الإسلام السياسي والديمقراطية

في المنعطفات التاريخية التي تبدي قدرا “هائلا” من الأهمية، وتتجلى بمثابتها مفاصل لها ما قبلها وما بعدها، ثمّة حمولات هائلة من الأسئلة والمسائل والإشكاليات التي تتصل بمستويات اجتماعية وسياسة وثقافية ومعرفية تحيل على البرهة التاريخية، برهة الانتقال صوب ما يفترض أنه فضاءات جديدة، اجتماعية وسياسية وفكرية وإيديولوجية مفتوحة، تعيد الاعتبار لما انغلق واحتكر وصودر ومسحت أبعاده ليغدو شكلا “مسطحا” ينعدم فيه أو يكاد الحضور المتعدد والمتنوع والمختلف للمجتمع والفرد، في إطار وحدة المجموع المختلف وحفظ الأبعاد المتعددة للكينونة الفردية والاجتماعية، باعتبار جدل الخاص والعام، والفردي والاجتماعي، ربما تكون تلك الحمولة من التساؤلات والمخاوف جديرة بنقاش يمتدّ على مساحة كبيرة من التفكير، سينشغل بها المنشغلون في حقول السياسة والثقافة والفكر بوجه عام، مما لا يتسع له المجال في هذه السطور. بهذا المعنى ستكون هذه المقالة محاولة لطرح السؤال والأسئلة التي تتعلق على نحو أساس بموضوعة الرهان الإسلامي على الديمقراطية، وأعني هنا التيار السياسي بتبديه الإسلامي أو التيار الإسلامي بسفحه السياسي والحزبي. وهذا السؤال بل الأسئلة لا شكّ أنّها انعكاس للمخاوف الذاتية والموضوعية، الفردية والاجتماعية أيضا “التي تتصل بمستقبل مسألة الديمقراطية والرهان الجمعي والاجتماعي المرتبط بها. إذا السؤال الحارق وربما المأزقي هو هل الديمقراطية في وعي هذا التيار هي مجرد صندوق اقتراع سيحمل أصحابه إلى واجهة السلطة التي غابوا وغيّبوا عنها؟ ما يتيح إرواء لهذا العطش التاريخي وكفى، أي لاشيء بعد ذلك غير السلطة وإعادة إنتاج القبض عليها من جديد عبر آليات مختلفة. وإذا كان ذلك بشيء من التقرير صحيحا “فماذا عن الديمقراطية بوصفها طريقة تفكير وأسلوب حياة، نهجا يقود إلى مأسسة الشأن العام وفردنة الشأن الشخصي، أي مأسسة وضمان الحرية بتجليها العام وتعينها الخاص بكلام بديل.
وإذا ماذا سيكون موقف الإسلام السياسي من الحريات والحقوق التي اكتسبت حقها في الوجود بوصفها محرزا “إنسانيا” عاما” أي كونيا”.
وماذا عن حرية المرأة والأقليات وسوى ذلك من الأسئلة التي سيتكفل عنها القادم غير البعيد.
ثمة مبررات واضحة تسند وتؤطر ما تقدم من مخاوف و قلق وارتياب إزاء ملامح الديمقراطية الوليدة والناشئة باعتبار الغياب التاريخي لها الذي راكم جهلا “مطبقا” وكفرا “مطبقا” كذلك، إزاء هذا المخلوق البشري الذي ينعقد عليه بالمعنى الواسع للكلمة حلم البشر ورهان التقدم والحضارة على طريق شاقة وطويلة يتجسد العقل أو الروح الإنساني بتجليه الكوني وتعينه الواقعي خلالها ويحتفي بحضوره في العالم وفي التاريخ.
ربما يتعين أن نقارب هذه المخاوف من زاويتين، تتمثل الأولى في الوحدة النسقية للديمقراطية، أي حالة الترابط العضوي بين جملة قضايا ومسائل ومفاهيم ومقولات تشكل نسيجا” ضاما فيما بينها، ويمثل غياب أو سقوط أي منها ثلما و”شرخا” في هذا النسق مما يؤدي إلى إصابتها أي الديمقراطية بتشوه خلقي وعيب وجودي وصولا إلى خواء المضمون على المستوى الواقعي. ليس بخاف أن لا ديمقراطية حقيقية بدون العلمانية ولا ديمقراطية بدون الأنسية أو الإنسانوية والمرجعية الدنيوية التي تجعل البشر وحدهم مصدر المشروعية ومناط الحقوق والواجبات وإذا “مصدر القانون ومناط الحرية المرتبط بجملة تعينات وتجليات وأشكال مثل حرية التفكير والاعتقاد والإيمان والتعبير والتمثيل وربما حرية وحق أن يكون الشخص ملحدا”، بوضوح إن الحرية لكذلك على وجه اليقين والتأكيد.
 حق الإنسان على عقله وذهنه ونفسه وجسده وحريته التي تترتب على هذا الحق دون أن يعني ذلك إيذاء “نفسيا” أو ماديا للغير. وحين نقول الإنسان فلا فرق بين الرجل والمرأة التي يشكل حقها وحريتها وطريقة تفكيرها وأسلوب وجودها وعلاقتها بالشريك وسائر أنماط عيشها المرتبطة بكيانها جزءا لا يتجزّأ ولا يقل من حيث المبدأ عن حق الرجل وحريته ومشروعية وجوده التي تبيح له أن يحيا كما يشاء، لا بل سأقول أكثر من ذلك، أن لا مشروعية ولا حق ولا حرية للرجل بدون حق وحرية وسعادة المرأة، فكيف هو الحال إذا كان مجتمع الرجال سيبني الحق والحرية والسعادة على أنقاض ودونية وابتذال المرأة .يقول كانط : لا مشروعية لسعادة البشرية إن كان ثمة طفل يبكي في هذا العالم.
ليست الديمقراطية إذا مجرد صندوق اقتراع وانتخابات تحمل إلى السلطة من يمتلك قدرا أكبر من الأصوات فهذا مجرد شكل وتحصيل حاصل لا أكثر.
الديمقراطية موقف من الذات والآخر، موقف من الإنسان والعالم يحيل إلى مستوى حضور الروح الإنساني أو العقل في العالم وفي التاريخ ، إذا “نحن إزاء قضية الوعي والثقافة بوصفها تبديا” له، هذا الوعي والثقافة أفصحا عن حضور بائس للذات والأنا، هذا الحضور المشوه، العقدي، النرجسي، المفضي إلى العبث. فكان أن حضر الطغاة من كل حدب وصوب، وغاب الحق والحرية والخير والجمال والفرد والذات والقانون. حضر الحذف والإبعاد والنفي والسجن والقبر، وإذا “حضر كل شيء إلا الإنسان بوصفه أس المنظومات ومركزا” على الأقل لحياته وشؤونه ودنياه، بكل بساطة لقد غاب الإنسان.
يحيل ما سبق إلى الزاوية الثانية لهذه المقاربة، وهي ترتبط بغياب الممارسة أي بغياب واقع التناوب على السلطة، وإذا “سقوط بعدها التداولي تاريخيا بكلام بديل، هكذا نحن إزاء ديمقراطية بلا تاريخ وبلا ماض، والديمقراطية هنا بكل أشكالها وأبعادها، السطحي منها والعميق، البسيط أو المركب ومما لا ريب فيه أن كل ما لا يمارس هو شيء غفل محاط بالشكوك والمخاوف، مساحة عذراء لنا أن نحيطها بقلق مشروع ينصب على ما ستفصح عنه نتائج وآثار وكيفيات وأشكال ممارسة وتبديات في فضاء العلاقة أو العلاقات الاجتماعية بتعبيراتها المختلفة، كذلك هي حمالة أحلام وعود وأماني بالمختلف والثري والمتعدد والمتبادل والمنفتح.
لقد غابت التجربة الديمقراطية في ممارسة السلطة، وهذا يعني أننا إزاء شيء له بريقه وهيمنته وطغيانه، نحن إزاء عطش لممارسة السلطة، بعد أن أممت لصالح المستبدين طوال تاريخنا الممتد إلى مئات السنين، إزاء وثن نتعبده من بعيد، لكنه ليس وثنا نأكله حين نجوع ، بل مارد طاغ جبار، يلتهم البشر والضرع والشجر والحجر.
في سياق فرح العقل أو حلم الروح تبدو الديمقراطية مقترحا “اجتماعيا” سياسيا للروح الكلي أو الفكرة الشاملة بتعبير هيغل.
بالمعنى التاريخي، أي تاريخ الديمقراطية أو لا تاريخها لدينا، كان الحاصل صفرا أو لاشيء بل أسوء شيء . لأن الصفر جذر الإمكانات أو بتعبير الياس مرقص حامل اللانهائيات.
نحن إزاء زمن مختلف سنختبر خلاله مفاهيمنا، حيث ستأخذ قوامها الواقعي وتتعين ويكون لها حياة أو لا يكون لكن كيف؟ ربما لا يجوز لنا أن نحكم منذ الآن.
النضج هو ابن التجربة وهذه بنت الممارسة وهذه فعل في الزمن، النضج ابن التاريخ الذي ينفتح على المستقبلي ويؤسسه الحاضر الراهن.
الراهن ليس بعد على مستوى العقل السياسي بوجه عام مقولات ومفاهيم مترابطة تشكل الوحدة النسقية للديمقراطية على اختلاف مستوياتها، بل أن الراهن تراصفٌ للرؤى والمعتقدات والغيبيات التي تشكل إهاب العقل السياسي، وإذا فالراهن محكوم بأيديولوجية المشروعية العليا هذه المرة، أي حكم الديني للدنيوي، جكم السماء للأرض، والغيب للعصر وهذا ما يبرر كثيرا من المخاوف .
تاريخيا كانت التجارب العابرة للإسلام السياسي في الحكم ليست مشجعة، كانت امتدادا للنفي والتفريغ والإبعاد، كانت السلطة بدلالة التسلط والحكم بدلالة الهيمنة والسلطان بدلالة إدارة الأزمة الاجتماعية بمستوياتها المختلفة وإذا السياسة بأزمتها المزمنة بوصفها فاعلية سلطانية بدلالة الامتلاك والطغيان.
هكذا كانت السياسة الفن الذي أنتج مسوخا”، لله درّ الذي قال: إن جميع الفنون أنتجت روائع إلا السياسة فقد أنتجت مسوخا” .
كان العقل السياسي بصيغته الإسلاموية يتحدد بمرجعية أحادية يقينية معتقدية وثوقية، يتداخل فيها الديني بالسياسي بل يحكمه، يتداخل فيها الغيبي بالواقعي بل يحكمه، اللامرئي بالمرئي بل يحكمه.
ثمة تحديات كبيرة في تقديرنا ستنبض بها اللحظة التاريخية هذه، تشكل النسغ الذي تمتح منه جملة الأسئلة القلقة والمخاوف والشكوك المبذورة في فضائنا الذهني والنفسي، حيال ما ستتمخض عنه التجربة الوليدة في ظل واقع التعدد والتنوع والاختلاف القائم على المستويات المختلفة، وهذا يحيل إلى الكيفيات التي سيدار من خلالها الاختلاف، وشكل العلاقة بالحوامل الاجتماعية التي تمثل شكل وحقيقة الدولة المقترحة، بوصفها بؤرة التشاكل والشكل لمجتمع التعدد والاختلاف أي بؤرة المشترك.
تاريخيا، يكون حلّ إشكال التعدد والتنوع والاختلاف، بإدارة الأزمة العمومية وإبقاء المجتمع بتعقيداته المختلفة عند الدرجة صفر من العنف، عبر آليات احتكاره وممارسته بأدوات الدولة التسلطية، لا بل كان ثمة استثمار واضح وإن كان ساكتا”، في العلاقة المفخخة بين المكونات الاجتماعية، فهل يسوغ والحال هذه الاطمئنان إلى أن حكم التيار الإسلامي سيحمل معه نفحا “طيبا”، حيال المختلفين أيما كان شكل، هذا الاختلاف وسيكون حاميا “وحافظا” لحقوق الأقليات، ولا فرق في أن تكون أقلويا على المستوى الديني أو المذهبي أو الأيديولوجي أو الفكري.
هل يسوغ ذلك في إطار الدولة المدنية التي يقول بها منظّرو التيار الإسلامي ؟
لا يعني ذلك أبدا الوقوف ضد حكم الإسلام السياسي وإفساح المجال على اتساعه لممارسة السلطة، إذا كانت الديمقراطية التي نؤمن بها ستدفع بهؤلاء إلى واجهة السلطة، ولكن يتعين على ما نعتقد أن تكون هذه المخاوف والأسئلة حقا لأصحابها الذين يغايرون ويختلفون مع أنصار التيار الإسلامي، وحقه في تولي الحكم.
ويبقى كذلك من حق العقل السياسي المغاير أن يؤمن بدولة وطنية واجبة وممكنة : دولة حق وقانون ذات شكل علماني وحديث وهي من أهم خياراته التي سيدافع عنها حتى النهاية وإلا سيكون المدى مفتوحا” على إعادة إنتاج دائمة للحرب داخل المدينة وهذا هو نسغ القلق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق