الإلحاد، ترجمة حسن أوزال

“الإيمان يخلص إذن فهو يكذب”

نتشه

إن الإلحاد موضوع فلسفي متميز. فهو اعتقاد لكن سلبي وأسلوب للتفكير لكنه لايقوم إلا على أساس فراغ موضوعه. ذلك ما يشير إليه بالضبط الاشتقاق: عبر هذا الحرف الصغير” a” النافي الذي يتقدم لفظة الـ théos العظيمة (والتي تفيد الله). فأن تكون ملحدا يعني أن تكون بلا إله. إما لأنك تفضل عدم الإيمان بأي إله من الآلهة، وإما لأنك تؤمن بألا وجود لها أصلا. وعليه بوسعنا التمييز في هكذا عالم توحيدي كعالمنا، ما بين نوعين من الإلحاد مختلفين :عدم الإيمان بوجود الله(إلحاد سلبي) أو الإيمان بعدم وجود الله (إلحاد إيجابي إن لم نقل إنّه ثوريّ). الأوّل إذن هو انعدام الإيمان بينما الثاني إيمان بالعدم أي أننا إما مع القول بانعدام وجود الله وإما مع نفي وجوده.

لكننا مع ذلك سنتفادى التركيز على إبراز الاختلاف أكثر من اللازم ما بين هذين النوعين من الإلحاد، لا لشيء إلا لكونهما تيارين أكثر من كونهما مجريين؛ إنهما قطبان ينتسبان لنفس الحقل. من ثمة بوسع كل امرئ لا يؤمن أن يتموقع وتأرجح متنقلا ما بينهما بسهولة. وهو بذلك ليس يقل إلحادا. لكن لا خيار أمامنا إلا أن نؤمن بالله أو أن لا نؤمن به: والملحد هو كل شخص ينحاز إلى الطرف الثاني من المعادلة.

لكن ماذا عن اللاأدري؟ هذا الذي يرفض أن يختار. إنه أقرب ما يكون مما أسميته بالإلحاد السلبي لكنه أكثر انفتاحا على إمكانية وجود الله، وتلكم ميزته الخاصة. فاللاأدريّ يجسد نوعا من الوسطية الميتافزيقية أو نوعا من الإرتيابية الدينية. فهو بقدرما لا يتخذ موقفا فهو ليس لا بمؤمن ولا بملحد:إنه من يترك المشكل معلقا وله في ذلك حجج عجيبة. لكن لماذا ينبغي علينا أن نبدي رأينا فيما يخص وجود الله مادمنا لا نعرف أنه موجود؟(فالسؤال ليس يطرح حالما عرفنا أنه موجود). لماذا علينا أن نعمل على إثبات أو نفي شيء نجهله؟ الاشتقاق هنا مرة أخرى أكثر وضوحا. ذلك أن لفظة Agnostos تعني بلغة الإغريق المجهول وغير المعروف. ومن ثمة فاللاّأدريّ في مجال الدين هو من يجهل ما إذا كان الله موجودا أم لا ويتمسك بجهله ذاك. فكيف يحق لنا والحالة هاته أن نتهمه بالإلحاد؟ سيما وأن الخشوع كما هو باد للعيان من جانبه والبراءة معه. لنتأمل بالمناسبة هذه القولة الرائعة حيث يصرح بروتاغورس:”إنني فيما يخص الآلهة لا أستطيع أن أجزم لا بوجودها ولا بعدمه مادام أن العديد من الأشياء تعجزنا على معرفة ذلك: أولها غموض المسألة ثانيها قصر الحياة الإنسانية”.

وهذا لعمري موقف جدير بالاحترام بله قابل للتصديق وذو مغزى. إنه موقف يكاد يفضح نظير ذلك النزوع المتطرف المميز لكل من المؤمن والملحد على حد سواء.على اعتبار أن كليهما يتحدث عن أمور هو في جهل تام بها. والملاحظ بالنسبة لللاأدرية أنه حيثما تكمن قوتها يكمن أيضا ضعفها، لكن الأرجح أننا كلنا لآأدريّين حالما اعتبرنا اللاّأدري
ّ هو فحسب من لا يعرف ما إذا كان الله موجودا؛ مادام لا أحد منا، فيما يخص هذه المسألة يمتلك معرفة كافية. إن اللاّأدريّة بهذا المعنى ستضحى أقل مما هي موقفا فلسفيا، معطى من معطيات الشرط الإنساني. فإذا التقيت شخصا يواجهك قائلا:”إني أعرف بأن الله ليس يوجد” فهو ليس ملحدا أكثر مما هو غبيّ. لنقل إنه غبيّ يتّخذ جهله كما لو كان معرفة. وعلى نفس المنوال إذا التقيت شخصا يقول لك :”إني أعرف بأن الله موجود”: فهو مؤمن غبيّ. الحقيقة؛ وهذا ما يجب علينا تأكيده؛ هي أننا أجهل ما نكون في هذا المضمار مادام أن الإيمان وعدم الإيمان مسألتان تحيدان عن كل استدلال، وهذا نفسه ما يحددهما من حيث هما كذلك. وبالعكس فما حاجتنا للإيمان أو عدم الإيمان بشيء ما حالما نكون على علم به. على إثر ذلك فاللاأدريّة تخسر على مستوى الفهم بتعبير أهل المنطق ما تربحه على مستوى الامتداد. لكن إن كان الكون بأسره يقوم على أساسها فما الداعي إلى رفضها؟ إن الغنوصية لا تعود فلسفيا ذات مغزى إلا عندما تمضي بدورها بعيدا عن مجرد اعترافها بجهلها: أي باعتبارها أنّ هذا الاعتراف وحده يكفي بل وأفضل من باقي الاعترافات. فهي فضلا عما سلف تعني اختيار عدم الاختيار. وهذا ما يوضح بما فيه الكفاية، موازاة مع ذلك، معنى الإلحاد: اختيار قد يكون سلبيا (عدم الإيمان بوجود الله)، وقد يكون ايجابيا (الإيمان بأن الله ليس يوجد) ويقتضي دوما اتخاذ موقف كما الالتزام وإيجاد جواب؛ خلافا للاأدريّة التي تتمسك بالسؤال وتبقي عليه منفتحا؛ وهنا مكمن قوتها وضعفها في آن. فاللاأدريّ لا يتخذ موقفا عكس الملحد الذي يتموقف إزاء الله أو بالأحرى إزاء وجود الله. لكن لماذا لا يتخذ موقفا؟ لأنه ليس ثمة من حجج، والملاحدة في هذا الشأن كانوا على الدوام أكثر وضوحا من المؤمنين. إذ ليس ثمة إطلاقا، في تاريخ الإلحاد، نظيرٌ لتلك الحجج المشهورة المتعلقة بمسألة وجود الله. فكيف نثبت “لا وجودا ما ” une inexistence؟ ومن ذا الذي يستطيع مثلا أن يؤكد لنا أن المسيح لم يوجد قط؟ وبأن الأشباح لا توجد؟ كيف نثبت بالأحرى أن الله لا يوجد؟ كيف بوسع عقلنا أن يثبت بألا شيء يفوقه ويتجاوزه؟ كيف بوسعه أن يتنكر لما هو بطبعه خارج نفوذه؟ لكن هذه الاستحالة لا يجب أن تدفع بنا رغم ذلك إلى الغباء، ولن تكون مبررا يفضي بنا إلى حد العزوف عن إعمال الفكر.

صحيح أننا لا نملك حججا preuves لكن لدينا براهين arguments وأودّ مادمت ملحدا أن أختبر بعضا منها. أوّلها بسيط وفي غاية السلبية: لعلّ أقوى برهان يجعل المرء ملحدا إنما يعود قبل أي شيء آخر إلى ضعف البراهين النقيضة. أقصد ضعف الحجج لكن أيضا الوقائع. فإذا كان الله موجودا وجب عليه أن يكون مرئيا ومحسوسا بما فيه الكفاية. لماذا يحتجب الله إلى هذا الحد؟ يردّ المؤمنون كعادتهم بأن في تحجبه ذاك ضمانا لحريتنا: إذ لو تمرأى الله لنا بكل جلاله، ما بقينا بعدئذ أحرارا في الإيمان به أو عدم الإيمان به. إلا أن هذا الجواب لا يقنعني. أولا لأننا على هذا النحو لا غير، سنغدو أكثر حرية لا من الله فحسب (كيف يمكنه، المسكين أن يشكك في وجوده الخاص؟) بل ومن العديد من رسله (الذين من المفروض أنهم التقوه شخصيا)؛ وهذا على ما يظهر صعب التفكير فيه واستيعابه فلسفيا وتيولوجيا. ثانيا هو جواب لا يقنعني لأنه ثمة دوما أقلّ من الحرية في الجهل منه في المعرفة. فهل يجب علينا احتراما لحرية الأطفال مثلا، أن نتخلى عن تعليمهم؟ فكل معلم إنما ينحو المنحى المخالف، بلا شك، وكذلك الشأن بالنسبة لكل أب: فالشبان خلافا لذلك يضحون أحرارا قدرما يغرفون من العلم. فما كان الجهل يوما تحررا وما كان العلم أبدا عبودية.

وأخيرا، هو جواب لا يقنعني لأن هذا البرهان بالضبط يتناقض وصورة الله-الأب، الأكثر انتشارا اليوم. فأن أحترم حرية أبنائي أمر محمود بطبيعة الحال، لكنهم أحرار في أن يحبونني أو لا، وفي أن يطيعوني أو العكس وفي أن يحترموني أو لا؛ لكن كل ذلك يتطلب على الأقل أن يكونوا على علم بأني موجود. فكم هو بئيس نظير ذلك الأب الذي احتراما لحرية أبنائه، تراه يرفض أن يعيش معهم وأن يرافقهم بل وكذلك أن يُعرِّفهم به على نحو واضح ! فهل والحالة هاته ينفعه الوحي؟ لكن أي أب سيأخذ، في تربيته لأبنائه، بكلام موجًّه إلى أناس آخرين، قضوا نحبهم منذ قرون خلت ؛كلام لم يتلقوه إلا كنصوص ملتبسة ومشكوك في أمرها؟ أي أب سيأمر أبناءه بالإنكباب على قراءة نصوصه المفضلة أو نصوص مريديه(أيها سيختار؟ الإنجيل أم القرآن أم الأوبانيشاد (1) ؟) بدلا من التكلم المباشر معهم وضمهم إلى حضنه؟ إن مشكلة الأب هي مشكلة الله. فأي أب يفوق قساوة ذاك الذي عندما يحل الألم بأبنائه ينزوي مختفيا أكثر من اللازم؟ من يكون ذلك الأب الذي اختفى في Auschwitz واختفى في رواندا؟ من يكون ذلك الأب الذي يختفي كلما لحق الدعر و الألم أبناءه؟ لعل أسوأ أب إنما هو نموذج الإله المحجًّب عند باسكال وكذا عند إشعياء. فكيف يمكننا أن نحبه؟ وكيف يمكننا أن نؤمن به؟لذلك فالإلحاد يقدم لنا تصورا معقولا. فإذا كان الله لا يُرى وإذا كان تحجبه ليس مفهوما بالنسبة لنا فلربما لأنه ليس يوجد.

أما البرهان الثاني فهو بدوره سلبي لكنه هذه المرة، إن صح القول أقل اختباريا منه نظريا. والحال أن قوة الله تتجلى أساسا بالنسبة للفكر، في اعتماده تفسيرا للكون والحياة وكذا الفكر ذاته؛ لكن ما قيمة هذا التفسير، عندما يكون الله، ولئن اعتبرناه انطلاقا من تحديدنا له موجودا، هو ذاته غير قابل للتفسير؟ فأن يكون الدين إمكانية من إمكانيات الاعتقاد شيء لا أنكره. أن يضحى محترما هذا ما لا جدال فيه. لكني أتساءل عن مضمونه الفكري. فما الدين إن لم يكن غير مذهب يفسر شيئا لا نفهمه (وجود الكون الحياة ، الفكر…)بواسطة شيء لا نفهمه زيادة (الله)؟ وما قيمة هذا التفسير من وجهة نظر عقلانية؟ يبدو الدين هنا بمثابة “جزيرة الجهل” على حد تعبير سبينوزا، الذي أخشى أن يصدق هذا التعبير على إلهه هو بدوره.”إن الله يوجد بالضرورة، وهو جوهر يتكون من عدد لا محدود من الصفات، تعبر كل منها عن ماهية أزلية ولا متناهية ” هذا ما نقرأه في كتاب علم الأخلاق .لكن ما الذي نعرفه عن نظير هذا الإله وعن لامحدودية الصفات هاته اللامتناهية؟ لا شيء غير ما يشبهنا ويخترقنا (الامتداد، الفكر) فلا يؤلف إلها في شيء. لكن مادام الأمر كذلك، لماذا نؤمن به؟ لعل فرويد هو المحق هنا حينما قال:”الجهل هو الجهل؛ فلا أحد لذيه الحق في الاعتقاد بشيء ما ليس يصدر عنه “أو لنقل بالأحرى أنه لذينا الحق، لكن اعتقادنا ذاك لا ينبغي أن يقوم مقام معرفة. فلننتصر للبيرونية (2). ذلك أن الجهل لا يستطيع أن يبرر أي اعتقاد كيفما كان، ولا العقل يستطيع حالما تعلق الأمر بالله أن يقضي على الجهل .
وعليه موازاة مع ذلك، فكل تفسير لشيء ما بواسطة الله (والزعم من ثمة أننا فسرنا كل شيء) إنما يعني عدم تفسير أي شيء إطلاقا وإحلال جهل محل آخر. فما الجدوى من ذلك إذن؟ “لست ملحدا يقول لي أحد الأصدقاء: إني أؤمن بأن هنالك سرا…” ربما كان هذا أفضل حلّ. لكن هل الأجدر بنا كيما نضحى ملاحدة، ألا نعرف بأننا كذلك؟ أم علينا أن نزعم بأننا على علم بكل شيء وبأننا أتينا على فهم الأمور كلها، وفسرناها بأكملها؟ حينئذ لن يبق ذلك مجرد نزوع إلحادي بقدرما سيضحى نزوعا علمويا إن لم نقل عماء وغباوة. بله وكذلك الشأن حتى عندما نستطيع مع ذلك أن نفسر كل شيء في الكون ذاته، وهو ما لا نستطيعه. ثم سيبقى لنا أن نقرر وأن نتصرف، أن نحب وأن نحيا وهذا ما لا يستطيع أي علم أن يلقنه لنا. أن نكون ملحدين أمر لا يعفينا في شيء من أن نكون أذكياء وواضحين.
وهذا ما يميز النزعة الإلحادية عن النزعة العلمية التي ستضحى إلحادا محدود الأفق. فالنزعة العلمية دين العلم: إنها ليست لبّ الإلحاد أو المادية أو العقلانية بل فقط إحدى نسخها المذهبية والدينية. لنقل إنها دين الغير المؤمنين: إن حرية الفكر هاته هي على وجه التقريب النقيض دوما، للفكر الحر. ومن البداهة بمكان، ألا تستطيع العلوم تفسير كل شيء وكذلك شأن العقل. فثمة المجهول وغير القابل للإدراك والسرّ، وكلها قائمة الذات وإلى الأبد. والحال أن العلماء أخطئوا حقا عندما سعوا إلى نفيه. لكن بأي حق أراد المؤمنون أن يستحوذوا على هذا السرّ وأن يمتلكوه وأن يردّوه شأنا خاصا؟ ولئن كان ثمة سرّ فهذا لا يمنح أحقية للدين ولا يفند في شيء العقل. إنّ هذا السرّ يفند الدغمائية وكل نزوع مذهبي كيفما كان نوعه دينيا أو عقلانيا. فهو ما يفند أساسا كل الديانات التي لا وجود لها إلا كمذاهب. لكن إذا كان العالِم هو من ليس في حاجة إلى أن يحب العلم، فما شأن مؤمن لا يحبّ ربه؟ فأن تكون ملحدا ليس يعني أن ترفض السرّ، بل أن ترفض التخلص منه أو اختزاله أيا كان المبرر في طقس إيماني أو على نحو فعل الطاعة. إن الإلحاد لا يعني إذن أن تجد تفسيرا لكل شيء بل أن ترفض تفسير كل شيء بواسطة اللا مفسًّر .أما الإيمان بالله، فلا يعني أن تضيف سرّا للكون بل أن تضيف اسما (اسم ولو كان غير قابل للنطق) لهذا السرّ، وأن تختزله، بسهولة تامة، شيئا فشيئا، ليضحى مجرد حكاية عائلية أو إدارية، أو قصة زواج وحبّ … فأن يكون الله هو الجبار والخالق، القاضي والرحيم –”ربنا الذي في السماوات …” أن يكون الله كذلك هي طريقة لتفسير كل شيء لكن بواسطة شيء غير قابل للتفسير أصلا. إنها طريقة على نحو ما لا تفسر أي شيء على نحو ما تروم السطو على السرّ والنظر إليه من جانب واحد باستمرار هو جانب تغلب عليه النزعة التشبيهية (3). فالقول إنّ “الله خلق في البدء السماء والأرض ثم الإنسان على صورته… “قول يعني من بين كل ما يعنيه أننا بذلك إنما نفسر الكون الذي يحتوينا بواسطة شيء يشبهنا أو بواسطة شخص نشبهه.” إذا ما خلقنا الله على صورته يؤكد فولتير فلأننا أسقطناها عليه ” سيكولوجيا أي شيء هو أكثر قابلية للفهم منه ؟ فلسفيا أي شيء هو أكثر إثارة للشكوك منه؟ لكن الكون أشد غرابة من الإنجيل والقرآن. إذن كيف يمكن لهذه الكتب التي تنتمي للكون أن تفسره؟ ولئن كانت أبسط وردة هي سر يستحيل فك لغزه، فلماذا نرغب في أن يُفك لغز هذا السر بمنطق إيماني؟ ولئن كان أهم ما في الكون مجهول بالنسبة إلينا، فلماذا نرغب في أن يغدو هذا السر المجهول هو الله؟

أما البراهين الثلاثة الأخرى فهي بخلاف ما سلف إيجابية. ويبقى أولها الأتفه والأقوةى في آن: إنّه برهان الشر. حيث أن ما يحول دونما إيماننا بسهولة بأن الكون قد خُلِق من لدن إله خيِّر وجبار، إنما هو كون الكون ينطوي على الكثير من الرعب و الآلام و الجور. و لعل هذا الإحراج جد معروف منذ أبيقور ولاكتانس: فإما أن الله أراد أن يقضي على كل الشرور لكنه لم يستطع، مما يعني أنه ليس قويا كفاية، وإما أن الله يستطيع ذلك إلا أنه لا يريد، ممّا يعني أنه ليس خيرا على الإطلاق … والحال أنه إن لم يكن لا على النحو الأول ولا الثاني (فهو بالأحرى إن ليس لا بهذا ولا بذاك: إن لم يرد أو لم يستطع أن يزيل الشرور كلها)فهل ما يزال يعتبر إلها؟ وهذه معضلة كل ربوبية (4) .إذ على حد تعبير ليبنتز :”إذا كان الله موجودا فما مصدر الشر؟ وإذا لم يكن موجودا فما مصدر الخير؟”. لكنّ الشرّ على ما يظهر هو حجّة ضدّ الإيمان أكثر ممّا هو الخير حجّة ضدّ الإلحاد. فالشرّ هو الأكثر انتشارا وهذا أمر لا يختلف حوله اثنان. فعندما يضحك طفل من الأطفال لسنا قط في حاجة إلى إله لنفسّر سبب هذا الضحك. لكن خلافا لذلك عندما يموت هذا الطفل أو يتألم بشدة، من يملك ما يكفي من الجرأة لتمجيد عظمة الله وتبجيل معجزاته في الخلق سواء أمامه أو أمام أمه؟ والواقع أن عديد الأطفال يتألمون في كلّ حين، في سائر بقاع العالم. فلماذا؟ سوف يردّ المؤمنون بأن لا أحد مسؤول عن هذه المآسي غير الإنسان .أكيد لكنه ليس علتها كلها ولا علة ذاته. فالحرية كما الخطيئة كلاهما لا يفسر أي شيء. أتذكر في ذات السياق تلك السخرية اللاذعة لديدرو حيث يقول:” إن إله المسيحيين أب يهتمّ كثيرا بتفاحاته وقليلا بأبنائه”. وهذا القول يصدق أيضا على إله اليهود والمسلمين، بل يصدق على كل إله من حيث هو إله حبّ ورحمة. لكن كيف لا يغدو الله على نحو آخر؟ لماذا نقبل منه مرة أخرى ما لا نقبله من أي أب؟ لقد حدث لي مرارا أن قضيت ساعات طوالا بجناح لطبّ الأطفال تابع لأحد المستشفيات الكبيرة بباريز، ومنحني ذلك إحساسا خاصا بعظمة الإنسان مقابل شعوري بدناءة فكرة الله إذا ما عنُّ له أن يوجد. ذلك أن تألم الأطفال على حد تعبير مارسيل كونش “شر محض” شرّ هو وحده يكفي لاستنتاج استحالة وجود أي إله. لكن كم هو مجحف حقا ألا نجد أدنى تفسير ولا تبرير لأي خطأ كيفما كان؟ ألم تكن الآلام بلا عدد حتى قبل الخطيئة الأولى؟ لا، بل كم هي المعاناة حتى قبل أن يوجد الإنسان. فمن يكون هذا الإله الذي يترك الغزلان فريسة للنمور والأطفال عرضة لأمراض السرطان؟

البرهان الثاني ذاتي للغاية، وأعتبره كذلك لأنني لا أملك ما يكفي من الأفكار حول الإنسانية بصفة عامة وحولي بالذات لأتصور أن ثمة إلها استطاع أن يخلقنا. وإلا كان بمثابة علّة عظمى وجدت من أجل معلول تافه. وكما يقول باسكال ما أكثر التفاهات والدناءة والفقر وما أندر الأشياء العظيمة. لا يستدعي الأمر في هذا السياق أن نزيد الطين بلة .ذلك أن كل تبخيس للإنسان إنما هو جور: فكما لو اعتبرنا هذا العالم خلوا من العظماء والناس الشجعان، مفضلين عليهم من ثمة وعلى نحو غبيّ، الجبناء والأشرار. لكن للعظماء أيضا عيوبهم بها ينتمون للإنسانية تماما مثلما للناس الشجعان نواقصهم. فلا هؤلاء ولا أولئك في حاجة إلى إله كيما يكونوا ويضحوا معترفا بهم. فالجرأة تكفي ؛اللطافة تكفي؛ الإنسانية تكفي وإلا أي إله بخلاف ذلك، يصلح لتبرير الحقد والعنف، الكسل والغباء اللذي لا حصر له؟ لندع جانبا الأشباح وكذا البلداء. إذ مجرد معرفة الذات كما لاحظ برغسون تدفعنا إلى أن نمقت ونكره الإنسان أكثر مما نحبه. فما أشد تفاهتنا وجبننا وما أقل جرأتنا وشجاعتنا. ما أقوى حبنا لأنفسنا وما أقل حبنا لغيرنا. وعليه يبدو جليا أن الإنسانية خلقت على نحو منحرف. فكيف يمكن لله أن يرغب في خلقه على ذلك النحو؟ إن الدين، كل دين ينطوي عل نرجسية عزّ نظيرها (إذا ما خلقني الله فلأن لي قيمة بالنسبة إليه) وتلكم حجة كافية لكي أضحي ملحدا: أن أؤمن بالله يعني أن أغدو أكثر غرورا . وبخلاف ذلك فالإلحاد شكل من أشكال التواضع. إنه يعني أن يعتبر المرء نفسه حيوانا، كما هو بالفعل، ويسعى جاهدا ليصبح إنسانا. وهذه المهمة وحده الله هو من كلفنا بها حتى تسترسل عبرنا عبقريته لربما. لكن تلك المهمة تكاد لا تطاق سيما بالنسبة لكائن بسيط، مما يجعل الجواب سالف الذكر لا يشفي الغليل. فالطبيعة بالنسبة لنا نحن هذه الكائنات البسيطة، تبدو في اعتقادي أكثر معقولية.

أما البرهان الثالث الإيجابي فقد يبهرنا زيادة. ذلك أنني إذا كنت لا أؤمن بالله، فلأني بالضبط أتمنى أن يكون موجودا. ذلكم رهان باسكال بشكل ما، لكن على نحو معكوس؛ إذ لا يستدعي الأمر أن نفكر أكثر من اللازم- مادام الفكر ليس لا تجارة ولا يانصيب-بل أن نفكر على نحو أكثر معقولية. والحال أن الله بقدرما هو فكرة أقل معقولية وحقيقية في اعتباري، بقدرما هو مرغوب فيه زيادة. ألسنا نحن من خلقه بالذات تلبية لرغباتنا التي وحده يشفي غليلها؟ إن كونه وحده يناسب جيدا رغباتنا الأشد قوة هو ما يفضي بنا إلى التساؤل عما إذا لم نكن نحن بالذات هم من خلقه. لكن ما الذي نرغب فيه أكثر من أي شيء آخر؟ نرغب في ألا نموت، وأن نلتقي الأحباب الذين افتقدناهم، أقصد أعز الناس إلينا. وما الذي يشي لنا به الدين المسيحي على سبيل المثال؟ إنه لا يفتأ يؤكد لنا أننا لا نموت، أو أننا لا نموت حقا وبأننا سوف نبعث من جديد لنلتقي بالتالي الأحبة الذين سبق وأن افتقدناهم، وأخيرا بأننا مشمولون منذئذ بحبّ منقطع النظير… فما الذي سنبقى نرغب فيه فضلا عن كل هذا؟ لا شيء بكل تأكيد وهذا ما يجعل الدين لا يحتمل. إذ بفضل أية معجزة سيتوافق الواقع، غير المألوف من حيث هو كذلك، إلى هذا الحد مع رغباتنا؟ إن ذلك لا يثبت بأن الله ليس موجودا – لأن الله سوف يغدو تحديدا، ما يجعل المعجزات ممكنة ـ بل هو ما يجعلنا نتساءل عما إذا لم يكن الله أكثر جمالا حدّ تمثلنا له كحقيقة، وعما إذا لم يكن الإيمان به مجرد إحلال لرغباتنا محل الواقع؛ وباختصار عما إذا لم يكن الدين مجرد وهم بالمعنى الذي يفرده له فرويد: أي أنه ليس بالضبط خطأ (لنعد ما قلناه، قد يكون الله موجودا ) بل “إيمانا أساسه الرغبات الإنسانية “. لعل هذا هو ما يخلخل وجود الدين دونما نفيه. “من الأفضل بكثير يكتب فرويد ،أن يكون ثمة إله خالق للكون وأن تكون ثمة عناية إلهية تطفح خيرا، ونظاما أخلاقيا بهذا الكون وحياة مستقبلية؛ لكن أكيد أن ذلك كله هو ما نتمناه لأنفسنا “. فأن تكون مؤمنا بالله يعني أن تؤمن بالمسيح لكن بنسبة ألف في المئة أو بالأحرى إلى ما لا نهاية. إنه يعني أن نتخذ أبا بديلا يعوضنا عن الآخر كما عن فقداننا له ؛أب سيغدو بمثابة القانون الحقيقي و الحاكم الحقيقي؛ أب سيقبل أخيرا أن نحبّه، وهو أمر طبيعي جدّا. لكن لماذا علينا أن نؤمن به؟ “إن الإيمان يخلص يؤكد نيتشه إذن فهو يكذب” لنقل أنه ما يصلح لنا حتى لا نبقى مرتابين . تصور لو قلت لك “أني موقن بأنني سأقتني شقة بباريس تتكون من ست غرف وتقع خلف اللكسمبورغ وتطل على الحديقة بثمن لا يتجاوز مائة ألف فرنك ” سوف ترد بكل تأكيد :” إنه يخرِّف ويتشبت برغبته كما لو كانت حقيقة…”إن معك الحق على كل حال(بالرغم أن ذلك يكاد لا يدل على أي شيء: فمن يدري أني لن أصادف بائعا أحمق؟) . لكن عندما أقول لك بأن الله موجود وبأننا سوف نبعث الخ …فإنك لا تجد في ذلك كله ما يدعو للإستغراب مثل استغرابك من الست غرف خلف اللكسمبورغ بأقل من مائة ألف فرنك .وهذا إن كان يعني شيئا فإنما يعني أن لك تصورا ضئيلا عن الله وآخر أكبر في مجال العقار. من ثمة فموقف الملحد أقوى كلما فضل كعادته أن يكون مفندا. وهذا لا يعني أنه محق أكثر مما ينفي عنه تهمة كونه يفكر مثل الآخرين إرضاء للذات ورميا لليقين …

سأكتفي بهذا القدر على أساس أنني لم أكن أرغب إلا في اقتراح بعض من البراهين الممكنة. ويبقى على كل واحد أن يقدر مدى قوتها ومحدوديتها. فأن يكون الله موجودا إمكانية لا يمكننا دحضها عقلانيا. وهذا ما يجعل من الإلحاد ما هو عليه: فهو مرة أخرى ليس معرفة بل اعتقادا؛ ليس يقينا بل رهانا. لكنه أيضا ما ينبغي أن يفضي بنا إلى التسامح؛ فالملاحدة والمؤمنون لا يختلفون إلا حول ما يجهلونه. فلماذا وجب عليهم أن يكترثوا بذلك أكثر من اكتراتهم بما هم على دراية به: أقصد تلك التجربة في الحياة والحبّ؛ تجربة الإنسانية القاسية والجديرة بالعناية رغم فقرها؛ تجربة الإنسائية المريرة والجريئة؟ لعل ذلك هو ما أسميه بالوفاء الذي يجب أن يجمع ما بين أولئك الذين قد يؤدي بهم إيمانهم أو لا إيمانهم إلى التفرقة. إذ من البلاهة بمكان أن نتقاتل جراء ما نجهله. ومن الأجدى أن نقاتل جميعا من أجل هذا الذي ندركه ونعرفه: أقصد أن نقاتل من أجل فكرة تعني الإنسان والحضارة؛ أن نقاتل من أجل طريقة ما للتواجد في الكون كما في خضم هذا العدم(لماذا ثمة شيء بدلا من لاشيء؟)؛ أن نقاتل بالأحرى من أجل تجربة معينة في الحبّ والحنان كما من أجل مقتضيات معقولة. كل ذلك هو ما بوسعنا أن نطلق عليه اسم الأنسية التي ليست دينا بل هي أخلاق. إنها وفاء للإنسان كما لإنسانية الإنسان. وهو وفاء لا يحل محل أي إله كما لا ينفي أي إله. لكن بدونه لا يمكن لأي دين ولا لأية نزعة إلحادية أن يضحيا مقبولين على نحو إنساني.

{{الهوامش:}}

الأوبانيشاد: كلمة سنسكريتية تتألف من مقطعين:أوبا بمعنى قريب ونيشاد بمعنى يجلس . والمراد :”يجلس قرب المعلم” والأوبانيشاد هي نصوص جرى تأليفها مابين 800 ق.م و 500 ق.م وهي تحفل بالفكر التأملي والتصوري في ما يتعلق بطبيعة النفس و الواقع. وكان الحكماء الأوبانيشاد يفترضون أنه لا بد من وجود شيء ما عن طريقه وجدت سائر الأشياء الأخرى إلى حد غدت فيه عظيمة. وهذا الشيء ليس إلا الـبرهمان أي ذلك الذي يضفي العظمة. (لمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى كتاب داريوس شايغان بعنوان :ما الثورة الدينية؟ )
البيرونية مذهب ارتيابي منسوب إلى بيرون الإفريقي، يرى أن كل حقيقة احتمالية.
خلع الصفات البشرية على الله وتشبيهه بالإنسان.
علم الإلهيات الذي يبحث في وجود الله وصفاته.

المرجع:André Comte-Sponville Présentations de la philosophie éd.Albin MichelS.A 2000 de la page 93 à 105
وسبونفيل فيلسوف فرنسيّ معاصر، ولد سنة 1952.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق