الإقصاء في الخطاب الإخوانيّ

أطلّ المرشد العام السابق للإخوان المسلمين، محمد مهدي عاكف، على شاشة "العربية" ضمن برنامج "ستديو القاهرة" الذي كان يقدّمه الإعلامي حافظ الميرازي قبل استقالته، محاولا الدفاع عن كلام سابق، أثاره معه مقدّم البرنامج، وهو: " طز في مصر، فليكن حتى ماليزي يحكم مصر بالنسبة لي أفضل " معتبراً أنّ الجملة اقتطعت من سياق حديثه والذي كان ينادي فيه " بوحدة إسلامية على غرار الوحدة المسيحية في أوربا ". ثمّ يسأل المقدّم ضيفه: لماذا تأخر الإخوان ثلاثة أيام أولاً ثم انضموا يوم جمعة الغضب، وماذا يقول للمسيحيين والمواطنين الذين يخشونهم؟ وهل يقبل الإخوان أن يكون رئيس مصر مسيحيّا؟ يجيب عاكف: " إشاعات غير صحيحة، فنحن كنا منذ أول يوم، ولا نتقدمهم ولا نتأخّر عنهم، نحن نسيج من هذه الأمة، وهذه الإشاعات يطلقها الصهاينة و العلمانيون والأمريكان ". نعم لقد قلت: " طز في مصر العلمانية الفاسدة التي تريد أن تحرف الشباب المصري ".

الكلام واضح لا يحتمل التأويل، وما قيل غيض من الفيض المسكوت عنه، وهو ما يشير إلى حجم العنف في خطابه المستتر، كما يدلّ على تأخّره الثقافي والأخلاقي حتى في اللغة، فكلمة " طز " أتت معيبة في الشكل والمضمون، وبدلاً من الاعتذار عما قيل، حاول المرشد إيجاد مخرج لبق، إلا أنه وقع بتناقض مع ما بدأه، حيث كانت الكلمة في سياق " الوحدة الإسلامية " ثم أصبحت تأكيداً ملازماً " لمصر العلمانية ". المهم أنه لا يقدر على الاعتذار ، هل لأن ما يؤمن به أكبر من مصر وشعبها؟ ربما!.
المؤسف، أن هذه اللغة صادرة عن " المرشد العام " أي رأس الإرشاد في التنظيم، بمعنى " نخبة النخبة في الجماعة ". طبعاً، الجماعة لم تعلق على ما قاله مرشدها السابق، أو أنها أسفت لما قيل، وهو أمر ليس بالمستغرب، فقد انتظرنا في السابق اعتذاراً من زعيمها الروحي، الشيخ يوسف القرضاوي عندما قال مستغرباً " لماذا لم يطبّق حدّ الردّة على العلمانيين إلى الآن! " لكن، لا حياة لمن تنادي، فالاعتذار والأسف من الآخرين غير وارد في قاموس الجماعة، لاعتقادها، أنها تتبنى خطاباً يسمو فوق الجميع.

يبدو أن الأمور تلتبس على المرشد حين يحاول قراءة العالم على خلفيته المعتقدية، فيقع في منطق المقاربات السطحية، محاولاً استنطاق العالم بلغة خشبية تقودها ذهنية ماضوية ترفض أي شكل لعقلانية لا تلتقي معها، فيصبح الإتحاد الأوربي، القائم على أرضية علمانية " وحدة مسيحية " مسقطاً عنها كل تراكمها الحضاري بحيث لا يرى فيها إلا " المسيحية " ليغزل على منوالها " وحدته الإسلامية ". وهنا لا نريد أن ندخل معه في سجال، حول أي إسلام يريده لوحدته هذه، فعلى ما يبدو، أن لديه " الحل " لكل المشاكل التي مر ويمر بها الإسلام!.


في حديثه وردت كلمة " الأمة " مجردة مرتين، لم يردفها بمصر وهو ما يحيلنا إلى فكرة الأمة الإسلامية، لتصبح مصر جزءا من كلّ إسلامي يضع أقلياته المسيحية وغيرها من الأقليات في خانة " ملل الذمّة ". أمام هذا المشروع العابر للدول تصبح فيه دولة مصر تفصيلا صغيرا، وإذا ما شكلت عائقاً في بلوغ الوحدة التي تنشدها الجماعة، عندها تجوز " طز " في مصر وتحديداً إذا كانت علمانية.

واضح أن المرشد السابق ليس لديه أدنى فكرة عن العلمانية، ولو أنه كلف نفسه مغبة البحث فيها لكان له رأي آخر إن لم نقل مخالفاً. فالخلط الذي قام به يدل على غياب شبه كلي للعقل، حين دمج العلمانيين مع الصهاينة والأمريكان، هذا في حال افتراض حسن النية وهذه مشكلة أُخرى، أما إذا أردنا رؤية الموضوع من زاوية مغايرة، فالأمر بغاية الخطورة، إذ يرسل إشارات لمرحلة قادمة تفتح الباب على الاغتيال السياسي والوجودي للعلمانيين وذلك بعد أن قام بزجهم في خانة الصهاينة والأمريكان، لنعيد سؤالاً كان قد طرحه في السابق الكاتب وائل السواح: هل أصبحت العلمانية تهمة في مجتمعاتنا؟.


يفترض من المرشد أن يقول كلاماً مسؤولاً نظراً لمكانته السابقة، إذ لا يليق به رمي الكلام على الغارب، فهذه اللغة المستخدمة في خطابه السياسي تنمّ عن تأخّر ثقافي تستوجب منه إعادة النظر في ما عليه قوله، فحتى كلمة الأمريكان يجب أن يتريث عندها، فمعارضته للسياسة الأمريكية شيء وأمريكا كدولة ومجتمع شيء آخر. ثم هل نسي حضرته أن هناك قرابة عشرة ملايين مسلم أمريكي فهل هو ضدهم أيضاً؟. أما فيما يخص وضع المسيحيين وقبوله برئيس منهم لمصر كما يقبل بالماليزي، سؤال لم يجب عليه، ربما لدقة المرحلة.
بقي أن نقف عند آخر جملة ربط فيها العلمانية كنظام وفلسفة تحاول " حرف الشباب المصري " فقد قدم المرشد العلمانية بصورة مفسدة وفاحشة، تغوي الشباب وتحرفهم عن جادة الصواب، فبدت وكأنها ملازمة للشيطان. هذا الضخ المدروس والمفبرك لتخويف الناس والمجتمع، الهدف منه وضع اليد على الحريات الشخصية والعامة والنزول بها من الرأس إلى أسفل الزنار، لتكون الحشمة ملاءة سوداء تغلف " المجتمع الإسلامي "، وتستر عورته، ولنا في الأماكن التي تواجد فيها هذا الفكر المتأسلم، خير دليل لما نذهب إليه.


يبدو أننا أمام خطاب متقدم على خطاب السلطة في إقصاء الآخرين وتسفيههم، يقوم على واحدية النظرة في الثقافة والسياسة المتشكلة عنها، حيث يطوع كل وسائل المعرفة لخدمة خطه الإيديولوجي، وليس احتكار الحقيقة إلا أحد تجلياته باعتبارها مرجعية متعالية على النقد، لما تمثله من تجسيد لمقدس يضع الجماعة في خدمته والدفاع عنه بلغة تبشيرية، تمثل انعكاسا حقيقيا لمطلق " نقي " تعتقد فيه، وهو ما يحتم عليها الجهاد في سبيله، بالتالي لا تستقيم الأمور إلا بإزاحة الأفكار والفلسفات التي يمكن أن تخترقه وتحوله إلى نسبي قابل للتغيير.


من هنا يمكن فهم الإرباك والوهم الذي يعطي مؤشراً على خوائه المعرفي وعجزه عن اللحاق بعلمانية يرفضها كفلسفة لا تقبل تسيّس مقدسه، فكانت له كمرآة عاكسة تكشف عريه السياسي وتأخره الحضاري، المتمترس خلف نصوصه الصفراء.
إن ما حدث أيام جمعة الغضب والرحيل أسقط ميكيافلية الجماعة بعد انكشاف تقيتها، فبالرغم من القرار الذي اتخذته بعدم رفع شعارات ذات طابع ديني، إلا أنها لم تتمالك نفسها، ومع أنها لم تُظهر شعاراتها لكنها جسدتها على الأرض، فالخروج من المساجد إلى الساحات، وإلقاء المواعظ والخطب الدينية، جاء مناقضاً لما أعلنوا عنه، لتأتي جمعة النصر تتويجاً لمشهد الجماعة، والتي ظهر فيها القرضاوي  "محرراً " وهو يلقي خطبته وعظاته، فبدا وكأنه يقص الشريط الحريري لمرحلة قادمة.

إنّ الحالة الحضارية التي حاول الإخوان تقديمها في المظاهرات لم ترتق إلى المستوى المطلوب، كما حدث مثلاً، في المشهد التونسي.


الأمر الذي يؤكد أن فاقد الشيء لا يعطيه، لقد أظهر الغضب النوايا الدفينة ودلت أن الإخوان لا يتنفسون إلا دينا مسيّسا، بكل بساطة هذه هي قواميسهم المعتقدية، فكيف لهم أن يتظاهروا ضد وضع سياسي واقتصادي جائر بطريقة وطنية بعيداً عن التوظيف الديني الذي يفرق ولا يجمع، يميز ولا يعدل. أن يكون المرء وطنياً أمر يحتاج إلى القليل من التواضع وإلى قدر أكبر من الحكمة، وحتى نكون من نسيج هذا الشعب علينا أن ندرك التمايز ونرفض التمييز. والخلاف مع أي نظام قمعي كما في مصر، يجب أن يبقى تحت سقف السياسة الوطنية، لتبقى الثورة جامعة لا مفرقة، حفاظاً منا عليها، كي لا تنزلق مجدداً نحو الاستبداد، فالمطلوب، الخروج من الذهنية الاقصائية قبل الخروج إلى الشارع. وحتى لا نعيد إنتاج التسلط ولو أتى بطريقة " ديمقراطية ".

لقد توهم البعض أن الإخوان ماضون إلى تغيير جذري يلتقي الآخرين في منتصف الطريق، لكن ما جرى من أحداث خلخل معه الأقنعة التي كانت تتلطى خلف ديمقراطية الصناديق، ولم يعد مستغرباً الكلام الذي جاء على لسان المرشد السابق، إذ لا ينضح الوعاء إلا بما فيه، وهذا مهم، كونه يكشف زيف الإدعاءات التي يلقون بها إلى الرأي العام. أما التغيير الذي طرأ على سياسة الجماعة، فجاء في الأسلوب والآلية، تغيير لامس القشرة ولم ينفذ إلى لب إيديولوجيته والغاية المضمرة التي يسعى إلى تحقيقها. والذي بدا أن الجماعة في انتظار تحولها إلى حزب سياسي، غير مستعجلة في استلام سدة الحكم، بانتظار أن تنضج المرحلة وقطف ثمار ما يحدث الآن في الموسم القادم.

                                       

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق