الإسلام السياسيّ العربيّ والنموذجُ التّركيّ؛ تماثل أم تضادٌّ؟

شكّلت العلمانية في تركيا منذ بدايات عشرينات القرن المنصرم مدماك التطوّر الاجتماعيّ والسياسي العامّ، حيث أسّستها الطبقة البرجوازية – ممثّلة بأتاتورك – على أساس فصل الدين عن الدولة وتصفية كلّ المؤسّسات الدينية الموروثة من العصور الوسطى، مدمّرةً فكرة الخلافة وظلّ الله على الأرض، ومستبدلة كلّ ذلك بمؤسّسة مدنية ترعى الشؤون الدينية، ومُعلية من شأن الفرد والعلم والعقل. وإن لم تتحوّل إلى دولة مواطنية، وهو ما لم يتحقّق في أيّة تجربة أوربية خلال بداية عصر الحداثة. ولكنّ ثلاثة عقود، بدءاً من عشرينات القرن الماضي، من علمنة الدولة والمجتمع والاقتصاد كانت كفيلة، بسدّ الطرق أمام أيّة أطروحات سياسية أو ثقافية تعيد للعثمانية أو للخلافة الإسلامية مجدها القروسطي أو اعتبار الدين والدولة سيان. ما نجح به أتاتورك لم ينجح به النظام العربي. حيث أنّ وقوع العرب تحت هيمنة الاحتلال الأوربي والكولونيالة لاحقا،ً قد ساهم في منع التطوّر الطبيعيّ للبنية الرأسمالية العربية، وبالتالي لم تتمأسس العلمانية كنظام سياسيّ. بينما تمأسست في تركيا، فدخلت الحداثة من موقع التطوّر الطبيعي والحرّ والمماثل للتجربة الأوربية، وشكّلت راديكالية أتاتورك لجهة العلمنة الشاملة، وعدم إعطاء الدين أيّ دور سياسيّ ولا الاستعانة به، لحظة التأسيس التي لا عودة عنها. ما قام به أتاتورك إذن، كان ضرورياً للقطيعة مع الانتكاس نظراً لدور الدين السياسيّ الكبير في تاريخ تركيا كمركز للخلافة وكمدافعة عن الدين الإسلامي لأربعة قرون وخوضها عدّة حروب ضدّ أوربا باسم الدين.

التحديث العلمانيّ التركيّ، استمرّ كذلك، إلى بداية الخمسينات، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، ثمّ بدأت عملية فتح المجال أمام تنظيم الحياة السياسية والسماح بتشكيل أحزاب سياسية، بعيداً عن تسييس الدين وبما يؤمّن ديمومة العلمانية، وتكفّل بذلك الجيش بصفة خاصّة، حيث صار الأمين على تأبّدها. وبالتالي مُنع عن أيّ حزب سياسيّ تسخير الدين لصالح قضيتين: أولاهما أن يعتبر الدين دينا ودولة، وثانيهما أن يعتبر الدين مصدرا للتشريع، وبذلك تحوّل الدين إلى هوية ثقافية حصراً.

وفي هذا السياق نُزعت عن الدين صفة القدسية ولم يعد بمقدور مسيّسيه التذرّع بها، وهو ما دفع القائلين بدور سياسيّ للدين، إلى تمييز أنفسهم أخلاقياً وعلمياً، أي بكلمة واحدة وضعياًً. وبذلك صار أيّ تسييس للدين يأخذ صفة الاعتراف بعلمانية الدولة والديمقراطية والاعتراف بالآخر والسعي إلى برنامج اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي مدنيّ، مع انتقادات مبطّنة وأحيانا صريحة لبعض جوانب العلمانية المتشدّدة، ولاسيما في المجال الاجتماعيّ؛ كقضية الحقّ في الحجاب كحقّ شرعيّ لا يجوز للدولة منعه في مؤسّسات الدولة أو في التعليم. وفي المجال الاقتصاديّ كمحاربة بعض أوجه الفساد ومحاولة إنعاش تركيا اقتصاديا وإخراجها من أزماتها.

على الأحزاب التركية التي تستند إلى الدين إذن، عدم التعارض مع القوانين الصارمة العلمانية للدولة. ومن هنا صارت تلك الأحزاب أحزاباً سياسيةً ديمقراطية في دولة علمانية، الأمر الذي حدّد هوية هذه الأحزاب بشكل مخالف عمّا هو سائد في عالمنا العربي، أي أنّ الواقع العلمانيّ انعكس على الحزب “الإسلامي” فتدقرط وتعلمن..

في عالمنا العربي، تشكّلت دول عربية متصالحة مع الدين ومنحته دوراً كبيراً في التشريع، ونصت معظم دساتيرها على أنّ دين رئيس الدولة – أو الدولة- الإسلام، قبل الاستقلال وبعده وإلى الآن، ومع إخفاق مشروع التحديث العلماني العربي في العلمنة السياسية والاجتماعية، صار الفكر الدينيّ فكراً سلفيا، وأصبح كلّ إصلاح دينيّ إصلاحا ماضويا؛ بعد أن شهدت الخمسينات كلاماً عن اشتراكية إسلامية. أمّا ضرورة الكلام عن الإصلاح وتحديث الدين والسياسة الدينية، فهي مسألة قديمة تعود إلى زمن محمّد علي وتحديثاته، أي نتيجة دخول العرب زمن الرأسمالية كنظام كونيّ، وما يحمله من تغييرٍ شاملٍ في مختلف أوجه الحياة في كلّ أنحاء العالم. فالإصلاح الديني تراجع قليلاً زمن الحركات القومية والشيوعية، وسمح إفلاسها السريع بإعادة الاعتبار للإسلام السياسي ودوره السياسي والإيديولوجي مجدّداً منذ السبعينات. المشكلة عربياً، هي في غياب برجوازية علمانية عربية، لأنّها تكوّنت في سياق نظام رأسمالي عالميّ مكوّن وهيمنيّ، وبذلك لم يدخل العرب إلى العلمانية كنظام سياسيّ يحيّد الأديان عن الدولة، فتوقعنت- صارت واقعاً- منتقصة وهشّة وقابلة للانتكاس، وهو ما حدث لاحقاً مع الأزمات التي بدأت تدخلها الأنظمة العربية ولاسيما مع إخفاق المشروع القومي والاشتراكي، وبقاء فلسطين محتلّة، والمال النفطيّ والوهابيّ الذي يضخّ بدماء الإسلام السياسيّ. وبالتالي تشكّلت الأحزاب الدينية العربية حاملة مقولة الإسلام دين ودولة، مدّعية أنها معبّرة عن روح المجتمع، ورفعت شعارات الإسلام هو الحلّ وغيرها. وكان هذا التوجّه يتأصّل كلما تأزّمت البنية الاجتماعية العربية، أي أنّ الإسلام السياسيّ قدّّّّّّم نفسه كبديل للنظام القائم، وضدّ المشروع الصهيوني والأمريكي. وأصبحت هذه الأحزاب قوى شعبية “طائفية” متعاظمة مع الدور”المقاوم” لها ضدّ إسرائيل أو المشروع الأمريكي في لبنان وفلسطين وغيرهما. وبالتالي هناك اختلاف كبير بين الإسلام السياسي العربي النصّيّ وبين الأحزاب السياسية التركية التي تعتبر الدين جزءا من هوية ثقافية حصراً.

الدعوة “الثقافية” العربية إلى تمثّل الإسلام السياسي العربي للأحزاب التركية، تغفل عن التمايز الذي أشرنا إليه، وبالتالي هي دعوة تماثل بين المختلفين وتشابه بين من لا تشابه بينهم، معتمدة تفكيرا تجريبيّا سطحيّا، يفسّر الظواهر السياسية بالايدولوجيا لا بالمعرفة والتاريخ وتمايز الواقع المادّي، وقد يكون من أسباب تلك الدعوة الرغبوية في التخلّص من أنظمة الاستبداد، أو تشوّش فكريّ كامل في مسألة دمج الحزب الديني بالعملية الديمقراطية.

وربّما كان من أهمّ القضايا التي يجب التفكير بها هي: لماذا لا تزال الأحزاب العربية تنسب نفسها مباشرة إلى الدين؛ كالأحزاب المنحدرة من تيّار الأخوان المسلمين، أو المتحدّرة من التيّار السلفيّ، وتعتبر الدين حلّا كلّيا وشموليا، أو أنّه مصدر للتشريع، مضمرة بذلك، نظرية الحاكمية الإلهية والاستبداد الديني وتكفير المجتمع، في حين أنّ الأحزاب التركية لا ترفع مثل تلك الشعارات؟

يقع على عاتق العلمانيين العرب، إظهار التباين المشار إليه، وإظهار مقدار تهافت العلمانية الدولتية العربية، ووضع مشاريع تنظّم علاقة الأحزاب السياسية الدينية والدين بالدولة، بما يمنع أيّ تسخير للمقدس لصالح فئات سياسية، تصادر على المجتمع حقّه الطبيعيّ في التديّن الشعبيّ، وتسيّس وعيه الدينيّ التقليديّ أو الشعبيّ، وتجريم ذلك قانونياً، وتحديد الموضوع الدينيّ بالمجال الشخصيّ لا بالمجال العامّ في الدولة كما هو واقعياً، واعتبار كلّ حصرية للدين بحزب سياسيّ نوع من الإرهاب والاستبداد وإقصاء لبقية الشعب المؤمن وغير المؤمن عن التمتع بالحرية وحقّ التعبير وحقّ الاعتقاد والحقّ في تغيير الاعتقاد أو عدم الاعتقاد الدينيّ.

الاشتراطات السابقة لا يمكن أن تتحوّل إلى وعي وعلاقات اجتماعية وثقافية ما دامت الدولة والقوانين والنظام السياسي العربي بعيدة عنها. ويمكن أن تتحوّل إلى ذلك مع نهوض مجتمعيّ جديد بتأثير قوّة اجتماعية داخلية كما جرى مع أتاتورك أو الثورة الفرنسية أو الثورات الاشتراكية أو بتأثير تجدّد علمانيّ دوليّ، دون أن نتجاهل دور الواقع الموضوعي- بنية الحداثة- في التحديث البطيء والهامشيّ. أمّا بقاء غير ذلك من الأحوال؛ أي كما هو السائد منها، فإنّ هذه القضايا ستبقى دعوات ثقافية أو سياسية في برامج أحزاب سياسية، وقد تشهد انتكاسات كبيرة للأسباب المذكورة، وبسببٍ من تصلّبِ عود الطائفية السياسية والأصولية، ووجود تنشيط دولي عولمي ضدّ العلمانية، مفسحاً المجال وربما لأغراض سياسية للطائفية بالتحرّك، حيث أصبح للفاتيكان دورٌ سياسيٌّ متعاظمٌ الآن، وكذلك لبقية المؤسّسات الدينية المختلفة في مشرق العالم ومغربه.

ربّما يتحدّد دور العلمانيين دينياً، في نقض الطائفية السياسية وحركات الإسلام السياسي ونقد النص الديني أيضاً، وهو العمل الأصيل فعلاً والذي لم يُقارب…! حيث لا يزال النقد أقرب إلى الإصلاح الديني وتجديد الدين بدلاً من التعامل معه كموضوع معرفة، كما هو حال أيّ موضوع معرفيّ آخر.

لن نبقي السؤال معلّقاً: هل يتحوّل الإسلام السياسيّ العربيّ نحو نموذج الأحزاب التركية؟ الجواب: على الأرجح؛ لا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق