الإنترنت كأرشيف كوني: نَفْس محمومة بالرغبة ونزعة الموت / رشا الأطرش

تلك الصورة التي قد تبدو فيها ثملاً في حفل خاص، أو بطل مشهد متفلّت من معايير الثقافة السائدة، وحمّلها أحدهم ممازحاً ربما على أحد مواقع التشبيك الاجتماعي… أتطاردك بعد بضع سنوات فتضيّع منك، مثلاً، فرصة عمل لأن ذاك «المدير» قرر وضع اسمك على «غوغل»؟ وإن كنت قد اقترفت جنحة، نلت عقوبتك، وتود البدء من جديد… بل لنحكي عن خبر ملفّق في دورية صفراء…

ماذا يعني تراكم كل تلك «المعلومات» في كتلة فلكية الحجم لأصحابها؟ لمن يقعون عليها، بالصدفة أو بالمبادرة؟

وتلك الصور التي يلتقطها هواة، مراسلون غير متعاقدين، أو مواطنون عاديون، ويحمّلونها على صفحاتهم الخاصة، من مصر إلى إيران أو دبي…. ونصوص المدوّنات، و»تويتر» وغيره من المواقع التي نجحت في أحيان كثيرة في توثيق أخبار، ودعم حريات، والإضاءة على انتهاكات، بل وفي الدعوة إلى تحركات تناهض مسعى الرقابات الرسمية إلى مسح ما يقوّض نارها وحديدها من الوجود كأنه لم يكن… أليست إمكانية الوصول إلى تلك المواد، الآن وبعد حين، بعضاً من نَفَس افتراضي حرّ باقٍ لجماعات ومجتمعات؟

الإنترنت، لا كمساحة تواصل عابرة للحدود والقوميات وحسب، بل كأرشيف ضخم… تلك الفكرة الديموقراطية والتوتاليتارية في آن.

ما ينطبق على أي أرشيف رسمي أو شخصي في العالم بات يسري أيضاً، وبأكثر الطرق التواء وتأثيراً، على الأرشيف الإلكتروني (وإن لم يكن قد تم تجميعه بالضرورة بهدف واعٍ للأرشفة): هو انتقاء «الحقيقة» التي يُقيّض لها أن تعيش، وتلك التي يُحكَم عليها بالإعدام.

«بوليتيكا» الإنترنت

لقد تبحّر المفكر الفرنسي الراحل، جاك دريدا، في الأرشيف، كمعضلة وحالة، لا سيما في نصه الطويل «حمّى الأرشيف: انطباع فرويدي»، حيث ينطلق كعادته من أصول الكلمات التي يفككها ويعيد صياغتها فيما يفكك ويعيد تركيب المفاهيم. يبدأ من الأصل الإغريقي لكلمة «أرشيف« (archive)، وهو «آرخيون« (arkheion)، ويعني بيت أو محل إقامة الحاكم أو القاضي أو «الآرخون« (archon)، أي «المواطن» المتمتع بسلطة سياسية وهو صانع القانون وممثّله. في منازل أولئك «الأراخنة» (وتظهر الكلمة في التراث العربي أيضاً للإشارة إلى المسؤولين المسيحيين خصوصاً في مصر، مقابل «الدهاقنة» للأعيان الزرادشتيين)، كان يؤمر بحفظ الوثائق الرسمية التي تنطق بالقوانين وتفرضها. هم «الأراخنة» المحظيون، باعتراف العموم في «المدينة« (polis) ولتداخل الكلمة اليونانية مع «السياسة« (politica) دلالة هنا.

كانت لتلك البيوتات، إذاً، وما تمثّل، وظيفة مؤسساتية وحافظة، شأنها شأن السلطة. والسلطة تختزن بين وجوهها مظهراً عنفياً بالتعريف. وبالتالي لا بد للأرشيف، لمجرد أنه أرشيف، أن يختزن عنفه الخاص. والحال أن المعنى لا يزال هو نفسه، وإن تبدّلت المادة، من أوراق في أدراج، إلى صفحات وروابط إلكترونية، حتى حين يتسع الإطار ليشمل الخاص مع العام.

ففي «بيت» مَن يُزاوَل العنف الأرشيفي للإنترنت؟ من يمثّل ويفرض القوانين اليوم؟ التشريعات، والراهن الاجتماعي والثقافي؟ أم أن للشبكة العنكبوتية ذاتاً مكتفية مستقلة، وآليات داخلية تشغّلها التفاعلات الطبيعية للمكنون في ملايين الأميال من الألياف البصرية؟

نرى «أراخنة» يتحركون، يتصارعون، ولا يغلب أحدهم الآخر. أرباب الدولة الحديثة، ونظراؤهم في «إستابلشمنت» الإنترنت. ونرنو، في الوقت نفسه، إلى دريدا الذي أعمَل التحليل النفسي في لاوعي الأرشيف، بمعزل عن جسد المحفوظات، ورقياً كان أم رقمياً.

فمنذ أوائل العام الجاري وفرنسا تفكر في الإنترنت: اقتراح قانون تحت مسمّى «الحق في النسيان»، ومنطقه يقول بحق كل مستخدم في التحكم بتوافر المعلومات الشخصية عنه لعموم المستخدمين. ويذهب القانون العتيد إلى إعطاء كل مستخدم خياراً واضحاً، قبل تحميل أي معلومة أو ملف: إما تحديد تاريخ محو كل المعلومات والوثائق الخاصة به عن الإنترنت، أو أن يتم ذلك تلقائياً بعد عام لا يزور خلاله المستخدم صفحة إلكترونية معينة، ما يجعل تلك المعلومات عصية على محركات البحث. كما يقترح القانون العتيد إلزام المؤسسات، والمواقع الإلكترونية وشركات الخلوي، بالتخلص من البريد الإلكتروني والرسائل النصية القصيرة (بل والصور، والفيديو، والمخزّن من أسماء وعناوين ومواد مكتوبة وسمعية بصرية) بعد مدة زمنية يختارها المستخدم نفسه.

هكذا، تناقش فرنسا النسيان كحق عام، كحق للفرد، إنما من دون إحراز أي تقدّم يذكر رغم مرور أشهر من الأخذ والرد. ولذلك دلالة بالطبع، بأمارة كتاب فيكتور ماير شوينبرغر، «ديليت: فضيلة النسيان في العصر الرقمي»، الذي سنعود إليه أدناه.

المطروح هو النسيان بخيار وقرار، من خارج الأرشيف. في حين أن النسيان يبدو قلب الأرشيف النابض: نسيان كل ما هو خارج الأرشيف، كأن ليس هناك ما هو خارجه، وكأنه هو الوجود الكامل.

الموت الأبكم

بالفكرة الأخيرة هذه يزور دريدا الفصل السادس من «قلق في الحضارة« (Civilization and its Discontents) لسيغموند فرويد، مستحضراً «نزعة الموت» (أو العدائية أو التدمير، وهي كلمات يستخدمها فرويد في كتابه كمترادفات). و»النزعة»، على عكس الغريزة في التحليل النفسي، ليست ضرورية لاستمرارية الكائن الحي. بل هي دافع كامن قد يفضي، أحياناً، إلى سلوكيات مضادة لمنحى الغريزة في إذكاء فرص البقاء. لعلّه، بلغة الملاحم، الصراع الأزلي بين الخلود والفناء، بين الخير والشر والرمادي بينهما. المهم إن دريدا يرسم دائرة حمراء كبيرة حول خاصّية أساسية في «نزعة الموت» الفرويدية: إنها بكماء، ولأنها تعمل بصمت فهي لا تخلّف أي أثر، بل تدمّر آثارها مسبقاً. هي بالتعريف قاتلة الأرشيف، أرشيفها أولاً. وبذلك يكون دريدا قد تناول الأرشيف كـ»نَفْس»، تختزن بشراً وأمكنة وتواريخ، وبالتالي فإن «نزعة التدمير» فيها لا تنحو إلى تسييد النسيان وفقدان الذاكرة وحسب، بل إنها تبيد كل ما ليس في ذاكرتها، كأنه لم يقع، كأنه لم يكن مرشحاً ليركّد في ذاكرة سواها.

لقد اعتبر الشاب، خريج هارفرد وصاحب فكرة موقع «فايسبوك»، في مقابلة حديثة، إن «زمن الخصوصية قد ولّى إلى غير رجعة». واستند إلى نجاح المدونات الإلكترونية، ثم الصعود الصاروخي لـ»فايسبوك» (حوالي 350 مليون مستخدم مسجّل حتى الآن وفي وقت قياسي) ليؤكد (!) إن «الناس باتوا أكثر ارتياحاً لمشاركة الآخرين المعلومات عن أنفسهم». وبرّر زوكربرغ التغييرات التي طالت «فايسبوك» مؤخراً، أي تبديل «سياسة الخصوصية» بما يجعل اسم المستخدم، صورته، جندره، مكان إقامته، معارفه، لائحة «أصدقائه»، إضافة إلى عضويته في صفحات أو مواقع إلكترونية أخرى، معلومات متاحة للعموم ولمحركات البحث، شاء صاحبها ذلك أم أبى. قال: «إن لنا في النُّظم دوراً، وهو أن نعيد ابتكارها ونحدّثها لتعكس السائد الاجتماعي الراهن… لقد حاولنا الاحتفاظ بعقلية المبتدئين، ولو كنا نطلق شركتنا اليوم، لفعلنا على أساس سياستنا الجديدة هذه لأنها أكثر انسجاماً مع السائد الاجتماعي الآن. هكذا، سرنا بالتغيير«.

فلنضع جانباً تصريحاً لاحقاً لمدير السياسة العامة لـ»فايسبوك»، باري شنيت، استكمل فيه الكلام عن «سياسة الخصوصية» تلك، بقوله إن «الوقت قد حان لزيادة مشاهدة الصفحات والعائدات الإعلانية للموقع». لنقاوم الميل إلى الربط بين شروط الخصوصية على «فايسبوك» والخطة التجارية الطموحة… ثمة رابط بين النزعة الفرويدية، التي استعادها دريدا، والشاب «تايكون» الإنترنت، بل ومعهما الشبكة الدولية نفسها: الثلاثة خارج نطاق سيطرتنا، إلا إذا توقفنا عن الحياة، أو إذا كنا لم نولد على الإنترنت أصلاً ولا حتى ببريد إلكتروني. أي حين نختار نسياننا بذاته، في العالَمَين.

الأرشيف مُنتِج المؤرشَف

في كتابه «ديليت»، يناقش شوينبرغر حق مستخدمي الإنترنت بوضع «تواريخ صلاحية» على «معلوماتهم» أو الملفات التي قد تؤثر عليهم (كصور من حفلة حضروها). لكن الكاتب نفسه يعترف بصعوبة ذلك، إلا إذا أعدنا اختراع الطريقة التي ننتج بها المعلومات ونتشاركها. إذ لا معنى لتواريخ الصلاحية من دون القدرة، في لحظة معينة، على التخلص من ملف إلكتروني ما، بنسخه كلها، كلها بلا استثناء. وإذا كان هناك من قد يوافق زوكربرغ على أن زمن الخصوصية قد ولّى، فلا شك إن زمن القرصنة باقٍ حتى إشعار آخر، كما تنبئنا أنماط «القص» و»النسخ» و»التوليف» وتنزيل الملفات، رغم الهَبّة لصالح الملكية الفكرية.

يفرض أرشيف الإنترنت سلّة من قوانينه، إذاً، بحكم ماهيته و»أمره» الواقع. وبذلك، لا يبقى للمتمردين سوى حلّ من اثنين: الأول وقائي يتمثّل بالتقنين في ذري المعلومات الخاصة على الشبكة الدولية. والثاني هو اللجوء، بعد وقوع الواقعة، إلى شركات توشك أن تتحول إلى صناعة متكاملة وتقدم لزبائنها خدمة «أَمْثَلة أو تنظيف محركات البحث»، بحيث تعمل على تأخير المعلومات، التي قد يرى الزبون أنها تهدد سمعته، إلى آخر صفحة يقترحها «غوغل» وغيره من المحركات.

لكن، ماذا لو «تأممت» مثل هذه الخدمات، وأمسكت الدولة بزمامها (فيما لو ذهبنا بالسيناريو الفرنسي إلى منتهاه)؟ ألا نكون أمام إنترنت مختلف تماماً عما نعرفه اليوم؟ بمَ نضحي وعلامَ نصرّ: الديموقراطية أم الخصوصية؟ السؤال الأخير نضالي، بالنزعة وليس بالغريزة.

«حمّى»

يتكامل شوينبرغر مع دريدا الذي يضرب مثالاً في صاحب «قلق في الحضارة» دون سواه: إذ يخمّن أن تاريخ التحليل النفسي كان لينقلب رأساً على عقب، فقط لو أن سيغموند فرويد، ومعاصريه وتلاميذه وحتى «الحالات» التي درسها، لم يكتبوا آلاف الرسائل بخط اليد.. لو أنه أتيحت لهم مقدّرات البطاقات الهاتفية، وآلات التسجيل المحمولة، وأجهزة الكومبيوتر والطابعات والفاكسات والتلفزيونات، وفوق ذلك كله البريد الإلكتروني. وبتخمينه ذاك يصل دريدا إلى إن البنية التقنية للأرشفة تساهم في تكوين المضمون المؤرشف. فالأرشفة تنتج الحدث بقدر ما تسجّله، ولعل تجربتنا السياسية المعاصرة مع «الميديا الإخبارية» خير نموذج.

من الطريق هذه توصل الفرنسي الراحل إلى مصطلحه استنتاجه الفرويدي الخاص: «نزعة الأرشيف». ثم طوّره بحدة، مستوعباً التناقضات الأرشيفية الداخلية بين النزعتين التدميرية والحافظة: «حمّى الأرشيف».. كالحمّى الناتجة عن صراع جهاز المناعة مع جرثومة فتاكة. فلا توجد «الرغبة» بالأرشيف لولا طيف نهاية راديكالية يلوح في الأفق، لولا إمكانية النسيان التي لا تنحصر بالكبت. ولا تستعر «حمّى الأرشيف» لولا ذلك التهديد الذي تشكله «نزعة الموت». التهديد اللا نهائي، والذي يفتح على البُعد الإخلاقي السياسي (وها هي فرنسا قد بدأت). فـ»حمّى الأرشيف»، اللانهائية أيضاً، تربو على حدود الشرّ العميق… في طبيعة كل نَفْس.

الإنترنت كأرشيف محموم، يساهم في تكوينه كل من يفتح نافذته على الكوكب الافتراضي؟ نعم. بالرغبة أو بالنزعة أو بالغريزة؟ لا فرق كبيراً في النتيجة. اللا وعي الأرشيفي مقابل وعينا ولا وعينا؟ على الأرجح.

قد يشتهي الجميع النسيان، أو يخشاه أو يكبته، لكننا لسنا جميعاً «أراخنة» العصر الرقمي.

 

عن  جريدة المستقبل 11/7/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق