دينية (اسلامية أو مسيحية أو بوذية أو يهودية)، بل يعتبرونها وبالا على المجتمعات ومَجْلَبَة للفتنة والخراب. لكن بالنسبة للإسلاميين هذا الخيار مرفوض، بل مدان من حيث المبدأ، والعبارات التي يستعملها الغنوشي لإدانة هذا التوجه، عدوانية تكفيرية في أقصى معانيها. إنه، حسب زعمه: «انحراف شنيع عن الاسلام ووقوع في الضلال والاثم المُبين، وهو من جهة أخرى استسلام لأعداء الاسلام، وتكريس لاستمرار الهزيمة والتجزئة والتبعية والهوان والضياع الأبدي لفلسطين، وإيكال الاسلام مصيره[45]». هذا التخويف والتخوين لأصحاب الرأي الآخر، ينضاف إليه تنبيه، بل ترهيب للدول والأنظمة العربية (ما عدا الوهابية منها)، وحتى المواطنين، من فتنة رهيبة، من نشوب حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس، إن لم يَقبَلوا بتطبيق الشريعة ولم ينصاعوا إلى تعاليم الاسلام السياسي. كل حكومة عربية تسمح لنفسها بتعطيل أو توقيف العمل بشريعة العذاب وتمتنع عن إقامة الحدود اللاإنسانية، ستُجابه «بالرفض بل الثورة على دولة التجزئة الدكتاتورية “الكهنوت الجديد” التي عانت أمتنا في ظلها التجزئة والتبعية والتخلّف. والعمل الدائب الفردي والجماعي، واسترخاص الأموال والأنفس في سبيل إقامة دولة الاسلام واجب شرعي ومصلحة وطنية وإنسانية واستراتيجية». التحذير يذهب أبعد من ذلك لكي يطال الإنسانية التي لا تعرف، أو لا تريد أن تعرف عن الاسلام وشريعته أي شيء، وإن عرفته فهي تَعي جيدا خطورة تلك التعاليم السياسية الدينية على الثقافة والحضارة والمدنية، وخروقاتها الفضيعة إزاء حقوق الإنسان. التحذير العالمي هو هذا: «طالما ظلّ هذا الواجب معطّلا، فستظل الأمة والإنسانية محرومة من بركات الاسلام وثمار حضارته في الدنيا والآخرة .. العدل والحرية والوحدة والأمن والتقدّم والسلام العالمي والنعيم المقيم في الدارين[46]».

أنا أتساءل، من باب الاستغراب وربما الدعابة أيضا، كيف يمكن للبشرية أن تترك أو تتجاهل نظاما من هذا القبيل، نظاما لو طبّقته في حياتها لحققت بالفعل الجنة على وجه الأرض، ولَقَادَتها بعد الممات إلى جنات النعيم؟ إن الانسانية الحائرة، التي قضت ردحا من الزمن للبحث عن المنظومة الأكثر ملاءمة لتطلعاتها، كان بمقدورها، دون عناء ودون سفك للدماء، أن تجد ضالتها في الشريعة الإسلامية وترتاح وتُريح العالم من التذبذب والضياع. لكن في حقيقة الأمر هذا النظام المثالي لم يُوجد قط في الواقع التاريخي، والمسلمون عانوا من التشرذم والتشتت والثورات والفتن، منذ العهد النبوي الأول وبعده، وصولا إلى عصرنا الحاضر. فالدين، أيّ دين، لا يمكن أبدا أن يضطلع بأي مهمة لتخليص البشرية، ولا حتى التقدّم بها نحو مستقبل فيه بصيص من الحرية والازدهار. الإسلاميون مشهورون بتزوير التاريخ، ولديهم القدرة على تطويع الأشياء لصالحهم مهما كلّفهم الأمر. لكن يكفي للردّ على ادعاءتهم، وتبكيتهم دون رجعة، أن نفحص التاريخ الإسلامي في خطوطه العريضة. فالمسلمون منذ بدايتهم، حسب بسيط التاريخ الاسلامي، شهدوا خلافات وتطاحنات لم تنته قطّ، وقد سفكوا دماءهم باسم الدين، شنوا حروبا بشعة وتقاتلوا حتى الإفناء، دائما باسم الدين (واقعة النهروان قتل فيها عليّ بن أبي طالب أربعين ألفا من الخوارج، يعني أفنى جيلا كاملا تقريبا). انظر إلى كتب التاريخ وإلى الملل والنحل التي أرّخت لانقسام المسلمين فيما بينهم، حتى تعي بأن مثالية تلك الحقبة هي مجرد وهم يروّج له الاسلاميون دون سند تاريخي واقعي. يقول البغدادي في الفرق بين الفرق إن أوّل ما اختلف فيه المسلمون في موت الرسول، ثم اختلفوا في موضع دفنه، ثم اختلفوا بعد ذلك في الإمامة، ثم في شأن فدك وفي توريث التركات عن الأنبياء، ثم اختلفوا في حكم مَانِعي وُجوب الزكاة، ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال طليحة، ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال مسيلمة، ثم بقتال الروم والعجم، ثم اختلفوا بعد ذلك في أمر عثمان لأشياء نقموها منه، ثم اختلفوا بعد قتله في قاتليه وخاذليه اختلافا باقيا إلى يومنا هذا. ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن عليّ وأصحاب الجمل وفي شأن معاوية وأهل صفّين وفي حكم الحَكَمين اختلافا باقيا إلى اليوم. ثم اختلفت الخوارج فيما بينها، فصارت بمقدار عشرين فرقة كل واحدة تُكفر سائرها[47].

ولكن لماذا نذهب بعيدا إلى ماض قصيّ، حسبنا الإلتفات إلى الحاضر ورؤية البلدان التي تطبّق الإسلام وتسير على هديه، مثل أفغانستان، باكستان، الصومال، السودان، واليمن الخ، حتى نتيقن من أنها عوضا أن تحقق الازدهار والرخاء والسعادة، حققت الدمار الشامل، وشعوبها تعيش في الجهل والفقر، ومحرومة من أبسط مقومات العدل والحرية والوحدة والأمن والتقدّم والسلام.

 

 



[1] راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ن. م، ص، 46.

[2] راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ن. م، ن. ص.

[3] ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار عالم الفوائد، ص، 157.

[4] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ن. ص.

[5] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 47. الكلام الذي استشهد به راشد الغنوشي هو لاسماعيل الفاروقي من مقال بعنوان “حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية”، المسلم المعاصر، العدد 26.

[6] ن. م، ن. ص.

[7] ن. م، ص، 48.

[8] ن. م، ص، 50.

[9] ن. م، ص، 54.

[10] الطبري، جامع البيان، دار الفكر، بيروت 1999، ج. 18، ص، 166. أما الزمخشري، فهو على نفس المنوال يكتب “والمراد: أنكحوا من تأيّم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم. وقرىء: من عبيدكم”. الزمخشري، تفسير الكشاف، دار الكتب العلمية، ج. 3، بيروت 1995، ص، 227 ـ 228.

[11] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 54.

[12] ن. م، ن. ص.

[13] ن. م، ص، 62.

[14] ن. م، ص، 64.

[15] هذه أقوال الغنوشي: “أليسوا هم ضحايا أكثر منهم مجرمين؟ ضحايا ثقافة منحطة وتعليم عقيم وتسلّط للأجنبي. ليس الموقف المطلوب مع هذا الجيل الذي استلحقه الغزو الثقافي واقتطعه من الامة اقتطاعا في عصر ركودها واشتغال علمائها بالتفاهات والخلافات المذهبية، موقف القاضي، بل وقف المربّي الطبيب … ولن نخلص من هذه القطيعة عن طريق سل سيف القانون، وإنما بالتخطيط المحكم للعودة إلى إنجاز ما فشل جيل الآباء من أرباب الأسر الشيوخ والأئمة والمدرسة والإعلام والفن في إنجازه، وهو التربية والتثقيف عن طريق تحرير الإسلام من براثن الإنحطاط والتغريب، وبلورة ثقافة اسلامية معاصرة مرتبطة بهموم الجماهير، مسلحة بلإبداعات العصر، تضفي على الأرض صبغة السماء، وتكتشف فيها الأمة ذاتها، وترى خلالها حلول مشاكلها وآمالها”. ن. م، ص، 51. كلام فضفاض نسمعه من كل صوب وحدب.

[16] ن. م، ص، 81.

[17] ن. م، ص، 83.

[18] ن. م، ن. ص.

[19] ص، 86.

[20] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ص، 87.

[21] A. Arnauld, Examen du traité de l’essence du corps contre Descartes, Paris, Fayard, 1999, p. 85.

[22] A. Arnauld, Examen du traité de l’essence du corps contre Descartes, ibid, p. 85. 

[23] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 87.

[24] ن. م، ص، 89.

[25] ن. م، ص، 90.

[26] ن. م، ن. ص.

[27] الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 90.

[28] محمد الشرفي، الإسلام والحرية، سوء التفاهم التاريخي، دار بترا، دمشق 2008، ص، 143.

[29] ن. م، ص، 149.

[30] ن. م، ص، 150.

[31] ن. م، ص، 150.

[32] ن. م، ص، 91.

[33] ن. م، ص، 91.

[34] أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، مكتبة الإيمان، المنصورة 1981، ص، 112.

[35] سيد قطب، مقدمة، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ن. م، ص، 10.

[36] ن. م، ن. ص.

[37] أبو الحسن الندوي، ردة ولا أبا بكر لها، مكتبة السداوي، القاهرة؛ المكتبة المكية، مكة المكرمة [د. ت]، ص، 9.

[38] ن. م، ص، 18.

[39] ن. م، ص، 19.

[40] ن. م، ص، 27.

[41] هذا النعت جاء في سياق وصفه لنظرة السلطة في الاسلام، التي قال إنها وسطية بين الدهريين والشيعة “وهذه النظرة إلى السلطة في الاسلام على أنها وظيفة اجتماعية لازمة، تمثل موقفا وسطا بين موقف الدهريّين (اللائكيين) نفاة هذه الوظيفة وهم دعاة نشطين لتعطيلها مصادمين سنن الدين والاجتماع وإرادة شعوبنا، وبين طائفة من المسلمين ذهبو في غلوّ … إلى اعتبار السلطة في الاسلام وظيفة دينية كالصلاة والصيام قد نص عليها الوحي، كما نص على قائمة اسمية لمن يجب أن يتولاها بعد الرسول”. راشد الغنوشي، الحريات العامة، ص، 92.

[42] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ص، 92.

[43] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 93.

[44] ن. م، ص، 93.

[45] ن. م، ص، 94.

[46] ن. م، ن. ص.

[47] عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، 1995، ص، 14 ـ 18.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق