الإصلاح الديني والسياسي في فكر “جورج طرابيشي”

ينتمي “جورج طرابيشي” – حسب تعبيره- إلى جيل وقع ضحيّة خدعة نظريّة ماكرة، وذلك نتيجة لاقتناعه بأنّ الغرب، صانع الحداثة، يعاني من تناقض عضال متمثّلا في الجمع بين :

  • قاعدة ماديّة متقدمّة.
  • وبيئة فوقيّة سياسيّة متخلّفة. (وهي الدّيمقراطيّة الموصوفة من قبل التيّارات والأنظمة الشيوعيّة بأنّها) :

– «شكليّة»

– «طبقيّة»

– «برجوازيّة».

 لذلك لم يشأ ذلك الجيل أن يقلّد الغرب، ولا أن يعتمد الديمقراطيّة «البرجوازيّة» كأساس لدولة المستقبل. بل فضّل طريق الثّورة، والديمقراطيّة الشعبيّة، والاشتراكيّة الماركسيّة التي تضمن حلّ ذلك التّناقض.

 فكان لا بدّ من تذوّق مرارة فشل جميع تجارب الدّيمقراطيّات «الشعبيّة» في العالم الثّالث، ومعاناة واقع الديكتاتوريات التي تمخّضت عنها المشاريع والأحلام الثوريّة، ثمّ صدمة سقوط التّجارب الاشتراكيّة الدّائرة في الفلك السوفييتي، وما أثارت من تساؤلات حول الماركسيّة نفسها، حتّى بدأ المفكّرون الجدّيون ومنهم “جورج طرابيشي” في التحرّر من “خدعة” التّناقض بين البنيتين الفوقيّة والتحتيّة في النّظام الغربي، وإعادة الاعتبار للدّيمقراطيّة على أنّها النّظام السّياسي الأرقى والأكثر عقلانية بين سائر الأنظمة التي اخترعتها البشريّة في مسارها التّاريخي الطّويل.

مسيرة جورج طرابيشي :

و”طرابيشي”، حسب تعبيره أيضاً، هو ابن جيل عاش -“في 50 سنة ما قد تعيشه الأجيال الأخرى في 100 أو 200 سنة”-، شهد فيها صعود النّازيّة وسقوطها وكذلك الأمر بالنّسبة إلى الشيوعيّة وثورات التمرّد الطلابيّة، والتحوّلات التي طرأت على الفكر الأوروبي، بدءاً بالوجوديّة، ومروراً بمدرسة فرانكفورت، وانتهاءً بالبنيويّة ومدرسة ما بعد الحداثة.

هذا بينما شهد العالم، في الوقت نفسه، تطوّرات خطيرة بدءاً من نهاية الحرب العالميّة الثّانية ونشوب الحرب الباردة، وانتهاءً بحركات التحرّر الوطني في« العالم الثّالث »، وسقوط المعسكر الاشتراكي ومن ثم العولمة. وعرفت مسيرة “طرابيشي” الفكريّة والسياسيّة محطّات :

  • البعث
  • الوجوديّة
  • الماركسيّة
  • والليبراليّة النقديّة.

 ولم يتردّد وهو ابن مجتمع « ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل » في الانتقال من مذهب إلى آخر تطبيقاً لمبدإ النّقد والنّقد الذّاتي، الضّامن الأوّل لاستمراريّة الهويّة من خلال التغيّر والتّلاؤم مع الواقع المتغيّر في مشروع طرابيشي الفكري المستمر منذ أكثر من ربع قرن، احتلّت العقلانيّة مركز الصّدارة، وكان لا بدّ إذن من طرح إشكاليات الديمقراطيّة والعلمانيّة المرتبطة بها. ففي ندوة حول الديمقراطيّة عقدت في المغرب، حضرها نخبة من الباحثين والأساتذة الجامعيين، دار كلام كثير وغير مشروط عن الديمقراطيّة بوصفها مفتاح جميع الأقفال. وقد أثار هذا الطّرح “طرابيشي” فطرح عن عمد السّؤال التّالي:

 «إنّ الديمقراطيّة تتضمّن لا محالة حريّة الرّأي وحريّة التّعبير، فهل نحن كنخبة مثقّفة على استعداد لتقبّل “لوثر” مسلم أو “فولتير” عربي؟ وحتّى نتمثّل باسم أحدث عهد : هل نحن على استعداد لتحمّل “سلمان رشدي” آخر في صفوفنا؟».

 في البداية ران صمت قبل أن يرتفع من القاعة صوت: “أعوذ بالله”!! ثم كرّت سبحة المتعوّذين. لذلك جاء كتاب “طرابيشي” «هرطقات عن الديمقراطيّة والعلمانيّة والحداثة والممانعة العربيّة» ليؤكّد أنّ من أكثر الإشكاليات إلحاحاً اليوم في السّاحة الثقافيّة والسياسيّة العربيّة هي إشكاليّة الديمقراطيّة، التي يروّج لها اليوم كونها أيديولوجيّة “خلاصيّة” جديدة يراهن عليها المراهنون، مثلما راهنوا في الأمس على الاشتراكيّة أو على الوحدة العربيّة. وهكذا تمّ تحويل الديمقراطيّة إلى سمسم بديلة لفتح باب الحداثة، ولتحقيق نقلة عجائبيّة إليها بلا مجهود ولا كلفة ولا زمن·

في “هرطقات” يؤكّد “طرابيشي” على أنّ الديمقراطيّة لا تختزل في أنّها محض آليّة انتخابيّة، وليست مفتاحاً سحريّاً لجميع الأبواب المقفلة، بل هي نفسها بحاجة إلى مفتاح، ولعلّ بابها لا يفتح إلاّ بعد أن تكون سائر الأبواب الأخرى قد فتحت، أو بالتّزامن معها على الأقلّ.

ويناقش “طرابيشي” أهمّ اشكاليّات الديمقراطيّة٬ بوضوح وشفافيّة دون مواربة٬ وأهمّها:

إشكاليّة المفتاح والتّاج

يطرح طرابيشي السّؤال التّالي :

«هل الديمقراطيّة مفتاح سحريّ تفتح به جميع الأبواب المغلقة ؟ أم أنّها على العكس من ذلك هي التّاج الذي يتوّج تطوّر المجتمع ؟»

هنا يرفض “طرابيشي” وجهة النّظر الإيديولوجيّة “الخلاصيّة” التي تعتبر الديمقراطيّة خلاص مطلق ودواء لجميع الأمراض، فهي كدواء قد لا يتحمّلها جسم المريض. وحتّى في “مسقط رأسها” عرفت الديمقراطيّة ممارسات جديرة بالوصف بأنّها “جهنميّة” أكثر منها “فردوسية” مثل “المكارثية” في الولايات المتحدة والجمهوريّة الرّابعة الفرنسيّة والديمقراطيّة الايطاليّة التي فرّخت العنف أثناء استئثار الديمقراطيّة المسيحيّة بالسّلطة.

إشكاليّة الثّمرة والبذرة

حول السّؤال المطروح :

هل الديمقراطيّة ثمرة يانعة برسم القطف أم بذرة برسم الزّرع ؟

يجيب طرابيشي:

«مجرّد القول إنّ الديمقراطيّة بذرة برسم الزّرع فهذا معناه أنّها تحتاج حتّى تنمو وتثمر إلى جهد٬ وإلى عمل٬ وإلى شغل في النّفس وفي تربة المجتمع· الإيديولوجيّة “الخلاصيّة” تجعل منها لا ثمرة يانعة برسم القطف فحسب، بل كما لو أنّها فاكهة الجنّة. فالخطيئة هنا هي خطيئة التصوّر بأنّ الديمقراطيّة لا تتطلّب جهدا وإنّما تعفي من الجهد٬ وأنّ المجتمعات العربيّة ستستيقظ ذات يوم مع الديمقراطيّة٬ لتجد نفسها وقد انتقلت إلى مصاف المجتمعات المتقدّمة. ومع اعتقادنا أنّ الديمقراطيّة شرط من شروط الإقلاع إلاّ أنّه شرط غير كاف، وهذا يقودنا إلى إشكاليّة مفتاح المفتاح».

إشكالية مفتاح المفتاح

قبل أن تكون الديمقراطيّة مفتاحاً لجميع الأبواب٬ فإنّها هي نفسها بحاجة إلى مفتاح٬ ولعلّ بابها لا ينفتح إلّا بعد أن تكون سائر الأبواب الأخرى قد فتحت، أو بالتواقت معها على الأقلّ، وهذا التّأكيد على مشروطيّة الديمقراطيّة لا يلغي دورها الفاعل كشرط من شروط الإقلاع٬ ولكنّه يلغي توظيفها كمفتاح سحريّ يحقّق معجزة النّقلة الفجائيّة من حال إلى نقيضه· وهنا يجب التّذكير أنّه رغم الأصول اليونانيّة للاسم ولبعض آليات الممارسة٬ فانّ الديمقراطيّة التمثيليّة هي من اختراع الحداثة، والبرجوازيّة هي الحامل الطّبيعي لها· وبراعم الديمقراطيّة الليبراليّة عرفت تفتّحاً غداة استقلال الدّول العربيّة يوم كانت البرجوازيّة يافعة هي الأخرى٬ لا تزال فاعلة تاريخيّا· ولكن سلسلة الانقلابات العسكريّة القوميّة واليساريّة حفرت بضربة معول واحد قبر الديمقراطيّة والبرجوازيّة معا·

إشكاليّة الشّرطي ورجل المباحث

كثيراً ما يجري تصوير المأزق الديمقراطي على أنّه حصيلة للقطيعة بين الدّولة والشّعب، وانفراد الدّولة بتقرير مصير الشّعب، وغياب أو تغييب المجتمع المدني· غير أنّ المأزق الحقيقيّ لا يعود إلى قوّة حضور الدّولة بل على العكس إلى عدوان السّلطة على الدّولة وتغييبها وإعاقة دورها كعامل منظِّم ومعقلن للاجتماع البشريّ· فوظيفة الدّولة الأولى هي أن تمثّل القوّة التي تحتكر ممارسة العنف الشّرعي· والحال أنّ السّلطة في الأنظمة الديكتاتوريّة العربيّة تكسر احتكار الدّولة للعنف الشّرعي، وتأذن لنفسها بممارسة العنف لا ضدّ المجتمع المدني وحده، ولكن ضدّ الدّولة نفسها إن تطلّب الأمر ذلك· إنّ إشكاليّة ازدواجيّة الدّولة والسّلطة هذه يمكن تشبيهها بإشكاليّة الشّرطي ورجل المباحث· الشّرطي كممثّل شرعيّ للدّولة هو مجرَّد من سلاحه أمام رجل المخابرات، والمخافر واطئة السّقف أمام أقبية المخابرات· لا بدّ إذن من ردّ الاعتبار للدّولة ولسلطة القانون ومبدأ العنف الشّرعي·

إشكاليّة الذّئب والحمل

كثيرا ما اقترن الفكر الديمقراطي العربي بنزعة “شعبويّة” تُختصر في شعار: الدّولة ضدّ الأمّة· فتأثيم الدّولة وتبرئة الأمّة أو الشّعب، يحمل في طيّاته جرثومة شموليّة جديدة· ولنا في الثّورة الفرنسيّة في عهد إرهاب “روبسبيير” مثال قديم ولنا في الثّورة الإيرانيّة مثال حديث· وفي حين أنّ النظريّة الديمقراطيّة وجدت في فصل السّلطات ودولة القانون وحقوق الإنسان علاجاً لأمراض السّرطان السّلطوي، فإنّ الفكر الديمقراطي “الشّعبوي” يضع كلّ رهانه على الشّعب أو المجتمع المدني، ولا يقيم بين الشّعب والدّولة إلّا علاقة جلّاد وضحيّة· ولكن المجتمع المدني أو الأهلي العربي ليس بريئاً لهذا الحدّ، وأمراضه المتمثّلة، خاصّة في الفئويّة الطائفيّة واللوبِّيَّة الدينيّة، فهي عائق جدّي في وجه نجاح أيّة تجربة ديمقراطيّة· فالفئويّة الطائفيّة تؤدّي إلى خلل خطير في تطبيق مبدأ التّمثيل الديمقراطي، وفي تعريف الأكثريّة والأقليّة· لأنّ الأكثريّة في النّظام الديمقراطي سياسة منبثقة عن انتخابات، ومحصورة زمنيّا بمدّة البرلمان، وقد تصبح أقليّة نتيجة انتخابات أخرى· كما أنّ الطائفيّة تلغي بالضّرورة مفهوم المواطنة·

ثاني أمراض المجتمع الأهلي العربي يتمثّل في النموّ المتعاظم لظاهرة اللوبّيّات الدينيّة المموَّلة بالدولارات النفطيّة والتي تدخل في صدام مباشر مع حريّة الفكر والاعتقاد، مستخدمة سلاح التكفير· وغالباً ما تنجح في مصادرة الكتب ورفع الدعاوى على الكتّاب والناشرين، وإصدار الفتاوى بالتّفريق بين الزّوج وزوجته، أو بقتل من يعتبرونه خارجاً عن الدّين· وقد شهدنا مؤخرا سلوك سلفيّين تونسيّين تجاه الأفلام والمعارض الفنيّة وحتّى الجامعات، محاولين إخضاع حريّة الرّأي لمقاييسهم وإقامة رقابة دينيّة لاشرعيّة تحت غطاء الدّفاع عن الدّين ومحاربة من يسيء إلى الإسلام·

إشكاليّة الصّندوقين

 الصندوقان هما صندوق الاقتراع وصندوق “جمجمة” الرّأس· ذلك أنّ الديمقراطيّة هي ثقافة ومنظومة قيم متضامنة· وهي لا يمكن أن تكون نظاما للحكم دون أن تكون نظاما للمجتمع· وليس بإمكانها أن تسيِّر العلاقات بين الحكّام والمحكومين دون أن تسيِّر العلاقات بين المحكومين أنفسهم· ومع أنّها بالتّعريف نظام الدّولة، فإنّها بالجوهر نظام للمجتمع المدني· أي لا وجود لديمقراطيّة سياسيّة بحتة· صحيح أنّ الحريّة الديمقراطيّة تنتهي لا محالة إلى صندوق الاقتراع، ولكن الصّندوق الأوّل الذي تختمر فيه هو صندوق “جمجمة” الرّأس·

لا بدّ في العالم العربي- حسب تعبير “طرابيشي” – من ثورة في العقليّات. ففي صندوق الرّأس يمكن أن نشقّ الطّريق إلى الحداثة بركيزتيها :

  • الدّيمقراطيّة
  • والعقلانيّة.

وهذا المسار قد يستغرق عشرات السّنين في حال النّجاح، وربّما المئات في حال الفشل. ولكنّه مسار لا مناص منه·

ويختصر “طرابيشي” أزمة الدّيمقراطيّة وصعوبة تحقيقها، لا على المستوى الشّعبي فحسب، وإنّما على مستوى المثقّفين بقوله :

«ولنملك الجرأة على أن نعترف لئن كانت الأنظمة العربيّة تقيم العثرات أمام الآليّة الدّيمقراطيّة، فانّ المجتمعات العربيّة الرّاهنة تقيم العثرات أمام الثّقافة الدّيمقراطيّة. فالأنظمة العربيّة لا تتحمّل انتخاباً حرّاً، ولكن المجتمعات العربيّة لا تتحمّل رأياً حرّاً. ومجتمع يريد الديمقراطيّة في السّياسة، ولا يريدها في الفكر، ولا على الأخصّ في الدّين، ولا بطبيعة الحال في العلاقات الجنسيّة، هو مجتمع يستسهل الديمقراطيّة ويختزلها في آن معاً، ومن الاستسهال – كما في الاختزال- ما قتل! ».

 ومثال على ذلك ردود الفعل العنيفة يوم نشرت “علياء المهدي” صورا عارية «فنّية» لها عل مدوّنتها في بداية الانتفاضة المصريّة التي أدّت إلى سقوط مبارك وتعرّضت بسببها للاعتداء في ميدان التّحرير· وحينما رفع محامون أصوليون دعوى ضدّها لم يتجرّأ أحد٬ حتّى من أشدّ المطالبين بالديمقراطيّة٬ على الدّفاع عن حقّها في التّعبير·

 يؤكّد “طرابيشي” إذن على الرّبط العضوي بين الديمقراطيّة والعلمانيّة، في زمن تعرّضت فيه العلمانيّة إلى حملة شرسة من الأصوليين والإسلاميين. وبينما تهرّب بعض المثقّفين العلمانيين من مواجهة أعدائهم، تارة بحجّة أنّ العلمانيّة مستوردة من الغرب، أو لأنّها ناتجة عن صراع بين الدّولة والكنيسة، ولا علاقةَ للإسلامٍ بالكنيسة، يؤكّد “طرابيشي” أنّ لا ديمقراطيّة بلا علمانيّة، لأنّه في ظلّ العلمانيّة فحسب يمكن للمرء أن ينعتق من عقليّته الطائفيّة كي يفكّر وينتخب على أساس عقله.

ولكن هناك عقبة رئيسيّة في طريق الإصلاح السّياسي، وهي كون الإسلام بقي جامداً منذ أكثر من ثمانية قرون، والإصلاح الدّيني في الإسلام، على غرار الإصلاح الدّيني في أوروبا، هو شرط من شروط التوصّل إلى الحداثة وتقبّل العقلانيّة بشقّيها الدّيمقراطي والعلماني.

فيما يتعلّق بالإصلاح الدّيني، لا بدّ من الاعتراف بأنّ هناك ومنذ القرن “التّاسع عشر” اتّفاقا على ضرورته دون أن يحصل اتّفاق على كيفيّته وما هو المطلوب منه. ومحاولات “رفاعة الطهطاوي” و”جمال الدين الأفغاني” و”محمد عبده”، وكذلك “طه حسين” و”علي عبد الرازق” يعرفها كثيرون· ثمّ جاءت مساهمات أخرى في أواخر القرن العشرين وحتّى هذا اليوم كانت في معظمها ردود فعل على هيمنة الفكر الأصولي والوهّابي على شريحة واسعة من المسلمين. من بين هؤلاء : “نصر حامد أبو زيد” و”محمد شحرور” و”محمد عابد الجابري”… الذين حاولوا إيجاد تفسيرات جديدة، أو العودة إلى أسباب التنزيل لتبرير سنّ قوانين مدنيّة حديثة تلغي القوانين الشرعيّة، خاصّة في قضايا المرأة والعائلة. فقد حاول “نصر حامد أبو زيد” نزع القداسة عن النصّ القرآني واعتباره نصّا أدبيّا كتب بلغة بشريّة خاضعة لقواعد وأصول لغويّة وحمّالة وجوه، حسب تعبير “علي بن أبي طالب”. وهناك مفكّرون منهم “محمّد أركون” وتلميذه “رشيد بن زين” و”محمد الشّرفي” و”عبد المجيد الشّرفي” وغيرهم حاولوا مصالحة الإسلام مع الحداثة الممثّلة بالإعلان الأممي لحقوق الإنسان.

أمّا مساهمة “جورج طرابيشي” في إخراج الفكر الإسلامي من “الشّرنقة” الفقهيّة التي بقي في جوفها لثمانية عقود فقد ركّزت على ثلاثة محاور:

1- التّأكيد على العلمانيّة لتحرير الإسلام من السّياسة التي كانت منذ الخلفاء الرّاشدين عبئا على الدّين (العلمانيّة كإشكاليّة إسلاميّة-إسلاميّة)

2- إنكار الخرافات والمعجزات التي نسبت إلى الرّسول (المعجزة أو سبات العقل في الإسلام)

3- إعادة النّظر في مشروعيّة الحديث (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث).

في كتابه «هرطقات2، العلمانيّة كإشكاليّة إسلاميّة – إسلاميّة» يقول “طرابيشي”:
«بديهي أنّنا لا نماري في أنّ العلمانيّة في وجه من وجوهها يمكن أن تمثّل مطلباً للأقليات بقدر ما يمكن أن تقدّم لها ضمانة للمساواة التامة أمام القانون. ولكن ما نماري فيه بالمقابل هو أن تكون الأقليات المعنية في الدائرة العربية الإسلامية هي الأقليات المسيحية حصراً. ذلك أن العلمانيّة فلسفة وآليّة لتسوية العلاقات لا بين الأديان المختلفة فحسب، بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدّين الواحد. والحال أن التعدديّة في الدائرة العربيّة الإسلاميّة ليست محض تعدديّة دينيّة وإثنيّة، بل هي أيضاً تعدديّة طائفيّة. فالإسلام العربي، بواقعه الديمغرافي الحالي، يتألّف من غالبيّة سنيّة بكلّ تأكيد، ولكن أيضا من أقليات شيعيّة ونصيريّة وزيديّة وإسماعيليّة ودرزيّة وإباضيّة. ومن منظور هذه التعدديّة الطائفيّة الإسلاميّة فإنّ قضيّة العلمانيّة في العالم العربي ليست فقط قضيّة مسيحيّة- إسلاميّة، بل هي أيضا وربّما أساساً قضيّة إسلاميّة-إسلاميّة.
«فلئن قامت العلمانيّة في الغرب على أساس التّحييد الدّيني للدّولة، فإنّ العلمانيّة في المجال العربي الإسلامي لا بدّ أن تقوم أيضاً على التّحييد الطّائفي للدّين نفسه. وذلك ما دام الدّين، وهنا الإسلام، يتوزّع لا إلى طوائف متباينة فحسب، بل أيضاً وأساساً متعادية متكارهة يقوم كيانها على الضدّية المتبادلة وتعتمد في التّعامل فيما بينهما معجم التّكفير والتّنجيس… والإسلام هو أحوج الأديان اليوم إلى الفصل فيه بين الزّمني والرّوحي. فأصل الانقسام الطّائفي في الإسلام سياسي وليس دينياً. وقد كان مداره -ولا يزال- على مسألتي الخلافة والإمامة. ولئن كان الإسلام “المسيَّس” “والمؤدلج” يشنّ حرباً شعواء على العلمانيّة، فما ذلك إلاّ لأنّه يرفض مبدأ فصل الدّين عن الدّولة، بل كذلك لأنّ العلمانيّة، بما يترتّب عليها من فصل بين الرّوحي والزّمني حتّى على الصّعيد الدّيني المحض، من شأنها أن تساعد الإسلام على فكّ نفسه من أسر “التّسييس” و”الأدلجة” وعلى استرداد وضعيّته الطبيعيّة كوجدان جمعيّ شبه فطريّ.

يهدف كتاب “المعجزة أو سبات العقل في الإسلام” باعتقادي إلى إرساء بداية جدّية لإصلاح الفكر الإسلامي، وذلك بالبدء بتحرير الإسلام من تراكمات لاعقلانيّة ومعجزات شلّت عقول المسلمين، ودفعت ببعض أصحاب الشّهادات العلميّة الرّفيعة إلى البحث في النصّ القرآني عمّا يثبت صحّة النّظريات العلميّة الحديثة، أنّها من إعجاز القرآن. ووجد آخرون فيه أدوية لأمراض مستعصية.

يذكِّر “طرابيشي” المسلمين قبل غيرهم أنّ ما ميّز الإسلام القرآني عن المسيحيّة الإنجيليّة واليهوديّة التوراتيّة هو غياب المعجزة النبويّة : فليس في القرآن معجزة سوى القرآن نفسه. ولكن في سياق المنافسة مع الدّيانتين التّوحيديتين، ومع الفتوحات التي أدخلت إلى الإسلام أمماً شتّى، غير ناطقة بالعربيّة، وبالتّالي غير قادرة على إدراك المعجزة البيانيّة للقرآن٬ نُسبت إلى الرّسول معجزات ماديّة راح يتضخّم عددها قرنا بعد قرن، حتّى قدّرها كتاب السنّة المتأخّرون بثلاثة ألاف معجزة.

ومع هذا التحوّل للإسلام إلى دين معجزات والاعتقاد بإمكانيّة الخرق الذي لا يخضع لقوانين الطّبيعة والكون دخل العقل في مرحلة سبات، وغابت عن أفق الحضارة العربيّة الإسلاميّة إمكانيّة ثورة كوبرنيكيّة تنقلها إلى ديناميّة الحداثة وفتوحات العقل العلمي.

وهذه اللّبِنة الأساسيّة في جدار الإصلاح الديني في الإسلام، قام بها كاتب مسيحي عربي، يعتبر رغم «هرطقته»، الإسلام من مكوِّنات بنيته التحتيّة الثقافيّة التي لا هجرة له عنها حتى وهو يقيم اليوم في دار الهجرة.

المحور الثّالث للإصلاح الدّيني في الإسلام هو أهميّة الحديث والسنّة في الفكر الدّيني الإسلامي. لا بدّ هنا من التّذكير بأنّ الإيمان بالله ورسوله وممارسة الطّقوس الدينيّة شيء، والفكر الدّيني الذي هو في معظمه إسهام بشري بامتياز، فهو حصيلة تفسيرات واجتهادات وقياسات ومدارس فقهيّة أو لاهوتيّة·

إنّ الإسلام الذي تحوّل عبر التّاريخ من إسلام الرّسالة إلى إسلام التّاريخ، ومن إسلام أمّ القرى إلى إسلام الفتوحات عبر التّاريخ، أخذ مثله مثل جميع الأديان الأخرى أشكالا عديدة، ومورس بطرق مختلفة، وتبدّل سلّم الأوليات فيه مرارا·

في كتابه “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” يعرض المؤلّف في أكثر من ستمائة صفحة القطع الكبير الذي استغرق ستّ سنوات من العمل المتواصل، يستعرض طرابيشي تاريخ التّراث من أوّله إلى آخره، من اللّحظة القرآنيّة إلى اللّحظة المعاصرة مرورا بكيفيّة تشكّل السنّة والفقه وعلم الكلام والصّراع الحنبلي-المعتزلي، وانتصار الحنابلة، وهزيمة العقل، وسقوط الحضارة العربيّة الإسلاميّة برمّتها، والدّخول في عصر الانحطاط.

يفرِّق طرابيشي في كتابه بين القرآن والسنّة. هذا التّفريق لا بدّ منه، لأنّهما في مخيّلة معظم المسلمين شيء واحد، أو على الأقلّ على مستوى واحد. إلاّ أنّ قراءة طرابيشي تثبت العكس. فلحظة تشكّل القرآن، غير لحظة تشكّل السنّة، والحديث النبويّ والفقه والتّشريع. من هنا عنوان الكتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث“. ويسلّط الكتاب ضوءا باهرا على عمليّة إعادة تأسيس الإسلام القرآني في إسلام حديثيّ. فمع فرضيّة الشّافعي القائلة بأنّ الرّسول لا ينطق إلا عن وحي، حتّى عندما لا ينطق بالقرآن٬ أنزلت الأحاديث التي وضعت على الرّسول بعد وفاته منزلة الوحي، واتّفق أهل الحديث والسنّة على اعتبار السنّة كالقرآن تشريعا إلهيّا متعاليا، وتحرّرت السنّة وأحكامها من شروط الزّمان والمكان. وحكم على العقل العربي بالانكفاء على ذاته وبالجمود في مكانه، هذا ما سدّ عليه الطّريق إلى اكتشاف مفهوم التطوّر وجدليّة التقدّم وما يستتبعان من تغيّر في الأحكام الوضعيّة ذات المصدر البشري. والأخطر من ذلك قول الإمام الأوزاعي : إنّ السنّة جاءت قاضية على الكتاب ولم يجئ الكتاب قاضيا على السنّة! وقول الإمام “أبي الحسن البربهاري” : “إعلم أنّ الإسلام هو السنّة والسنّة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلّا بالآخر”. ومن الفقهاء من نسخ آيات بأحاديث.

من الأمور التي تثير اليوم جدلا في الغرب، قضيّة رجم الزّانية التي تقرّ بها الشّريعة استنادا للسنّة رغم وجود حدّ آخر جاء به القرآن ووضع شروطا لتطبيقه.

من السّهل الشكّ بصحّة معظم ما نسب إلى الرّسول من أحاديث. و”طرابيشي” لم يتردّد في غربلة كاملة للتّراث دون الاستناد إلى أيّ مصدر استشراقي، بل بالاعتماد على المصادر الإسلاميّة المحضة. ولكن الأهمّ من ذلك هو أنّه استند إلى القرآن وأثبت بما لا يدع مجالا للشكّ، أنّ الله هو الآمر والرّسول هو المأمور بالقول. يطلق القرآن٬ في عشرات الآيات٬ صفة رسول الله على محمّد ولا يسميّه نبيّ الله في آية واحدة. والخطاب القرآني يميّز بين النبيّ والرّسول٬ النبيّ صاحب معجزة، والرّسول حامل رسالة. الله هو المشرِّع والرّسول هو المشرَّع له. تقول الآية 128 من سورة “آل عمران” التي تخاطب الرّسول مباشرة : «ليس لك من الأمر شيء. » وحين يرتّب “طرابيشي” الآيات القرآنيّة حسب موضوعها يجد آيات عديدة تقصر وظيفة الرّسول على تبليغ الرّسالة، وتقيّده تقييدا مطلقا بسلطة الوحي، وتتوعّده بقطع الوحي عنه إن هو كتم شيئا من القرآن، أو زاد فيه، أو بدّل أو تَقَوَّل شيئا من عنده. وهناك 14 آية تبدأ بـ “يسألونك”، ثم تأتي بعد السّؤال كلمة “قُلْ” يتبعها الجواب. وهذا يعني أنّ الرّسول لم يكن قائلا بل مأمورا بالقول. وكثيرا ما علّق الأحكام، بانتظار نزول الوحي. وعديد من الآيات القرآنيّة تعلن “اللافاعليّة” النبويّة فيما يتعلّق بمسائل الهداية والضّلال. وهذا نجده ليس في التّعبير وحده وإنّما في البنية اللغويّة المستقطبة بين فعل الأمر «قل» أو «اتّبع» و«لا» النّاهية و«ما» أو «ليس »النّافية. وأكثر من ذلك٬ فإنّ النصّ القرآنيّ لا يكتفي بتذكير الرّسول بأنّه مأمور، بل يأمره أيضا بأن يقول إنّه مأمور، وذلك في آيات تبدأ بـ “قل إنّما أُمِرت”. 

ولكي يزيد “طرابيشي” وضوح فكرته عن الفرق بين إسلام القرآن وإسلام الحديث، يكشف عن الدّور الكبير الذي لعبه الفرس في تشكيل السنّة، وأنّ معظم مؤلّفي كتب الحديث والمذاهب كانوا من المَوالي لا من العرب مثل “البخاري” و”مسلم بن حجاج” و”الطبري” و”الترمذي” وغيرهم. يقول “طرابيشي”:

“الإسلام الذي حُمِل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدّمتهم الفرس كان إسلام قرآن لا يد لهم فيه. بالمقابل، فانّ الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحيهم كان إسلام سنّة لهم اليد الطّولى في إنتاجه”.

أودّ أن أختم هذا العرض لمساهمة جورج طرابيشي في الإصلاح السّياسي والدّيني بذكر نقاش دار (سنة 2002 في مونتريال) بيني وبين عمٍّ لي كان “طرابيشي” أحد تلامذته في جامعة دمشق.

قال لي العمّ:

ـ بعد الاستقلال طالبنا بحريّة المرأة وحقّها في الدّراسة والعمل وفي السّفور. وإذا بالمرأة المسلمة تتحجّب من جديد.

قلت له:

ـ هل طالبتم بالمساواة الكاملة بين الرّجل والمرأة ؟

– هل اعترفتم بحريّتها الجنسيّة ؟

– هل طالبتم بتعديل قوانين جرائم الشّرف ؟

– وهل طالبتم بقوانين مدنيّة معاصرة تحلّ محلّ القوانين الشرعيّة ؟

أجاب العمّ على جميع هذه الأسئلة بـ “لا”.   

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق