الإسلام المتراجع (خواطر بعد مأساة المسجد الأحمر)

 اسألوا هؤلاء الشيوخ الذي يفتون باسم الدين، وهؤلاء المهرّجين الذين نصّبوا أنفسهم زعماء للإسلام، وهؤلاء البسطاء الذين لبسوا ثياب التقوى وزعموا أنهم يهدون الناس سواء السبيل. اسألوهم هل قرأوا المثنوي لجلال الدين الرومي وهل داعبت مسامعهم أشعار رابعة العدويّة في العشق الإلهي وهل فقهوا شيئا من حكمة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وهل هم قادرون على أن يشرحوا فقرة واحدة من كتاب حكمة الإشراق للسهروردي وهل عرفوا أنّ كلّ اللاهوت الإسلامي (علم الكلام) إنّما استند إلى فلسفة ابن سينا الناقلة بدورها عن الإغريق؟

إنّ نموّ التطرّف الديني وتحوّله إلى الإرهاب في عديد الحالات وخنقه للمجتمعات ولتطورها الطبيعي في غالب الأمر لا يرجع فقط إلى ضعف الحداثة عندنا، مع أنّ لهذا السبب وقعا وخطرا عظيمين، ولكن يضاف إلى هذه المصيبة الأولى حدّة القطيعة التي حدثت بين المسلمين وتراثهم الديني والروحي. وقد جاء الوعاظ المحدثون يستبدلون ذلك التراث الثريّ بمختصرات فقهيّة سهلة القراءة تناسب مستوياتهم الذهنيّة المتواضعة، وبدا لهم من خلال قراءتهم لتلك المختصرات أنّ الفتوى في الدين أمر بسيط فنصّبوا أنفسهم فقهاء دون معرفة وعلماء دون علم. وترى منهم من خاب في الدراسة واشتهر بمساوئ الأخلاق ثم يتوب فجأة ويطلق لحيته ويصبح فقيها يفتي في الحلال والحرام ويتحدث باسم الله والشرع.

وليست المسألة عرضيّة متصلة ببعض الشواذ فإنّ التراث الروحاني الإسلامي قد أهملت أغلب أجزائه ولم يبق منه إلا فقه العوام الذي أصبح ديانة الخاصة. لذلك تضخّم الحديث باسم الإسلام وعنه، خاصة منذ السبعينات وهي الفترة التي شهدت غيابا شبه كلّي لمحاولات بناء فكر دينيّ جديد في الإسلام.

والأدهى أن القطيعة بين المسلمين وتراثهم الديني لا تتصل بشخصيات من الماضي وحسب لكنها تشمل أيضا شخصيات من الفترة المعاصرة، مثل محمّد عبده (1849ـ 1905) ومحمّد إقبال (1873ـ1938). وليس أبلغ من التراجع العجيب الذي شهدته حالة الإسلام المعاصر ما رأينا مؤخرا من فتاوى بلغت الحدّ الأقصى من الإسفاف والعبثية: فتوى “الدكتور” عزت صافي لتحليل الخلوة بين الرجل والمرأة في محل العمل بحيلة شرعية تتمثل في إرضاع المرأة لزميلها كي يصبح محرّما عليها، هل من هراء أكثر من هذا؟ أمّا مفتي مصر المصنف مع ذلك ضمن المعتدلين، وبعد أن تميّز ببحث حصيف حول جواز التبرّك ببول النبي، فقد أصدر فتوى بتحريم الصور والتماثيل في بلد يعيش بفضل سياحة الآثار الفرعونية. وهكذا التقى المفتي الرسمي بجماعة طالبان المحظورة وقد سبقته في التحريض على تدمير التماثيل البوذية التي تعايشت مع الإسلام منذ بلوغه السند والهند. أمّا مفتي الفضائيات الشيخ القرضاوي فقد أفتى بدوره بأنّ الإسلام يحرّم التماثيل وكلّ الصور المجسمة ومما ورد في فتواه العظيمة ما يلي: “بعض الناس يقول هذا كان في عهد الوثنية وعبادة الأصنام أما الآن فليس هناك عبّاد للأصنام، وهذا ليس بصحيح، فلا يزال في عصرنا من يعبد الأصنام ويعبد البقرة ويعبد المعز، فلماذا ننكر الواقع؟ هناك ناس في أوروبا لا يقلّون عن الوثنيين في شيء تجد التاجر يعلّق على محلّه حذوة حصان مثلا، فالناس لا يزالون يؤمنون بالخرافات والعقل الإنساني فيه نوع من الضعف حتى المثقفون يقعون في أشياء هي من أبطل الباطل ولا يصلها عقل إنسان أمّي. فالإسلام احتاط وحرّم كلّ ما يوصل إلى الوثنية أم يشتمّ منه رائحة الوثنية ولهذا حرّم التماثيل وتماثيل قدماء المصريّين من هذا النوع”. تبارك الله على حكمة الشيخ التي ستصلح العالم كلّه من الهنود الذين يعبدون البقر إلى الأوروبيين الذين يعلقون في محلاتهم حذوة الحصان إلى المثقفين الذين يقعون في الباطل لأنّ عقولهم قاصرة على أن تدرك رجاحة عقل سماحته!! (النص الكامل للفتوى وفتاوى أخرى من نفس القبيل في موقع www.bokra.net ).

قبل فتوى علي جمعة بقرن كان يحتلّ منصب الإفتاء في مصر عالم دين مستنير طرح عليه السؤال الذي طرح على “الدكتور” المفتي فأجاب بما يلي: “إنّ الراسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان”. وردّ على المعترضين الذين يحتجون بالحديث “إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة هم المصورون” بأنّ “الحديث جاء في أيّام الوثنيّة وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين الأول اللهو والثاني التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين. والأوّل مما يبغضه الدين والثاني مما جاء الإسلام لمحوه. والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به. فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر”. ثم أضاف متأسفا: “إنّ المسلمين لا يتساءلون (بمعنى: لا يطلبون الفتوى) إلاّ فيما تظهر فائدته ليحرموا أنفسهم منها (…) هل سمعت أننا حفظنا شيئا حتى غير الصور والرسوم؟ ليست ملكة الحفظ مما يتوارث عندنا وإنما الذي يتوراث هو ملكات الضغائن والأحقاد تتناقل من الآباء إلى الأولاد حتى تفسد العباد وتخرب البلاد ويلتقي بها أربابها على شفير جهنم يوم المعاد” (محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج 2، صص 204-208).

وقبله سجّل ابن خلدون حماقة التفكير بتحطيم التماثيل والآثار فذكر أنّ هارون الرشيد عزم على هدم إيوان كسرى “وبعث إلى يحيى بن خالد البرمكي في محبسه يستشيره في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلا يستدلّ به على عظم ملك آبائك الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل. فاتهمه في النصيحة وقال: أخذته النعرة للعجم. وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه واتخذ له الفؤوس وحماه بالنار وصبّ عليه الخلّ حتى إذا أدركه العجز بعد ذلك كله وخاف الفضيحة بعث إلى يحيى يستشيره ثانيا في التجافي عن الهدم فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل واستمرّ على شانك لئلا يقال عجز أمير المؤمنين وملك العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم. فعرفها الرشيد وأقصر عن هدمه” (الباب الرابع من المقدمة، فصل في أن الهياكل العظيمة جدّا لا تستقلّ ببنائها الدولة الواحدة).

لكن فقهاء هذا العصر لا يقرأون ابن خلدون، أمّا محمّد عبده فقد قال عنه راشد الغنوشي في كتاب “ما هو الغرب؟” إنّه ليس مصلحا لكنّه مجرّد شيخ مبهور بالغرب (الغنوشي وآخرون: ما هو الغرب؟ تونس، منشورات المعرفة، دون تاريخ). وكأنّ محمّد عبده قد حدس حركة الإسلام نحو التراجع فقال وهو على فراش موته:
ولست أبالي أن يقال محمّد أبلّ أم اكتظت عليه المآتم
ولكنّ دينا أردت صلاحه أخاف أن تقضي عليه العمائم

إنّ العمائم التي تنشر الجهل هي المسؤولة عن دماء الشباب المغرّر بهم التي تذهب هدرا في عمليات إرهابية فظيعة أو بطولات زائفة من نوع ما رأينا مؤخرا في كارثة الاعتصام بالمسجد الأحمر بباكستان. ولم تعد باكستان تذكر اليوم إلاّ وتتوارد إلى الأذهان صور المدارس الطالبانية والأحزاب الدينيّة المتطرفة واللحى والجلابيب البيض (المستوردة من بلاد الحرب والكفر) تغرق الطرقات بشغبها. ثم كان آخر المطاف عملية التحصّن بالمسجد الأحمر بالعاصمة الباكستانية إسلام أباد وقد انتهت بمقتل عدد يترواح بين المائة والثمانمائة شخص في بعض الأقوال. هل هذه باكستان التي أرادها وحلم بها مؤسسوها سنة 1947؟

اسألوا تلك الجموع التي أخذت المسجد رهينة واسألوا شيوخهم الذين قادوهم إلى الموت: هل قرأوا كتابات محمّد إقبال، الأب الروحي لدولة بالكستان؟ هنا بعض المواقف الدينيّة لإقبال نستعرضها ونسأل دعاة التكفير المعاصرين: هل يتجرّأون على تكفير صاحبها وقد فتح باب التأويل الرمزي للغيبيات وتقريب الدين من تطورات الأزمنة الحديثة؟

يقول محمّد إقبال بخصوص البعث: “البعث إذن ليس حادثا يأتينا من خارج بل هو كمال لحركة الحياة في داخل النفس. وسواء أكان البعث للفرد أم للكون فإنه لا يعدو أم يكون نوعا من جرد البضائع أو الإحصاء لما أسلفت النفس من عمل وما بقي أمامها من إمكانيات” (ص 183). ويقول بخصوص الجنة والنار: “أما الجنّة والنار فهما حالتان لا مكانان ووصفهما في القرآن تصوير حسي لأمر نفساني أي لصفة أو حال. فالنار في تعبير القرآن هي (نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) إدراك أليم لإخفاق الإنسان بوصفه إنسانا. أما الجنة فهي سعادة الفوز على قوى الانحلال. وليس في الإسلام لعنة أبديّة. ولفظ الأبديّة الذي جاء في بعض الآيات وصفا للنار يفسّره القرآن نفسه بأنه حقبة من الزمان (سورة النبأ، آية 23). والزمان لا يمكن أن يكون مقطوع النسبة إلى تطوّر الشخصيّة انقطاعا تاما فالخلق ينزع إلى الاستدامة وتكييفه من جديد يقتضي زمانا. وعلى هذا فالنار كما يصوّرها القرآن ليست هاوية من عذاب مقيم يسلطه إله منتقم بل هي تجربة للتقويم قد تجعل النفس القاسية المتحجرة تحسّ مرّة أخرى بنفحات حيّة من رضوان الله. وليست الجنة كذلك إجازة أو عطلة، فالحياة واحدة ومتصلة، والإنسان يسير دائما قدما فيتلقى على الدوام نورا جديدا من الحقّ غير المتناهي الذي هو (كلّ يوم هو في شأن). ومن يتلقى نور الهداية الربانية ليس متلقيا سلبيا فحسب لأن كل فعل لنفس حرة يخلق موقفا جديدا وبذلك يتيح فرصا جديدة تتجلى فيها قدرته على الإيجاد” (ص 141).

ويقول عن الوحي: “وفي الحقّ إنّ الطريقة التي استعمل بها القرآن لفظ الوحي تبين أنه يعتبر الوحي صفة عامة من صفات الوجود وإن كانت حقيقته وطبيعته تختلفان باختلاف مراحل التدرّج والتطور في الوجود. فالنبات الذي يزكو طليقا في الفضاء، والحيوان الذي ينشئ له تطوره عضوا جديدا ليمكنه من التكيف مع بيئة جديدة، والإنسان المستلهم للنور من أعماق الوجود، كل أولئك أحوال من الوحي تختلف في طبيعتها وفقا لحاجات مستقبِل الوحي أو لحاجات نوعه الذي ينتمي إليه. وفي طفولة البشرية تتطور القوة الروحانية إلى ما أسميه الوعي النبوي، وهو وسيلة للاقتصاد في التفكير الفردي والاختيار الشخصي وذلك بتزويد الناس بأحكام واختيارات وأساليب للعمل أعدّت من قبل” (ص 143). ويقول عن ختم النبوّة: “إن النبوّة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوّة نفسها. وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود يقاد منه، وأنّ الإنسان، لكي يحصّل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو” (ص 144).

ويقول في النظام الجمهوري: لا بدّ من أن نفعل يوما ما فعله الترك (…). إن تنصيب خليفة أو إمام أمر محتوم لا غنى عنه طبقا لرأي أهل السنة. وأول سؤال يرد في موضوع الخلافة هو هل ينبغي أن تسند الخلافة إلى شخص مفرد؟ وقد أجاب الاجتهاد التركي عن هذا بأن روح الإسلام تجيز إسناد الخلافة أو الإمامة إلى جماعة من الناس أو إلى مجلس منتخب. وعلى قدر ما أعلم، لم يبد فقهاء الدين من المسلمين في مصر والهند حتى الآن رأيهم في هذا الموضوع. أما أنا فاعتقد أن الرأي التركي رأي جيد سليم ولا يكاد يوجد ما يدعو إلى الجدل فيه. ونظام الحكم الجمهوري لا يتفق مع روح الإسلام وحسب بل لقد أصبح كذلك ضرورة من الضرورات نظرا للقوى الجديدة التي انطلقت من عقالها في العالم الإسلامي” (ص 180-181). ويقول في تركيا بعد إلغاء الخلافة: “إن تركيا في الحق هي الأمة الإسلامية الوحيدة التي نفضت عن نفسها سبات العقائد الجامدة واستيقظت من الرقاد الفكري وهي وحدها التي نادت بحقها في الحرية العقلية وهي وحدها التي انتقلت من العالم المثالي إلى العالم الواقعي، تلك النقلة التي تستتبع كفاحا مريرا في ميدان العقل والأخلاق” ( 186). ويقول في الوحدة الإسلامية: كل شعب من شعوب الإسلام يجب أن يشغل بنفسه في الوقت الحاضر وأن يركز اهتمامه مؤقتا في شؤونه وحده، إلى أن تصبح شعوبه جميعا قوية قادرة على تأليف أسرة حية من جمهوريات قويّة” (ص 183).

ويقول إقبال في نقد الفقه: “لا ريب عندي في أن التعمق في درس كتب الفقه والتشريع الهائلة العدد لا بدّ من أن يجعل الناقد بمنجاة من الرأي السطحي الذي يقول بأن شريعة الإسلام شريعة جامدة غير قابلة للتطور. ومن سوء الحظّ أن جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم في بلدنا لم يستكملوا الأهبة بعد لدرس الفقه دراسة نقدية ومن المرجح أن هذه الدراسة إذا حدثت تسيء معظم الناس وتثير خلافات مذهبية” (ص 189). ويقول أيضا: “هذه المذاهب {الفقهية} مع إحاطتها وشمولها ليست إلا تفسيرات فردية وهي بوصفها هذا لا تستطيع الزعم بأنها القول الفصل. وعلماء الإسلام فيما أعلم يقولون بتقليد مذاهب الفقه المشهورة وإن كانوا لم يجحدوا قطّ أن من الممكن من الوجهة النظريّة إنكار حقّ الاجتهاد المطلق. ولكن بما أن الأحوال قد تغيرت والعالم الإسلامي يتأثر اليوم بما يواجهه من قوى جديدة أطلقها من عقالها تطور الفكر الإنساني تطوّرا عظيما في جميع مناحيه فإني لا أرى موجبا لاستمرار التمسك بهذا الرأي” (ص 193). ويقول في نقد الحديث: “يقتضي أن نفرّق بين الأحاديث التي تتضمن أحكاما تشريعية والأحاديث التي ليس لها طابع تشريعي. وفيما يتعلق بالنوع الأول ينشأ سؤال بالغ الأهميّة هو مدى ما يتضمنه من عادات كانت للعرب قبل الإسلام فتركها الإسلام دون تغيير، وأخرى أدخل فيها النبيّ تعديلا. وليست هذه التفرقة من الأمور السهلة وذلك لأن المؤلفين المتقدمين لا يشيرون دوما إلى عرف الجاهلية وعاداتها. وليس من الممكن كذلك أن نتبيّن أن ما أبقى عليه الإسلام من هذه العادات بقبول النبي لها تصريحا أو ضمنا قد أريد بها أن تكون ذات صفة عامة في تطبيقها” (ص 197).

ويقدّم تصوّرا عن الاجتهاد الحديث فيقول: “انتقال حق الاجتهاد من أفراد يمثلون المذاهب إلى هيئة تشريعية إسلامية هو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يتخذه الإجماع في الأزمنة الحديثة، فإن هذا الانتقال يكفل للمناقشات التشريعية الإفادة من آراء قوم من غير رجال الدين ممن يكون لهم بصر نافذ في شؤون الحياة وبهذه الطريقة وحدها يتسنى لنا أن نبعث القوة والنشاط فيما خيّم على نظمنا التشريعية من سبات ونسير بها في طريق التطوّر” (ص 200). ويميّز بين دين الإيمان الجماعي كما كان يمارس قديما ودين الاستكشاف الفردي والعقل المنفتح: “نستطيع أن نقول إن الحياة الدينية من الوجهة العامة يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أطوار يمكن وصفها بطور الإيمان وطور الفكر وطور الاستكشاف. والحياة الدينية تبدو في الطور الأول صورة من نظام يجب على الفرد والأمة بتمامها أن تخضع لأمره خضوعا مطلقا ومن غير تحكيم العقل في مراميه البعيدة أو غايته القصوى. وهذا الاتجاه قد يكون له نتائج عظيمة في التاريخ الاجتماعي والسياسي لشعب من الشعوب لكنه ليس كبير الأثر في نماء الفرد من الناحية الروحية وفي امتداد أفقه. والتسليم المطلق بنظام ما يأتي في أعقابه تفهّم الحياة الدينية عن أصلها في نوع من الميتافيزيقا هي نظر في الكون متسق اتساقا منطقيا ومن فروعه البحث في ذات الله. وفي الطور الثالث يحلّ علم النفس محل الميتافيزيقا وتزيد الحياة الدينية في طموح الإنسان إلى الاتصال المباشر بالحقيقة القصوى. وهنا يصبح الدين مسألة تمثل شخصي للحياة والقدرة ويكتسب الفرد شخصية حرّة لا بالتحلّل من قيود الشريعة ولكن بالكشف عن أصلها البعيد في أعماق شعوره هو” (ص 209).

إنّ كلّ فقرة من هذه الفقرات سيكون مصيرها التكفير اليوم وسيهدر دم صاحبها، ونحن نناشد الشيوخ الأفاضل يوسف القرضاوي وعلي جمعة وعزت صافي وزعماء الحركة الإسلامية في باكستان وكنّا نودّ لو وجهنا السؤال ذاته إلى إمام المسجد الأحمر المولى عبد الرشيد غازي قبل أن يقضى ويذهب إلى الجحيم: هل تتجرّأون أيها السادة على تكفير محمد عبده ومحمّد إقبال؟
(تنبيه: الاستشهادات المنقولة عن إقبال واردة في كتابه “تجديد التفكير الديني في الإسلام”، نقله إلى العربيّة عبّاس محمود وعلّق عليه الشيخ عبد العزيز المراغي والدكتور مهدي علاّم. ط. 1985. ونرجو بالمناسبة أن تتاح الفرصة لنشرة جديدة فعلا لهذا الكتاب تراجع ترجمة عباس محمود التي لا تخلو من الهنات وتستبدل التعليقات الفلسفية الساذجة للشيخ المراغي بتعليقات معلّق عارف بالفلسفة. يمكن للقرّاء مراجعة النصّ الإنجليزي الأصلي ونصوص أخرى لإقبال على الموقع www.allamaiqbal.com )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق