الإسلام المعتدل

أولاً- بوسعنا أن نلمح بوضوح الجبهة العريضة لخصوم الإسلام الراديكالي( المتطرّف) أو الجهادي، التي تقف وراء هذا المفهوم. إذ يشترك في الدعوة إليه طيف واسع ومتنوّع ومختلف أشدّ الاختلاف من المناوئين للإسلام المتشدّد، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وتضمّ هذه الجبهة الساسة البراغماتيين، والإصلاحيين والليبراليين، والعقلانيين، والعلمانيين، ومبشّري الحداثة الغربية، الجواسيس ورجال المخابرات، وعلماء وباحثين في مراكز الدراسات الإستراتيجية….الخ لكن هذا الائتلاف المقدّس لا يلبث أن يقف عند حدود الدعوة فحسب، ليشرع بالانقسام العميق في فهم طبيعة الإسلام المعتدل Moderate Islam، ما هو الإسلام المعتدل؟ وكيف يكون الإسلام معتدلاً؟

يبدو هذا المفهوم متخماً بالمطالب الأيديولوجية والسياسية المباشرة، التي تستهدف توافقاً من نوعٍ ما بين المطالب الراديكالية المطلقة للإسلام وثبات مرجعيته المقدّسة(النص) وتعاليها، وبين نسبية مطالب الراهن المتغيّرة والمباشر. فالإسلام المعتدل، من وجهة النظر هذه هو إسلام متغيّر ومعدّل- ويكاد أن يكون محوّراً- يستجيب لمنطق العصر. يريده الغرب، بخاصة الغرب الرأسمالي، ويريده المسلمون أنفسهم بزعم أصحاب هذا الشعار. ولا يتغافل عدد كبير من المنظّرين له والمروّجين لهذا النمط، عن حقيقة إنه المطلوب أمريكياً أيضاً، ويتعيّن عليه أن يتسق مع الوجهات السياسية والأيديولوجية الأمريكية ومراميها. إنّه إسلام يتعايش مع الحداثة، يعترف بالآخر المختلف دينياً ويتواءم معه، ويُراد به أن يكون إسلاماً وديعاً ولطيفاً، وحتى رومانسياً إن اقتضى الأمر، متحرراً من حالة الاحتقان الأيديولوجي ومتطهراً من وباء الكراهية ورفض الآخر. أن تكون مسلماً معتدلاً، كما عبّر أحدهم، يعني أن تكون جيداً، مطيعاً ومرناً إلى أقصى حدّ في نظر المجتمع الغربي. وتصل الدعوة بالبعض إلى مديات بعيدة في المطالبة بنوع من الإسلام التاريخي، المؤسَّس على قراءة و فهم جديدين بالدين ودوره، يستجيب لمنطق الواقع ومطالبه حتى لو اقتضى الأمر انزياحاً معرفياً ومعتقدياً عن الموروث المقدس. أي إنتاج خطاب ديني معاصر يتجه إلى المستقبل ويعوّل على الحاضر حتى ولو عارض المطلقات المقدسة والعقائد في النص المقدس، وتصل الحماسة ببعضهم إلى حدّ المطالبة بتخلص المسلمين من نصف القرآن إذا أرادوا التوافق مع العالم والانسجام مع منطق المدنية.

وبالمقابل نجد شطراً كبيراً من القائلين بالاعتدال، وبخاصة الإسلاميين منهم، يرى أن الاعتدال ليس اختراعاً جديداً، أو بدعة تاريخية أو سياسية، أو صفة طارئة وعارضة للإسلام. فالإسلام برأيهم، كان على الدوام يمثل جوهر الاعتدال، ويحتلّ مصطلح الوسطية أو الاعتدال مركز المعايير الإسلامية. فلا يمثل الإسلام الراهن، المتهوّر من وجهة نظرهم، إسلام العنف والتطرف والإقصاء والتكفير، سوى تقهقر أو مروق عن النقاء الأولي للإسلام وتحريفاً له. فالإسلام السائد والحاضر أو الماثل أو المشاهد، هو ليس بالإسلام الحقيقيّ، إنما الشكل المشوّه والمارق للإسلام الغائب، الذي يعني الاعتدال والوسطية كما يصرّح الإسلام السلفيّ عن نفسه ويصف ذاته على هذا النحو. يصف رئيس وزراء الماليزي السابق أحمد بدوي الإسلام بأنه دين الاعتدال، وهو عكس التطرّف والتشدّد والعنف، ولا يعارض ضمناً الحداثة والغرب…إنه يدعو إلى قيم التفاهم المتبادل والحوار والتسامح والتعددية. فالإسلام بطبيعته هو دين الوسطية والاعتدال، وعليه لا يجدون تمييزا يستحق الذكر بين الاعتدال والإسلام، فالإسلام هو دين الاعتدال وجوهره. ليس ثمة جديد في الحاجة إلى الاعتدال، من وجهة نظر هؤلاء، سوى الدعوة الملحة للعودة إلى الإسلام الأولي، إسلام السلف الصالح ونهجهم الذي برأيهم هو الإسلام الحقّ، فكلّ مسلم حقيقي هو وسطيّ وسلفي ومعتدل في آن.

يتباين موقف عدد من المفكرين المعاصرين إزاء ظاهرة الإسلام السياسي عن الاتجاهين السالفين تبايناً كلياً. ويمثله مؤلف كتاب( صدام الحضارات) صموئيل هينتغتون، الذي يقول باستحالة التعايش الإيجابي والحوار بين الإسلام، والإسلاميين ككل، وبين الحضارة الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة. فالإسلام السياسي، من وجهة النظر هذه، ليس مجرّد تحدّ أيديولوجي فحسب، وإنما هو تهديد خطير وجديّ رئيس للمصالح الغربية والأمريكية، ولقيمها المدنية، إذ ورث مكانة الخطر الشيوعي بعد الفراغ الذي خلّفه زوال الإتحاد السوفييتي. وكرّست كارثة أيلول 2001 من مكانة هذا الأخير، الذي وجد فيها برهاناً راسخاً على صدق مزاعمه من أن الإسلام وحركات الإسلام السياسي ليست مجرد تحدّ، وإنما هي تهديد وجودي.

تلقى فكرة الإسلام المعتدل رواجاً واسعاً على المستويين السياسي والإعلامي، وقد راهنت إدارة بوش أخيراً على هذا التيار باعتباره حصان طروادة في هذه المرحلة لاختراق العالم الإسلامي إلى حين، مثلما راهنت الحكومات السابقة على نقيضه المتشدد في حقبة الثمانينات لمواجهة المدّ الشيوعي، بخاصة في أفغانستان. وبموازاة هذا الأمر تؤكد عدد من مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية على أن الإخوان المسلمين يعدّون النموذج الأمثل للتيار الإسلامي المعتدل في الوقت الراهن. ويشيرون عادة إلى النجاح الذي حققه هؤلاء في عدد من البلدان الإسلامية (الانتخابات التشريعية المصرية، الانتصار السياسي والتشريعي الذي حققوه في تركيا)، وبرأيهم فإن مثل هذا النجاح يعدّ مصدّاً قوياً بمواجهة النمو المتصاعد للتيارات المتشددة بصفة عامة. لكن السؤال الذي يشكل محكّ اختبارٍ لمثل هذا الادعاء هو، هل يشكل الإسلام المعتدل، إذا وجد، ضمانة دائمة وحقيقية، ليست عارضة أو زائفة، ضدّ التطرف؟ ألم تخرج جميع الجماعات الجهادية اليوم من عباءة الإخوان الأيديولوجية والتنظيمية؟ ألا تمثل، دون مواربة، وجهها الحقيقي، وتجليها السياسي الأقصى؟ ألا تعدّ امتداداً سياسياً وعقائدياً واجتماعياً لها؟؟

ثانياً- يعود الاهتمام الأمريكي بالحركات الإسلامية إلى الحقبة التي تلت سقوط نظام الشاه رضا بهلوي 1979 . إذ أذهل الخطاب الأيديولوجي والسلوك السياسي لرجال الدين، الذين أطاحوا بالنظام الحليف للغرب، الأمريكيين وأثار لديهم التوجس والفضول معاً. ومما كرّس لديهم هذا الشعور وعمق الخشية أيضاً اغتيال الرئيس المصري أنور السادات بيد الإسلاميين الناقمين على سياساته المنسجمة إلى حدّ كبير مع التوجهات الأمريكية في المنطقة. ومع هذا واظبت الإدارة الأمريكية زمن الرئيس رونالد ريغان على دعم الإسلام السياسي في أفغانستان وتوظيفه واستغلاله في المواجهة مع النفوذ السوفييتي.

في حقبة التسعينات من القرن الفائت أخذت الدراسات الأمريكية والأبحاث التي تتناول الحركات الإسلامية وتوجهاتها الأيديولوجية تترى وتزدهر، مما عكست تنامي الاهتمام الأميركي بها على المستويين السياسي الرسمي والإعلامي. وشهد هذا الاهتمام تحولاً نوعياً وتقدماً ملحوظاً بعد أحداث أيلول 2001 المأساوية. إذ طغت الدراسات المتنوعة للإسلام وبخاصة السياسية منها على غيرها من المباحث الاستشراقية والإنسانية. من هنا نشأ نطاق علميّ متخصص ومستقل يمكن أن نصطلح عليه أكاديمياً بـالإسلام البديل، ويشمل حقل الدراسات التي تتناول التحديث الإسلامي والتجديد والإصلاح، ويهدف إلى إيجاد رؤية متماسكة ونظرية شاملة عن إسلام معتدل بديل عن الإسلام الراديكالي، ومعالجة مشكلة التطرف الديني بوصفه تحدياً عقائدياً، والبحث عن الأسباب الرئيسة التي كمنت وتكمن وراء الإسلام الجهادي والتطرف الأيديولوجي.

وكما سيتّضح، فإنّ معظم تلك الأبحاث والدارسات تصف المشهد وكأنّه صراع حول روح الإسلام، معركة بقاء بين الأفكار والعقائد الأصلح. هنالك وباء أيديولوجي، كما تصفه الهولندية أيان هيرسي، يسمى الإرهاب ويتعين مكافحته بالمثل. وتجد الدعوة إلى الاعتدال الإسلامي مبررها من هذا الواقع، من مأزق التعايش بين العقائد المختلفة دينياً، رفض الآخر، الكراهية الأيديولوجية، الاحتقان الديني…الخ ولهذا السبب يتعيّن إعادة النظر في التأويلات المتطرفة للإسلام دون الاكتراث بالشروط الموضوعية التي قادت البشر في هذا الوقت بالذات، إلى فهم دينهم على هذا النحو دون آخر، والتمترس وراء هذه القراءة الدوغمائية دون غيرها…

أصدرت مؤسسة راند Rand Corporation عام 2004دراسة مطولة بعنوان( العالم الإسلامي بعد 11-9) سعت من خلالها إلى تقديم رؤية إستراتيجية شاملة ومتماسكة عن الوقائع والأحداث التي عصفت بالعالم بنتيجة التحولات الأيديولوجية والمتغيرات الدينية في العالم الإسلامي. وعمدت الدراسة إلى مسح شامل لخارطة العقائد والأيديولوجيات التي تسوده، محاولة إبراز الاختلافات النوعية في تياراته المذهبية والفكرية. وقد ميزت في هذا السياق بين أنساق ثلاثة رئيسة تتقاسم الصراع العقائدي في العالم الإسلامي، سلفي، راديكالي( متشدد)، ومعتدل. واهتمّت الدراسة بالأبعاد التاريخية والعرقية والثقافية للاختلافات الأيديولوجية بينها، وبخاصة بين السنّة والشيعة.

عمدت الدراسة إلى الكشف عن العلل الرئيسة التي قادت إلى التطرف الديني في العالم الإسلامي وبروز الإسلام السياسي المسلح. واستطاعت هذه الدراسة أن تتخطى، إلى حدّ كبير، تناقضات الدراسات الأكاديمية، التي فسّرت الموقف على أنه مجرد تعبير عن صراع الأفكار المقدسة والعقائد الدينية، وبالمقابل نحت إلى البحث في العلل المادية والمؤسسات والبنى الاجتماعية التي شكلت مقدمات موضوعية لنشوء ظاهرة التطرف الديني، من قبيل فشل التحديث وانتكاس المشاريع التنموية وإخفاق النماذج السياسية والاجتماعية التي هيمنت على المجتمعات الإسلامية في حقبة ما بعد الاستقلال. وهذه هي الملاحظة الأكثر أهمية في الدراسة، تليها إشارة قوية إلى العلاقة البنيوية المتينة بين التطرف الديني وبين البنية القبائلية البطريركية وعلاقاتها الراسخة في المجتمعات الإسلامية، التي تعزز من التوجهات الدينية المتشددة والمحافظة. كما تنوّه الدراسة بوقائع تاريخية هامة أثرت بقوة في بلورة الاتجاهات الدينية المتشددة، الرافضة والمناهضة للغرب والولايات المتحدة، منها الثورة الإيرانية، والحرب الأفغانية، حرب الخليج الثانية1991، احتلال العراق2003.

إلى جانب هذي العوامل الرئيسة اهتمت الدراسة بدور وسائط الإعلام الحديثة في الترويج لأفكار التطرف الديني والتعصب والكراهية. كما اهتمت بدور الدعم المالي للحركات الجهادية، وخاصة دور الرأسمال الإسلامي السعودي، الذي سعى إلى التبشير بالعقائد الوهابية ونشر ثقافة التزمت والتعصب الديني.

لا تبدو الدراسة بمنأى عن المغالطات حينما عمدت إلى مقارنة مجردة ومؤمثلة، ناجمة عن ملاحظة الدور العقائدي للكنيسة الكاثوليكية في العالم المسيح، دون أن تهتم بالانشقاقات اللاهوتية التي حفل بها تاريخها ونتائجها، ليس أقلها حركة الإصلاح الديني التي قادها الألماني مارتن لوثر وواصلها كالفن وغيره. من هنا ليس من الصواب الاعتقاد، كما نحت الدراسة، بأن غياب مركزية السلطة الدينية المقدسة للإسلام وتشظّيها جعله عرضة للتأويلات المتطرفة وللفهم المتشدد.

اقترحت الدراسة أخيراً خيارات عديدة لمكافحة التطرف الإسلامي منها:

خلق منظومة شبكات إسلامية معتدلة، ولَبْرَلَة الإسلام، بهدف استرداده من خاطفيه وإنقاذه. وبالمقابل ألحت على وجوب إتلاف منظومة الشبكات المتطرفة وتبديدها.
العمل على إصلاح المدارس الدينية والمساجد وإعادة تأهيلها.
إيجاد الفرص الاقتصادية وتنميتها.
دعم الإسلام المدني.
العمل على دمقرطة الدول الإسلامية بالتوازي مع الحرب على الإرهاب.
تشجيع الإسلاميين على الانخراط في السياسة العامة والمساهمة الفاعلة فيها.
تظل هذه الدراسة، نظير الأبحاث الأخرى، ورغم الجوانب الموضوعية والدقيقة التي اتسمت بها، تحت تأثير القناعة المركزية التي تسود المعاهد الأمريكية والغربية عن الإسلام السياسي وظاهرة التطرف على أنه مجرد فعل ذهني وليست ظاهرة تاريخية ونمط اجتماعي من السلوك محدود بشروط واقعية. وبالتالي فإنّ الحرب على التطرف الديني لا ينبغي أن يتمّ على الأرض ومن أجل المصالح الأرضية، وإنما ينبغي له أن يتحقق في سماء الأيديولوجية والمفاهيم الدينية وخدمة للمآرب الإلهية.

وعبّر البنتاغون عن هذه القناعة بالذات في تقريره( فبراير2006) مقيماً تجربة أربع سنوات في مكافحة الإرهاب: إن انتصارنا النهائي هو في حرب الأفكار ونزع الشرعية عن الإرهابيين كي يفقدوا مصداقيتهم بين الجمهور. وفي مقدمة تقرير آخر أعدته مؤسسة راند نهاية آذار2007 تحت عنوان( بناء شبكات إسلامية معتدلة) أعلن الكاتب إن هذه الدراسة تعنى بمعالجة إحدى القضايا المركزية لعصرنا، حرب الأفكار داخل الإسلام. ورأى أن الحرب التي تدور رحاها في كثير من مناطق العالم الإسلامي هي حرب الأفكار، وستحدد نتائجها الاتجاه المستقبلي للعالم الإسلامي، ملاحظاً أن الإسلام الجهادي يتحرّك بدوافع لاعقلانية قوامها الكراهية العنيفة للآخر. وإن نجاح مكافحة هذا النمط من الإسلام السياسي يكون بمهاجمة العقيدة الجهادية، عبر نقضها وتقويض أسسها الفكرية، لأن الصراع التقليدي مع الإسلام الجهادي ومنظمة القاعدة لم يعد كافيا لوحده، لأنّ هذا الصراع في جوهره سياسي وعقائدي. ولهذا دعا كاتب التقرير إلى الحؤول دون مزيد من استغلال القاعدة للخطاب الإسلامي- السياسي وتوظيفه لأغراضه العملياتية. يقول التقرير” لقد نجحت التأويلات المتطرفة للإسلام في احتلال قدر كبير من اهتمام الناس في المجتمعات المحلية المسلمة في السنين القريبة الماضية. كان ذلك عن طريق استعمال شبكات إسلامية تصل الجاليات في أمريكا وأوروبا. ورغم ذلك لم تقم الحركات الإسلامية المعتدلة بإنشاء منظمات وشبكات مماثلة لنشر رسالتهم ولحمايتها من العنف والاعتداء. إن تجربة الولايات المتحدة في مساعدة الحركات التحررية والديمقراطية خلال الحرب الباردة تعطيها الدور الأهم في تمكين التيار الإسلامي المعتدل.

تطلع كتّاب التقرير إلى تقديم إستراتيجية شاملة ومتكاملة، لتأسيس شبكات إسلامية معتدلة. وأشار أصحابه بضرورة بنائها ودعمها على كل المستويات، المادية والإعلامية، لتعزيز دورها في مواجهة الإسلام الراديكالي، مثلما فعلت أمريكا وأوروبا أثناء حقبة المواجهة مع الشيوعية. وتمكين المعتدلين الإسلاميين لمواجهة انتشار التطرف، كما يتعين دعم المنظمات المدنية وتوسيع نطاق نشاط الجماعات والأفراد، الذين يكافحون أفكار التطرف والكراهية الدينية. وصنف التقرير أولئك الذين يستحقون الدعم والمساندة في هذه المجابهة، وهم: الجماعات والأفراد الليبراليون والعلمانيون، علماء الدين النشطاء في المجتمع، الهيئات النسائية العاملة في نطاق المساواة بين الجنسين، الصحفيون والكتّاب المعتدلون، الأكاديميون المسلمون. وأكّدت الدراسة على ضرورة أن تضمن الإدارة الأمريكية الدعم لهؤلاء الإسلاميين المعتدلين في الإعلام والتعليم.

ويوصي التقرير أخيراً بأهمية إنشاء جمعية عالمية أو هيئة ذات طابع دولي لدعم المعتدلين الإسلاميين، ونقلها إلى مستوى آخر كي يغدو صراعاً داخلياً بين الإسلاميين أنفسهم، صراع على مستوى النظرية ومبادئ العقيدة الإسلامية، صراع حول التأويل والفهم، لإنتاج قراءة بالدين الإسلامي تتناسب وروح العصر.

بدورها تظلّ هذه الدراسة عند حدود الفهم الثقافوي المجرد لظاهرة التطرف الإسلامي، وأصحابها يتخيّلون أنّ مشاعر التطرف الديني والكراهية والتعصب هي ماهوية مستقلة عن تاريخها الواقعي، ولهذا لا يكترثون بالبحث عن الجذور الواقعية والشروط المادية المنتجة لمثل لتلك المشاعر والتصورات. إذن من الواجب تغيير الفهم والأفكار بالدرجة الأولى دون الاهتمام بتغيير تلك الشروط. وعوضاً من نقد الأوضاع التي مهدت لهذه الظاهرة التاريخية وأسّست لها، فإنّ التقرير، نظير غيره، يطالب بنقد التصورات والأفكار المتطرفة فحسب التي برمتها تشكل ثقافة الإرهاب. إنّ كتّاب التقرير يحوّلون بهذا كلّ صراع سياسي، كلّ عنفّ مضادّ وإن كان منحرفاً وشاذاً، إلى مجرّد صراع دينيّ ولاهوتيّ في المحصّلة. المسألة إذن برمّتها هي مسألة عقائد وخلاف حول تأويل العقائد الدينية، وهذه هي حقيقة التطرّف والتشدد الدينيين.

في دراسة حديثة العهد (نشرت في فبراير 2008) أعدّها باحثان أمريكيان هما جوشوا مورافيشكJ.Muravchik وتشارلز بي سزرومCH.P.Szrom من معهد American enterprise Institute تحت عنوان( نحو البحث عن إسلام معتدل)، نكتشف فيها للمرة الأولى معايير أساسية للاعتدال، وضعها الباحثان في صيغة السؤال للتمييز بين الجماعات والمنظمات الدينية المختلفة، من قبيل:

هل تؤمن الجماعة بالديمقراطية وتثق بتجاربها؟
هل تأبى العنف في سعيها لتحقيق أهدافها؟
هل تدين الإرهاب؟
هل تدافع عن حقوق الأقليات؟
هل تقبل بتعددية التفاسير للإسلام؟
ويشير التقرير إلى أربع فئات من المسلمين المعتدلين. الأولى تشمل المؤمنين العاديين في المجتمعات والبلاد الإسلامية، الذين يمارسون شعائر دينهم دون الاكتراث بالشأن السياسي في حياتهم، ولا يشاركون في أية نشاطات عنيفة ولا يدعمونها عموماً. الفئة الثانية، تشمل الأنظمة السياسية مثل مصر والأردن حيث يتواءم الاعتدال مع التحالف مع الغرب. الثالثة تشمل العلمانيين والليبراليين المتعاطفين مع قيم الحداثة الغربية، السياسية منها والثقافية، كالروائي المصري نجيب محفوظ، والكاتب العراقي كنعان مكيّة. الفئة الأخيرة تضم طيفاً واسعاً ومتنوعاً من الإسلاميين الذين يحسبون أنفسهم ضد العنف الديني.

بيّن أن المعايير السابقة توخت الدقة العلمية رغم نزعتها الوصفية المباشرة، وكان من شأن إضافة معايير أخرى، كالموقف من مسألة مساواة المرأة وحقوقها أن تعزز من دقتها أكثر. ومع ذلك فإن التدقيق فيها يحملنا على الاستنتاج أن شطراً واسعاً من عناصر الفئتين الأولى والثانية لا تنطبق عليه هذه المعايير تماماً وهذا تناقض أساسي. آخذين بالحسبان أنّ المرأة مازالت تتعرض لإرهاب جسديّ وروحي كبير في مجتمعات الفئتين، انطلاقاً من مسوّغ أيديولوجي، فقهي ديني، ينظر لها بوصفها كائنا من الدرجة الثانية وغير مكتمل في إنسانيته.

هدف المشروع الذي رعاه معهد السلام الأمريكي إلى( حشد المعتدلين) في العالم الإسلامي، كما يقول التقرير الذي كتبه عبد السلام المعزاوي مدير( مبادرة العالم الإسلامي) في المعهد المذكور. وذلك بتوسيع نطاق الدعم المجتمعي للتحديث الإسلامي حول رؤية متماسكة، وترجمة هذه الرؤية إلى عقود اجتماعية قابلة للاستمرار ومؤسسات قابلة للدوام وسياسات ملموسة. ويتضمن المشروع تجميع قاعدة بيانات لشبكات التحديث الإسلامي حول العالم، وتنظيم سلسلة من الحلقات العمل الإقليمية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة والبلدان التي يشكل فيها المسلمون أقليات مهمة.

إن بؤرة النقاش الرئيسة في التقرير، الذي جاء تحت عنوان (السياسة الأجنبية الأمريكية والتجديد الإسلامي)، هي مشكلة التطرف الديني في العالم الإسلامي بوصفه تحدّياً عقائدياً، وأن أفضل وسيلة للتصدي له هي من خلال الاستناد إلى ميراث الإسلام الإنساني والتقدمي وإحيائه..

تقول خلاصة التقرير

إنّ الولايات المتحدة تفتقر إلى إستراتيجية متكاملة ومقدامة لمواجهة التطرف الديني في العالم الإسلامي.
إن أهمّ مبادرة منفردة يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة لمكافحة التطرف الإسلامي تتركز في مساندة( التجديد الإسلامي) وهي حركة اجتماعية وسياسية وفكرية آخذة بالنمو، هدفها الإصلاح العميق للمجتمعات ولنظم الحكم في الدول الإسلامية. فالولايات المتحدة يجب أن تخاطب الإسلام المعتدل لأنّ جوانب أساسية في هذا الدين تنطوي على إمكانات هائلة لإحلال الاعتدال والتحديث.
أدّى التعاون الأمني الأمريكي مع النظم المستبدة لمواجهة التهديد الإرهابي إلى تكريس المواقف السلبية تجاهها وتجاه سياساتها في العالم الإسلامي.
النهوض بالديمقراطية تمّكن الأصولية من تولّي زمام الأمور وهو أمر غير مرغوب به، والانتخابات لا تمثل أفضل السبل لتسوية القضايا الجوهرية.
يسعى التجديد الإسلامي إلى استرداد التراث الديني من الجماعات المتطرفة والسلفية الأصولية. ويمكن لدعاة الإصلاح اليوم أن يستندوا في ذلك إلى تاريخ طويل وتراث ثقافي عريق…فقد أظهر الإسلام خلال تاريخه أن ينطوي على إمكانية عظيمة للتكيف والتحديث.
إن السياسة الأمريكية بمقدورها ترجيح الميزان بين التفاسير المتطرفة والحديثة للإسلام….. وينبغي أن تمضي إستراتيجيتها إلى مساندة حركة التجديد، التي يمكنها أن تحقق الإصلاح الإسلامي، وتحشد الأوساط المسلمة ضد التطرف الديني.
ينبغي أن تشمل أولويات السياسة النهوض بالأعمال والأفكار الداعية للتحديث الإسلامي، ومخاطبة الأطراف الإسلامية المعتدلة الناشئة على أسس معيارية، والتركيز بدرجة أكبر على الإصلاحات الاجتماعية والتعليمية والدينية.
كما بدا واضحاً فإنّ التقرير الأخير يولي الأهمية القصوى للتجديد الإسلامي والتحديث، عوضاً عن التنظير الوصفي المجرد عن الاعتدال الإسلامي. وما يتقدّم به أيضاً على سواه دعوته الجذرية والجريئة إلى استلهام الميراث التقدمي والإنساني في الظاهرة الدينية في سعيه إلى التجديد، وهذه الدعوة هي من الواقعية بمكان بمقدار ما هي براغماتية. بيد أن التناقض الصارخ الذي يكتنفه، يتمثل في مخاوفه الواقعية وتوجسه من مطلب تحقيق الديمقراطية والانتخابات التي قد تمكّن الأصولية من مصادرة السلطة السياسية والهيمنة عليها. هذا التحذير مشروع إلى حدّ بعيد في الوقت الراهن وإلى حين، لكنه لا يصلح أن يكون مبدأ ومعياراً ثابتاً، لأنّ التطرّف الديني والعنف المصاحب له هو في أحد أبعاده الرئيسة والعميقة يمثل ردّة فعل مشوّهة ضدّ احتكار السلطة والاستبداد السياسي، إنّ الاستبداد والتطرف الديني يمثلان مظهرين لحالة واحدة في العالم الإسلامي، ومن المجازفة الفصل بينهما. ثم هل بالإمكان الحديث عن التجديد والإصلاح وتحقيقه دون وجود شرط سياسي يضمن التعددية والانفتاح والحوار والعلنية؟ ثم هل للديمقراطية أن تكون دون العلمانية التي تتيح حرية الاعتقاد، وتجرّد الدين من السياسة؟ وهل بغير النظام الديمقراطي يمكن الاعتقاد بإمكان حرية التعبير والمناقشة لجميع الآراء دون تردد؟

تظلّ هذه الدراسة المتقدمة أكثر أهمية في دعوتها إلى التجديد الإسلامي، كأحد الخيارات الواقعية المحتملة لانتزاع الشرعية الدينية من الجماعات المتطرفة، واستعادة حقّ التأويل للدين وفهم المقدّس. لكن محدوديتها تكمن، بالمثل، في تصوّرها للإرهاب والتطرف على أنهما مجرّد نتاج للفهم فحسب، مجرّد تأويل مشوّه للحقيقة المقدّسة في آخر التحليل…

ثالثاً- هل هنالك دين متطرّف بذاته، وهل التطرّف من طبيعة العقائد الدينية؟ وهل العنف من طبيعة التطرّف، أم مجرّد امتداد له أو نتيجة لازمة عنه وضرورية؟ أليست جميع العقائد التعصبية والأيديولوجيات الشمولية، ليست الدينية فحسب، وإنما الدنيوية أيضاً، هي عقائد متطرّفة تنطوي على قدر هائل من الكراهية والرفض للآخر؟

كيف توصل الجهاديون إلى تلك القناعة القويّة، التي لا تحتمل أدنى شكّ، وترسّخ لديهم اليقين بأنّ( الإسلام هو الحلّ) الوحيد الذي لا بديل عنه، والجواب الأكيد على كل معضلة قائمة أو محتملة؟؟ لا ريب في أنّ الاقتصار على توصيف التحولات الدينية والمعتقدية المجرّدة في ضمير الأفراد لا يلبّي تماماً حاجة مثل هذا السؤال. فهذا التحوّل هو أكثر من مجرّد سيرورة فكرية أو روحية وجدانية، إذ يقبع وراءه عالم كامل من الدوافع الواقعية والحاجات والرغبات والانفعالات، التي هي أشمل من الرغبة الشخصية في التقوى والإيمان الديني. فهؤلاء لا يتّخذون القرار بالعمل السياسي على النحو المعهود للجماعات الإسلامية المتطرفة، لمجرد الرغبة في التعبّد، أو الإيمان والاتّساق مع المبادئ الدينية والعقائد الجهادية، أو استجابة لمطالب روحية أو أوامر مقدّسة فحسب، بل أكثر من ذلك بحثاً عن واقع ما أمثل، وخروج على آخر مأزوم وفاسد وقاسٍ ومدان، من وجهة نظرهم. لكن السؤال الذي يظل ماثلاً هو لمَ اتخذ هؤلاء من الدين مبرّراً نظرياً وأيديولوجياً لممارساتهم السياسية؟ ولمَ اتّخذوا من هذه القراءة بالذات للدين، دون غيرها من القراءات والتأويلات المتنوعة، خياراً لهم؟

لقد غدا العنف علامة فارقة تميّز العقيدة الإسلامية والمسلمين، يقول عبد الرحمن الراشد( من المؤكد أن ليس كلّ المسلمين إرهابيين، لكنّ الحقيقة هي أنّ معظم الإرهابيين مسلمون) إلا أنّه من الإجحاف اعتباره مجرّد نتيجة طبيعة لازمة عن الدين الإسلامي بالضرورة. وبموازاة ذلك يشكّل الإسلام الجهادي اليوم تحديّاً ليس مادياً فحسب، وإنما أيضاً فكرياً، للنموذج الثقافي الإنساني السائد، وكذلك للفهم العلمي والإنساني المشترك للحياة وقيمها الحديثة كالعلمانية، الديمقراطية والتعددية. من هنا ينبغي، وكي نفهم خطاب العنف في الإسلام، أن نتأمّل في الماضي، بصفته تاريخياً تجريبياً متراكماً وميراثاً نظرياً، يمكن أن نستنبط منه فهماً مشتركاً ووعياً إزاء الآخر. والحقّ أنّ النصوص القرآنية والأحاديث والفتاوى والتشريعات والسيّر التاريخية للأوائل تعكس قدراً كبيراً من الموارد الثقافية والأحكام المعيارية والتعابير والمفاهيم السياسية الدالة على التعصب الديني وعدم التسامح إزاء الآخر المختلف عقائدياً، وهي تتشابك جميعاً في بنية الخطاب الناظم للعنف، وتتجسّد في أنماط السلوك والتصرّفات وتوجّهها. وحسبنا أن نتأمّل كيف يتعاطى الجهاديون مع الماضي ويستلهمونه، إذ يشعرون بالعجز راهناً ولا يجدون سبيلاً أمام تحدياته، ولا يملكون القدرة على مواجهة سيروراته أو السيطرة عليها أو حتى فهمها، سوى استعادة الماضي الزاهي، حينما كان يضمن لهم الهيمنة والسيادة على العالم. إنه تكرار لتجربة الماضي واستعادة لخبراته للتعاطي مع التهديدات الناشئة عن الأوضاع المعاصرة.

يعتقد هؤلاء أن العودة إلى الدين وتاريخه هي الإجابة المثلى والوحيدة على أسئلة الواقع. ولهذا فهم لا يجرؤون على مواجهة المتغيرات الشاملة وسيرورات الراهن دون التفكير في تجربة الماضي أو الاستعانة به، ولا يتجاسرون على التفكير باستقلالية دون الاتّكاء على التركة القديمة. إنّ هذا الاعتقاد ينطوي على مقدار كبير من فقدان الثقة بقدرة الأيديولوجيات الأخرى على التأسيس للحياة، وعلى شعور عميق بالعجز والفشل إزاء الخارج. وبموازاة ذلك لا يملكون أيّ تفسير عقلانيّ لهذا العجز أو الإحساس الجمعي بالفشل والإحباط، فلا يجدون بدّاً من التعامل مع هذه المتغيرات بأيديولوجيات مضادّة ولاعقلانية، تكون وظيفتها هي التعبير عن الذات وإثباتها على هذا النحو المعهود. وفي هذا السياق لا يقتصر الجهاديون على استلهام الماضي فحسب وإنما أيضاً يحاكونه عبر استعادة رموزه وأسماء أبطاله، ويستعيرون لغته في ممارساتهم. وهكذا تُستدعى مآثر الإسلام ووقائعه كرموز وإشارات، وتستلهم طرائقه ومقاصده وصوره في هذه الحالة ليعبر الجهاديون عن أهدافهم ومهامهم التاريخية الجديدة، وليفصحوا عن صعودهم ووجودهم المباشر على مسرح التاريخ، ويستعينون بتركة الماضي للإفصاح عن طبيعة الصراع السياسي الراهن وانقساماته.

تفصح أنماط العنف عن المعتقدات القابعة في الثقافة إزاء الآخر على الأغلب، وعن الفرضيات والتراكيب النظرية والمفاهيم التي تفسّر عقائده، وتشير إلى المواقف السائدة فيها. وهي تنطوي على أشكال من التحدّي والمواجهة مع الآخر وعقائده. وتصاغ تلك العقائد عادة في قالب عقليّ تؤسّس لمعايير القبول أو الرفض، التي تكشف عنها الخطب والمواقف والتصرفات الثقافية والمؤسسات والممارسات الاجتماعية. والواقع أنّ خطاب تقدير الآخر في النصوص الدينية المختلفة، وبخاصة الإسلامية منها، تنطوي على مقدار كبير من التطرف والتعصّب، لأنها ترفض أصلاًَ الإقرار بالتعددية والاختلاف، ولأنها تقوم على الإدعاء بتخطّي حقائق الآخر الدينية، واحتكارها للحقيقة المقدسة والوصاية على أسرارها، ومن هذا المنطلق الإدعاء بأحقّية البقاء في معركة صراع الأفكار. ويعزّز هذا الموقف الموروث التاريخي والتجارب التي تعزّز من المواقف إزاء الآخر، وهي برمّتها تشكّل البنى العميقة للمواقف المتطرفة والتصرّفات إزاء الآخر.

ويضمر الخطاب الثقافي للإسلام الجهادي نزوعاً قوياً للسيطرة على الآخر والهيمنة عليه وإقصائه، وإزاحته تاريخياً وثقافياً، يولّده الشكّ وانعدام الثقة بالآخر والتعصّب للذات، يبرّر ويفسح المجال أمام الممارسات العنيفة وأنماط السلوك المؤذي الموجّهة ضدّ الآخر المختلف. وفي هذا السياق فإنّ تلك العودة إلى الدين واستلهام النموذج الماضوي من جانب المتطرّفين يعدّ تعبيراً عن الطموح إلى إعادة الهيمنة على العالم والتحكم بمصائره، ورغبة في تخطي الشعور بالفشل والعجز لديهم. فالنكوص- الذي يسميه أريك فروم بالعصاب الجماعي لطفولة التاريخ البشري- إلى الأشكال الأولية، والممارسات الباكرة للإسلام يلبّي الحاجة لدى المتطرفين الجهاديين إلى عقيدة للتوجيه السياسي والعبادة معاً، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الأعراض والمظاهر العصابية المصاحبة لسلوك الجماعات الإسلامية، ففي مثل هذه الحالة فإنّ الجهادي ما لم يدرك العالم والواقع ويفهمهما فهماً عقلانياً قريباً من الحقيقة، فإنّه يستلهم صورة وهمية يختلقها أو يبدعها عن الماضي ويتشبّث بها. وتلكم هي القراءة الجهادية المتطرّفة للدين، التي تمنح إطاراً للتوجيه السياسي والعقائدي وموضوعاً للعبادة في آن، ويحقق انسجاماً بين السلوك لديه وبين وجوده ومغزاه، ويعدّ هذا الدمج بين الجانبين( الدنيوي والمقدس) أمراً مقدساً لديه، وتعبيراً عن الطمأنينة الدينية والسلام الداخلي. وهذا هو التفسير الجزئي المحتمل لسؤال، كيف استطاعت الهيئات والمنظمات الجهادية أن تستحوذ على إرادة عشرات من الأفراد على استعداد للتضحية بأرواحهم وعقولهم في سبيل المبدأ القائل( الإسلام هو الحل)؟ وكيف اشترك هذا العدد من البشر في تلك التوجهات البعيدة عن العقلانية، والممارسات البعيدة عن الإنسانية، التي تتحدى روح المثل الأعلى الإنساني وتتناقض مع القاع الإنساني العميق للدين.

وبالمثل يشير صادق جلال العظم، في سياق مختلف، إلى نزعة الهيمنة هذه في أيديولوجية دنيوية إقصائية. إذ يلاحظ، لدى مراجعة الأدبيات التقليدية للحركة القومية العربية، أن الهدف الأعمق لهذه الأدبيات لم يكن على الأغلب الوحدة العربية، بصفتها غاية بحدّ ذاتها، وإنما وسيلة لاسترداد دور الزعامة التاريخية المغتصب، ودور صناعة التاريخ والسيادة على العالم وقيادته، هذا هو حال الإسلاميين اليوم الذين يتشبّثون بقناعة إنهم( خير أمّة أخرجت للناس) وهذه تمثل إدانة للبشر الآخرين، مثلما هو الحال مع البعثيين الذين يعتقدون بحزم أنّهم أصحاب رسالة خالدة. إنّ ذلك الاهتمام النهائي والحقيقي، لكن غير المصرح به بوضوح في تلك الأدبيات، لم يكن يعني على الأغلب الاستعمار والإمبريالية ومواجهة واقع التجزئة، والاحتلال الأجنبي، والتحرّر والاستقلال، والتنمية والازدهار، العدالة والمساواة والحرية بما هي عليه، وإنما استعادة الحقّ المغتصب من هذه الأمّة العظيمة في ممارسة الوظيفة والدور التاريخيين على الصعيد العالمي، المنسجم بشكل، طبيعي وإلهي، مع طبيعة رسالتها الكونية.

لكن هل يمكن اعتبار هذا الفهم النمطي للإسلام هو الوحيد المحتمل للتعبير عنه وللإفصاح عن حقيقته؟ ألا يوازيه نمط أو أنماط أخرى من القراءة والتأويل والفهم؟ ولِمَ يعمد الجهاديون إلى الاتكاء على هذه الخبرة التاريخية والاستعانة بها دون غيرها؟

إن الذي يميّز الخطاب الديني كونه لا ينحصر في نمط توجيه أحادي، بل في مرونة الإرسال وتعددية التلقي وتنوعه. يتضح ذلك أكثر عند إسناد هذا الخطاب إلى تجربة اجتماعية وتاريخية حافلة بالصراعات الواقعية والنزاعات في المصالح والإرادات، حيث يلاحظ تعدد الرؤى وتنوع الأفهام في تلقيه تبعاً لدور المتلقي ومكانته في هذا الصراع. ضمن هذا الإطار يمكن تفسير الصراع السياسي حول فهم الإسلام. حيث يتناوله أطراف الصراع في توجهاتهم ويوظّفونه لإثبات أنّ دوافعهم الحقيقية في التغيير هي دوافع محض دينية، وإنّ قراءتهم هي الأكثر اتساقاً مع الدين القويم. وبهذا فقط يتخلّصون من ورطة كليانية الخطاب الديني ولاتاريخيته، وعبر هذا التأويل فقط يكرّسون مقاصدهم العملية بصورة شرعية. ومن هنا فإنّ التطرف الديني والعنف، الذي قد ينجم عنه أو يصاحبه، لا يمكن فهمهما بصورة صحيحة خارج مصادرهما الواقعية المتجذّرة في الحياة، التي يتعين علينا كشفها. كما لا يمكن فهمهما عبر الاقتصار على ملاحظة التحولات الفكرية أو الوجدانية المجردة في العاطفة الدينية لدى الأفراد.

بل أكثر من ذلك يغدو النظر إلى الإيمان الديني بذاته، وعلى نحو مجرد، كمركّب غيبيّ، خارج السياق أو الحالة التاريخية أمراً محفوفاً بالمغالطات المنهجية. إذا يختلف مضمون الإيمان ودلالاته باختلاف الحالة التاريخية، وباختلاف القوى الاجتماعية التي تحمله. والإيمان أو العاطفة الدينية يغدو مركباً رئيساً للأيديولوجية، يحثّ ويخاطب، ويبرّر دور الذوات التاريخية الفاعلة، ويلبّي مستلزمات رغبتها في الصراع والمقاومة وحاجتها إلى الحماسة. وفي أحوال أخرى، وعلى النقيض من ذلك، يكون أساساً للسلوى، للعزاء والتبرير، نعيماً روحياً، وتعويضاً عن التمزق والألم الواقعيين. ويمكن تفسير هذا التباين في دور الإيمان والموقف الديني عبر إحالته إلى الرحم التاريخي الذي انبثق منه. والحال أن التحولات السياسية والاجتماعية تستدعي عادة تحولاً في التصورات الدينية والشعائر، وتعديلاً مستمراً في تأويل الخطاب الديني حينما يكون هذا الدين النموذج الثقافي الأوحد والمهيمن.

إنّ العديد من الدراسات المعاصرة عن الإسلام السياسي، أو الجهادي المتطرّف، تتحرّك في ميدان الإيمان الخالص، إذ تعدّ من العاطفة الدينية والعقائد والمبادئ المقدسة مسلّمات أولية تضعها موضع الأسباب الفعلية. والمفارقة الكبرى أنّ أمثال هينتنغتون والشيخ القرضاوي يتّفقون جميعاً في هذه المقدّمات. إنهم يفصلون الغايات الدينية والمبادئ المقدسة المعلنة عن جذورها الواقعية وسياقاتها التاريخية، وعبر قلب أيديولوجي يجعلونها العنصر المحدّد والمقرّر في التاريخ. يشير صادق جلال العظم إلى هذا الأمر بنوع من التهكّم الدالّ إذ يقول: يبدو أنّ الحضارة بالنسبة لـ هينتنغتون تختزل إلى الثقافة، والثقافة إلى الدين، والدين إلى ثابت بدئيّ لا بدّ، فيما يتصل بالإسلام، أن ينتج ظاهرة الإنسان الإسلامي، الذي يسير في طريق متصادم مع الإنسان الاقتصادي وليبراليته الغريزية( الطبيعية) كما مع الإنسان الكهنوتي الهندي وتعددية آلهته الطبيعية.

السخرية المثيرة في كلّ هذا أنّ الإسلامويين وجدوا أنفسهم في اتفاق تامّ ليس مع الأطروحة الأساس لـ هينتنغتون فحسب، وإنما مع المضامين النظرية والتطبيقات العملية أيضاً. إذ أنّ منظّريهم وأيديولوجييهم اختزلوا أيضاً الحضارة إلى الثقافة، والثقافة إلى الدين، والدين إلى الثوابت البدئية المتنافرة تنافراً متأصلاً، التي يتنافس ويتعارض ويتصادم بعضها مع البعض الآخر، وبالنسبة لهم فإنّ فجر الإسلام سيبزغ في نهاية الأمر ظافراً. وهي النهاية التي يتكهن بها هينتنغتون كمصير لليبرالية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This