الإنسانية أساس الوطنية ورافعتها

الوطنية، كما افترضنا من قبل، انتماء واع ونهائي إلى الدولة الوطنية الحديثة، على قاعدة الحقوق المدنية والسياسية المتساوية، وما تعينه هذه الحقوق من واجبات والتزامات؛ لأنها، أي الوطنية، انتماء واع ونهائي، سياسي وأخلاقي، إلى جماعة سياسية حديثة هي الأمة الحديثة التي نسجها التطور التاريخي، لا الأحلام الطوباوية والرغبات الذاتية ولا الهذيان الأيديولوجي، القومي أو الإسلامي أو البروليتاري. وأشرنا إلى أن العلمانية هي جوهر الأمة الحديثة وجوهر الدولة الوطنية | القومية الحديثة. واعتمدنا تعريف كارل ماركس للدولة بأنها “الحياة النوعية للإنسان” في معارضة حياته الخاصة، الشخصية، وأن التعارض الجدلي بين حياة الفرد الخاصة في المجتمع المدني وبين حياته النوعية العامة في الدولة السياسية هو المظهر الواقعي المباشر من مظاهر التعارض الجدلي بين المجتمع المدني والدولة السياسية أو الدولة الوطنية. وخلصنا من ثم إلى أن موضعة العلمانية خارج إطار هذا التعارض يجعل منها أيديولوجية علمانوية بإزاء ايديولوجيات دينية ومذهبية وعقائدية أخرى.

التعارض الجدلي بين حياة الفرد الخاصة، الشخصية، وبين حياته النوعية العامة هو ذاته التعارض بين الفرد الطبيعي المسوق بسائق حاجاته ومصالحه ورغباته وأهوائه ونزواته .. وبين المواطن الذي يتعلق بقيم الخير والحق والجمال. ومن البديهي أن الإنسان، بصفته العامة والكلية والمجردة هو ماهية الفرد الطبيعي وماهية المواطن، ومن ثم فإن الفرد الطبيعي (زيد أو عمرو) هو الإنسان مموضعاً في المجتمع المدني؛ وأن المواطن هو الإنسان ذاته مموضعاً في المجتمع السياسي، أو في الدولة الوطنية.

المواطن مفهوم مجرد، يحيل على كائن سياسي وأخلاقي. والدولة مفهوم مجرد، يحيل أيضاً على كائن سياسي وأخلاقي. ولكن هنالك ما هو أكثر تجريداً من المواطن، وما هو أكثر تجريداً من الدولة الوطنية، لأن معنى المواطن لا يكتمل إلا بإضافته إلى الدولة التي ينتمي إليها، ومفهوم الدولة الوطنية لا يكتمل إلا بتعيينها. هذا المجرد بامتياز هو مفهوم الإنسان، الذي يحيل على الكائن العاقل والأخلاقي، وعلى الجماعة الإنسانية العاقلة والأخلاقية.

الإنسان هو جوهر الفرد الطبيعي وماهيته، وجوهر المواطن وماهيته. ولما كانت المواطنة علاقة / علاقات ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي وأخلاقي بين مواطني الدولة المعنية من جهة، وبين المواطن والدولة السياسية من جهة أخرى، فإن الأساس المكين لهذه العلاقة / العلاقات المتبادلة هو الإنسان. مفهوم الإنسان المجرد لا يتجلى واقعياً إلا في الفرد، ذكراً كان أم أنثى. الأفراد المختلفون في كل شيء متماثلون ومتساوون في الإنسانية، فليس فيهم من هو إنسان أكثر أو أقل من الآخر. والمواطنة والوطنية لا تستقيمان إلا على هذا الأساس الإنساني. فلا يمكن أن تكون مواطنة مع التمييز العنصري أو الديني أو المذهبي أو الإثني أو الطبقي.

ذلكم ما يميز الجماعة السياسية، أعني الأمة الحديثة، من سائر الجماعات الأخرى، الإثنية والدينية والمذهبية .. وما في عدادها من الجماعات الحصرية المغلقة، التي لا تزال عقبة كأداء في طريق تشكل أمم حديثة في البلدان المتأخرة.

ومن ثم فإن الإنسانية هي أساس الوطنية، وهي التي تجعلها منفتحة على آفاق عالمية وإنسانية رحبة، وتحول دو انغلاقها على ذاتها ودون تطرفها. وقد رأينا في مكان آخر أن الوطنية المتطرفة هي ضرب من إمبريالية إما عدوانية وإما معتدى عليها، إمبريالية بالفعل أو إمبريالية بالقوة، إمبريالية بالإيجاب أو إمبريالية بالسلب، ونوع من أنواع الفاشية.

المجتمعات التقليدية المتأخرة، كمجتمعنا، لا تستطيع الخروج من أسوار التقليد ومن وهدة التأخر ومن ظلام العصور الوسطى وظلاميتها، التي لا تزال ماثلة في وعيها وفي ممارستها، ولا تستطيع الخروج من عالم الاستبداد، إلا ببناء وطنيتها على أسس إنسانية، كونية. الإنسان هو الفرد الطبيعي، وهو المواطن. لذلك ارتبطت حقوق المواطن بحقوق الإنسان، ارتباط الجزء بالكل. حرية الفرد هي أساس الحرية، وحقوق المواطن هي أساس الحقوق. المجتمع المدني الحديث هو ميدان الحرية، والدولة الوطنية الحديثة هي ميدان القانون. العلاقة الجدلية بين الحرية والقانون هي ذاتها العلاقة الجدلية بين الحرية الذاتية والحرية الموضوعية، وبين الأخلاق الذاتية والأخلاق الموضوعية. المجتمعات والشعوب المتقدمة لا تنظر إلى القانون إلا بصفته حرية موضوعية وأخلاقاً موضوعية. نحن في أمس الحاجة إلى تأسيس مفهوم الحرية ومفهوم الأخلاق ومفهوم القانون في ثقافتنا وفي وعينا الاجتماعي وفي رؤانا السياسية وفي برامج أحزابنا. ويبدو لنا أن هذا غير ممكن قبل تأسيس مفهوم الإنسان وحقوق الإنسان.

لا ينبغي أن تفاجئنا فكرة أننا “نختار” لأنفسنا عبوديات شتى، ونتوهم أن مجرد اختيارنا للعبودية هو حرية. بعضنا اختار عبادة الفرد، عبادة فرد مثله، وقد يكون أقل منه كفاية فكرية وثقافية وأخلاقية، ومعظمنا، بل كلنا اخترنا عبادة أيديولوجية من الأيديولوجيات أو مذهب من المذاهب، ونذرنا أنفسنا لها أو له، ولم يخطر لنا بعد أن نختار إنسانيتنا، أي حريتنا.

كيف يمكن لأي منا أن يكون فرداً سوياً ومواطناً وإنساناً، إذا لم يؤسس ذاته في الآخر؟. وكيف يمكن أن يؤسس أحدنا ذاته في الآخر المختلف إثنياً ودينيا ومذهبياً وطائفياً وطبقياً وفكرياً وأيديولوجياً وسياسياً وما شئت من ذلك إذا لم يع أن الآخر هو نظيره ومثيله، وأنه، أي الآخر، هو تجلي جوهره وماهيته ومساو له في الإنسانية؟. كيف يمكن أن يؤسس أحدنا ذاته في الآخر إذا لم يع ذاته إنساناً عاقلاً وأخلاقياً حراً ومسؤولاً قبل أي صفات أخرى، وقبل أن يعي أن “الآخر” هو “أنا”، وأنه، أي الآخر، تجلي ماهيته الوطنية وماهيته الإنسانية؟. الديمقراطية، في أهم وجوهها هي حرية الآخر أولاً، وهي ضمان حقوق الأقلية السياسية (المعارضة) وحريتها قبل أن تكون حكم الأغلبية السياسية.

لا يمكن بناء وطنية سورية إلا على أسس وطنية / إنسانية، ولا يمكن بناء ديمقراطية في سورية إلا على الأسس ذاتها؟ الديمقراطية التي ننشد هي ديمقراطية وطنية / إنسانية. في ضوء هذا المطلب تتجلى وتنكشف كلبية من يكفر الآخر أو يخونه، بكل فظاظتها ووقاحتها وعدوانيتها واستبدادها. أنا “آخر” والآخر “أنا” فلنتق الله بأنفسنا وبوطننا.

الإنسانية ليست أساس الوطنية المكين فحسب، بل أساس الحرية، إن لم تكن هي هي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق