الإفتاء واتجاهات الحياة

رسالة من عبير اسبر، تصلح لتكون مادّة لحوار ليس مؤجلا.. بل حوارا حثيثا، متواترا، ومع كلّ المصطلحات السابقة، مازال الحوار يخدش ولا يجرح، مع أنّ تداعياته تهتك، وتذبح.

رسالة عبير، وهي على بريدي الالكتروني في هذه اللحظة، تندّد بجرائم اصطلح عليها بـ”جرائم الشرف”، وهي سلسلة الجرائم التي ترتكب من قبل رجال قام رجال بالاعتداء على ممتلكاتهم الجنسية، وهي كثيرة خصوصا في الأردن أوّلا وفي سوريا ثانيا، وهذا الترتيب، لا يعني تفوّق الأولى على الثانية، فالكلّ في الذهنية سواء، والكلّ في الثقافة سواء، والكلّ في العنف سواء، وكل ما(عليهما) سواء ولكن ليس كل (مالهما)سواء.

اللاسواء.. هو متراكم السياسي، الذي لم تتبدَّ ملامحه في تراكم أخلاقي أو ثقافي، والفارق هنا جدير بالتوقّف عنده.

سوريا، في بنيتها السكانية، متنوّعة متعدّدة على المستوى الاثني والقومي والديني، وبالتالي العقائدي، والتنوع على النحو السوري، يفرض واحدا من خيارين، فإمّا التعايش، وإمّا التعادم، بمعنى إلغاء الموزاييك لحساب متفوّق واحد، قادر على اجتثاث الآخر، ولكنّ هذا لم يحدث، والدليل أنّ الكلّ مازال يعيش مع الكلّ، ودستور البلاد كما القوانين الوضعية لا تفرّق ما بين مواطن ومواطن، ما يعطي للمواطنة نوعا من الاحترام على ورق الدستور، وكذلك في القوانين التي سجّلتها الوزارات السورية المتعاقبة منذ الاستقلال إلى اللحظة الراهنة.

وسوريا (ولا ندري إن كان ذلك ميزة أم مشكلة)، متنوعة على مستوى العقائد السياسية، فالقوى العلمانية في سوريا موجودة منذ مطلع القرن الفائت، وربما يسعنا للتدليل على ذلك أنّ الحزب الشيوعي السوري تأسس عام 1929، ولاحقا جاءت أحزاب علمانية أخرى ومنها البعث والقومي السوري الاجتماعي، وكذا الناصرية بصفتها تيارا قوميّا، أي لا دينيّا، وإذا ما فكّرنا بالأحزاب الدينية في سوريا فلن نعثر سوى على الإخوان المسلمين، وهؤلاء سجّلوا نكسة تلو النكسة، مرّة على يد عبد الناصر، وثانية على يد البعث، وفي كل الحالات تواكبت نكساتهم مع فقدانهم للحامل الاجتماعي، وهو يعني أنهم لم يجدوا التربة المناسبة لنموّ بذرتهم، حتى ولو جاءت محمولة على النص الدينيّ الأكثر تكبيلا على مدى تاريخ المكتوب الديني، ونعني القرآن، ومازال كتابا، لا يشكّل عاملا حاسما في أيٍّ من حوارات الحياة السياسية السورية وشؤونها، كما لا يشكّل سيفا على الحياة الاجتماعية السورية، فسوريا لا تصوم قسرا، ولا تجرّ إلى المساجد بعصا (المطاوع)، ولا تفرض على سكانها الجزية، كما لا يفرض على ساكنيها الزكاة، مع ذلك ثمّة مرتبة لسوريا فيما يسمّى جرائم الشرف، ما يثير كمّا هائلا من الأسئلة بناء على هذه المرتبة، والسؤال تثيره المفارقة:

-لا دين ملزما، والمشهد ملك القوى العلمانية، ومقابل ذلك المرتبة الثانية في جرائم الشرف.

المفارقة واسعة جدّا، خصوصا وأنّ جرائم الشرف في سوريا، غالبا ما ترتكب من طائفة أو مذهب بمواجهة مذهب، فالعذرية لا تشكل الدافع الأساس، والتعدد الجنسي لا يأتي في الترتيب في أولويات جرائم الشرف، والترتيب الأساس، يعود لسبب زواج البنت من طائفة غير طائفتها، أو دين غير دينها، ومعظم الجرائم التي وقعت في سوريا، جاءت تحت هذا العنوان، وهنا مفارقة يمكن إعطاؤها الرقم (2)، ولنتابع بعض وقائع ما أطلق عليه جرائم الشرف.

مقتل البنت هدى أبو عسلي، هزّ أوساطا اجتماعية وحقوقية واسعة، وهزّ هنا، لا بمعنى حرّك الراكد، ولكنه يأتي بمعنى (الهزّات الوجدانية) التي لا تلبث أن تنام لنوم مناسبتها، و(لعن الله من أيقظها)، فإيقاظها (فتنة)، فمن هي هدى أبو عسلي؟

بنت درزية تزوّجت من شابّ مسلمٍ سنّي؟

من حيث المبدأ، فالطائفة الدرزية في سوريا ربما تكون من أقلّ الطوائف صلة بالدين والفكر الديني والطقس الديني، ما يدعو إلى افتراضها طائفة (علمانية)، شهدت ميلاد الحركة الشيوعية بمنوّعاتها، كما شهدت ميلاد كلّ الحركات القومية السورية، وقبل ذلك كانت شريكا رئيسا في استقلال البلاد، ما يعني أنها مدعوة لتكون الطائفة الأكثر تحرّرا من غيرها من الطوائف المربوطة بالنص الديني، بـ(قوّة ستاتيك) النص، وهذا معطى أوّل، وفي المعطيات اللاحقة فالنصّ الديني الدرزيّ، يقوم على الجدل، أي على الفلسفة، وأساسه وحدة الأضداد، ما يعني أنه متخطٍّ للفكر الإسلامي السلفي المأسور للنص، ولتكفير الفلسفة، فمن تفلسف في النص الإسلامي تزندق، وبالتالي، فهامش الحركة في الفكر الدرزي، وتسميته الصحيحة (التوحيدي) واسع، وما دام كذلك فالطبيعي أن يكون أبناء هذا المذهب متقدّمين على غيرهم من المذاهب في الرؤية للعلاقة بالآخر، وفي الرؤيا الأكثر شمولا، ونعني هنا علاقة الفرد باختياراته، ولكننا مع ذلك سنجد الزواج من طائفة أخرى يشكّل واحدة من أكبر اللعنات، التي تستدعي القتل، وإذا لم يكن القتل، فالعزل. وإن لم يكن كلاهما، فالعقاب فوق جنازة الميت الذي لا يصلى عليه، والمشكلة التي تنام على الحوار، إذا ما دخلت الحوار ستواجه حوارا خجولا، وثمة مثال بالوسع وضعه هنا لواحد من أعلام الطائفة وهو واحد من كتّاب عرب ربما أنجزوا للأدب ما لم ينجزه آخرون، وفي المثال أنّ ابنته تزوّجت من غير دينها، فكان موقفه التعتيم على الموقف، مع أنّ ابنته اختارت ما يليق بدقات قلبها وعقلها معا، وكان الطبيعي أن يشهر زواجها، ويواجه قانون تدمير العقل والغرائز، وبحدّ من الشجاعة، مواجهة الموقف الذي تستر فيه حتى عن أقرب المقربين إليه، وهذا مثال متقدّم جدا عن أمثلة أخرى، تتدرج في ظلاميتها لتصل إلى قتل البنت.

في المثال مفارقة، يمكن اختزالها على النحو التالي:

في الفكر لاديني، وفي الكتابة كوني، وفي العصبية درزي، وفي الحياة رجل تقتله الفاقة والعوز، وتدمره كل القوانين التي لا شراكة لإرادته فيها.

والمثال بلا شك سينطبق على كافة المذاهب والديانات السورية، من الإسلام الرسمي وصولا إلى المسيحية مرورا بالمذاهب الصغرى من الإسماعيلية إلى العلوية إلى الشيعية، إلى كل مظاهر افتتان البشرية بالقوة الكلية العظمى المسمّاة الله، والذي وضع له مبعوثين في الأرض، ولكننا حتى اللحظة لم نقف مباشرة عند أساس الموضوع، ولنحاول أن نتوقف مع ملمح ما من ملامح الأساس:

منذ فترة ليست ببعيدة ذهب مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون، ليقول لمجموع المذاهب الإسلامية، أننا مسلمون، وأفتى الرجل بحقّ تغيير المذهب، وهذه الفتوى بلا شك تمثّل موقفا شجاعا، من رجل يمثّل أكثر مؤسسات المجتمع تشدّدا وانكفاء، والآخرون وافقوه، ومجموع العمامات من كل المذاهب صفقت ووافقته الفتوى، وحين تواجه الفتوى (المرحب بها) الحياة تتحول إلى (جريمة شرف).

في الأمر كذبة ما، تضليل ما، نكتة ما، كوميديا ما، تراجيديا ما.. في الأمر ما يدعو لإعادة النظر، وإعادة النظر هنا لا تأتي عبر الفتوى، ولا عبر حوار الديانات الذي استمرّ يسبح فوق الأكذوبة، وإذا كان من الجائز اقتراح الحلول، فأفضل الحلول ربما أبسطها:

-أولا: تغيير قانون الأحوال الشخصية في سوريا، وثمّة من يقول إنّ هذا يتطلب موافقة البرلمان على التعديل، وموافقة البرلمان يعني موافقة (الشعب)، والشعب هو من (يقوم بجريمة الشرف).

حسنا، فليعش الاستبداد في هذه الحال، وليعدّل القانون دون إرادة البرلمان، على الأقلّ كون النظام السياسي الحاكم في البلاد نظاما علمانيا.

ثانيا: إذا كانت السلطة السياسية، عاجزة أو غير راغبة بمواجهة برلمانها (يعني شعبها)، فكما سمحت للدينيين بقتل البنات تحت اسم الشرف، ومنع الزواج من الدين الآخر أو ألبسته شروطا كابحة، فلتسمح للقوى العلمانية، الثقافية منها والاجتماعية برعاية مصالحها، وكما يسمح بتشييد مسجد، فليسمح بتشييد عرس محميّ باللادينيين، عريسه لاديني وعروسه لادينية ومأذونه مأذون لإرادة العروسين لا مأذون إله وكتاب مقدّس، والضيوف من ذات الطراز، بمن فيهم قارعو الدفوف.

مفارقات جاحظة (بالإذن من الفيلسوف العربي الجاحظ)، تشهدها بلاد مثل سوريا.

الإفتاء يحكي باتجاه، والحياة تمشي بالاتجاهات الأخرى.. القوانين تمشي باتجاه ورغبات الناس تمشي باتجاهات أخرى.. قوى السوق تزحف على الدولة الشمولية والعقل الشمولي يصادر فراش الرغبة والتكاثر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق