“الإنسان المهدور: دراسة نفسية اجتماعية لظاهرة الهدر الشامل

في كتابه الجديد، “الإنسان المهدور – دراسة تحليلية نفسية اجتماعيةيختار حجازي الإنسان العربي ليقدم عينة درسية تطبيقية لمفهوم الإنسان المهدور. ويرى بهذا الصدد أن علم النفس في الوطن العربي مقصر جدا في تناول كثير من قضايا الإنسان العربي المصيرية والوجودية. وذلك لأسباب عديدة منها أننا مازلنا تابعين “لعلم النفس الغربي الذي نشأ وتطوّر لخدمة احتياجات المجتمع الصناعي في الغرب تحديداً”. وهناك سبب مهم آخر يتمثل في “تعاظم نظام المحظورات الذي ما انفكّ يتفاقم في عالمنا العربي” حيث يحرم على الباحثين الخوض في تفاصيل تعتبر ممنوعة على التفكير الحرّ نظرا لما تشكله من خطورة على فضح النظام السياسي العربي.”، يعود د. مصطفى حجازي بعد سنوات على إصدار كتابه القديم والمشهور “التخلف الاجتماعي: مدخل الى سيكولوجية الإنسان المقهور”، يعود الآن ليواصل مشروعه في تفكيك مفهوم جديد هو الانسان المهدور. وبين الإنسان “المقهور” و”المهدور” ليس هناك فقط جناسٌ لفظي بلاغيّ، بل هناك جناسٌ دلاليّ سيكتشفه القارىء لفصول الكتاب التي بلغت تسعة فصول ومقدمة.

إن الهدر يبدأ من هدر الدم إلى هدر الوقت مرورا بهدر الفكر والوعي والإبداع، “وقد يتخذ الهدر شكل عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات أو الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة وحتى الحق بالوعي بالذات والوجود” (ص 28). لذلك يعتبر حجازي أن الهدر أكثر خطورة من القهر. فبينما يعني القهر مثلاً اعترافاً بكيان الآخر، وإن اعترافاً مشروطا بأن يبقى الآخر ضمن خضوعه لي وملكيتي، ولكن الهدر يرتب “سَحباً للاعتراف أصلاً بقيمة الكيان أو الطاقات أو الوعي أو المكانة” (ص 29). ويمكن طرح مثال على ذلك “العولمة” التي تهدر معنى الانتماء للقومية باعتبارها تسلخ الهويات وتلحق الجميع باقتصاد السوق ومفهومه بدلا من اقتصاد المجتمع المحلي والوطن.

وكما في فكرته عن تسلسل آلية القهر من الأعلى إلى الأدنى، كذلك يعتبر حجازي “أن كل إنسان مهدورٍ سيهدر ما عداه من ناس ومؤسسات وموارد”، (ص 39).

وفي حديثه عن العلاقة بين العصبيات والهدر، يلحظ حجازي أن ترسيخ ثقافة الولاء للعصبيات والأشخاص والقادة سوف ينشأ عنه هدر على صعيد التنمية وبناء الغد. ويطرح مفهوم “ثقافة الإنجاز” بديلا عن مفهوم “ثقافة الولاء”. ففي ثقافة الإنجاز يتم التركيز على تحديد الهوية والمكانة ويعتمد الأمر هنا على وضع قيمة الشرف المهنيّ كأساس مركزي بديل لشرف القرابة العائلية أو الحزبية الضيقة. لأن المكانة في ثقافة الإنجاز لا يحددها إلا الجدارة، التي هي “المرجعية في الحكم والتقويم والامتيازات” ص 55، مما يخلق مناخا ملائماً للتنافس بين البشر على أساس موضوعيّ يهدف إلى تأصيل مفهوم الولاء للوطن لبناء مستقبله. ويتم هنا تعزيز الإحساس بقيم النحن بدلا من قيم الأنا المريضة والأنانية.

يقود مفهوم الولاء إلى الحديث عن الطغيان والاستبداد اللذين ينمو في ظلهما ذلك الولاء الشخصي والحزبي والفئوي بحيث تتعطل الإمكانيات الجماعية والفردية الخلاقة وتنصب فقط في خدمة السلطة المهيمنة ورجالاتها. ومع أن السلطة المستبدة تحيط نفسها بمجالس نيابية وتشريعية وهيئات مجتمع محلي لكن هذه الهيئات والمجالس تصبح شكليات لازمة فقط للمظهر الخارجي للسلطة التي تسحب المعنى الحقيقي لهذه الهيئات والمؤسسات وتهدر إمكانياتها وتحولها إلى خدمة خاصة فتأخذ هذه المظاهر التعددية صورة ديمقراطية زائفة لا تساعد على نمو الطاقات البشرية الحقيقية في المجتمع. “إن الطاغية باختصار يفترس المجتمع بما فيه من مؤسسات وهيئات وناس. إنه يلتهم الجميع ولا يقبل أن يترك شيئا خارجه” (ص 79). هنا يتماهى الشعب في مفهوم “السلطان”، وتتم السيطرة على دواخل الناس، التي تصبح مرهونة حتى في أدق خصوصياتها لمشيئة الحاكم فلا فرح ولا حزن ولا عرس ولا نشاط إلا بإذنه وبرعايته أو بقرار من الطاغية الذي يلجأ لشكل التحكم الناعم كما يسميه د. حجازي. كما يعتمد على آليات مختلفة من آليات هذا التحكم مثل التفخيم والتجميل والحضور الكلي… ففي ظل هذه الآليات تنقلب المعاني الحقيقية لكل شيء. حتى الأعياد والأعراس والمناسبات العامة تصبح وقفا على شخص الطاغية وتفرغ من محتواها الجوهري لتغدو هدرا للطاقة وللفرح البشري النقي. في مجتمع كهذا يستبد فرد بالسلطة ولا يسعى إلى إشراك الآخرين بها، حيث لا مكان في ظل هذه السلطة لفكرة تداول السلطةKبل على العكس كما يقول حجازي إذ “لا تطمح مجتمعات الهدر إلى تداول السلطة من أجل التجديد والتجاوز، بل تطمح في العدل وإصلاح الحال الذي يهدف إلى تأزيل سلطة السلطان على الرعية” (ص 106).

وكل هذا يخلق شرطا مساعدا للمزيد من هدر إنسانية الإنسان وكيانه وحقوقه كما يقول الكاتب. ولا يكتمل حديث عن طغيان واستبداد دون حديث عن شكل خطير من أشكال الهدر المتمثل بالاعتقال والتعذيب حيث يصل عدم الاعتراف بالآخر إلى ذروته وأقصى معنى ملموس له. ففي هذه اللحظة “ينتج التعذيب طويل المدى كائنات إنسانية في حالة خراب، إن لم يكن جسديا، فهو بالتأكيد خراب نفسي. ذلك هو الهدر الكارثيّ” (ص 128). هذا الهدر يبدأ من التعذيب الذي هو قمة التحكم القسري بحرية جسد ونشاط الآخر وإرغامه على العيش دون المستوى الأدنى من مستويات الكرامة البشرية الطبيعية، ويأتي حجازي بمعتقلي غوانتانامو مثالا على ذلك. ويتحدث في سياق شبيه بذلك عن تطوير آليات التعذيب المعتمدة على خبراء ومختصين مما يوضح أكثر خطورة ما تفعله الحداثات الصناعية من هدر منظم ومبرمج لكيان الإنسان. ولا سيما أشكال التعذيب التي تنال أعماق السجين من داخله وليس من خارجه، بحيث تنزع عنه أي قيمة ممكنة وترمي به عاريا متروكاً للوحدة الموحشة محتملا كل ألوان العار والمذلة والحيوانية… بحيث لو خرج من معتقله سيخرج كائنا مهدور الكرامة والروح والقيمة…

ومن أهم أشكال الهدر وأخطرها كذلك هدر الفكر. فأي مجتمع يقوم معناه الحقيقي على نشاط أفكار أفراده وطاقاتهم الذهنية. وحرمان الأفراد من هذه الأفكار والمشاريع الذاتية هو حرمان للمجتمع من صحته وكفاءته. “على أن هدر الفكر والوعي والطاقات وما يتضمنه من فقدان مناعته، يجعل المجتمع جثة هامدة وبالتالي عديم القدرة على مقاومة الاستبداد والعصبيات واستفحالهما” (ص 163). ولأن الفكر قائم منطقيا على التفكير من أجل وعي المجتمع والعالم وظواهرهما وبالتالي التأثير فيهما وفي واقعهما، فإن الشلل الفكري سيؤدي إلى عدم وعي الإنسان لذاته ولا لمجتمعه، وبالتالي فلا يمكن لمجتمع يكون أفراده عديمي التفكير أن يكون مسيطرا على موارده وإمكانياته ومشاريعه. إن إبقاء الإنسان في الحيز البيولوجي المحض من حاجاته وحياته سيؤدي إلى تعطيل نسبة كبيرة من خلايا دماغه ولن يعمل دماغه إلا في أدنى مستوى له… وهذا الجزء من الدماغ هو ما يسمى علميا “الهيبوتلاموس”، وهو كتلة في وسط الدماغ لا يزيد وزنها على خمسة غرامات، و”الهيبوتلاموس هي التي تضبط وظائف الأكل والنوم والجنس والانفعال… فكم من حالات من الناس ذوي التفكير المهدور تعطل طاقاتهم الدماغية ويُحجر عليها ويدفعون للعيش على مستوى الهيبوتلاموس؟” (ص 167.

ويتحدث المؤلف الباحث عن حالات من هدر الطاقات العلمية في المجتمع العربي بما يعرف بظاهرة هجرة الأدمغة من وطنها الأم إلى أوطان أخرى تقدر العلم والمعرفة وتعطي المفكر والمخترع حرية حقيقية لينمي أفكاره ويستكمل أبحاثه… وهذا ما يسمى الهدر العلمي البحثي…

وهناك شكل من أشكال هدر الفكر متمثل في تلقين الطلاب في الجامعات للعلوم والمعارف بشكل ببغائي ومكرور دون الأخذ بعين الاعتبار لماهية المعرفة التي غالبا ما تكون مستوردة من الخارج من الألف إلى الياء وتنقل إلى الطلاب بصورة حرفية من غير إعمال روح النقد والشك بها…”على أن الهدر الفكري والمعرفي يشكل حالة عامة في بلاد الهدر وأنظمته. تكفي الإشارة إلى أن العالم العربي يقع دون خط الفقر المعرفي ليس فقط في البحث العلمي والنشر والتوزيع، بل كذلك في الصحافة، ومدى انتشار الحاسوب، واستخدام الإنترنت. وهي راهنا من المؤشرات الأساسية لقيام مجتمع المعرفة” (ص 179). ويرتبط هدر الفكر بهدر طاقات الشباب لأن الشباب العربي محروم كما هو معروف من تنمية مواهبه بصورة فاعلة وحرة وهذا يؤدي إلى حرمانهم من الوعي الحقيقي لضرورة المشاركة بصناعة المصير. فهو شباب مهمش مكبوت عديم الصحة النفسية، “نهب لمختلف ضروب السلوكات التعويضية الضارة أو غير المجدية على الأقل. إنه يترك بدون مشروع صناعة مصير يحقق ذاته من خلاله إنجازاته وبذلك يضع المجتمع ذاته بدوره أمام مأزق جدي يهدد حصانته ومنعته ونماءه” (ص 202). وخاصة أن كل هذا يجري في وقت انفتح فيه الشباب على كل ما يجري في العالم ولم يعد هناك حجاب على شيء ولا ستر مغطى… فطاش الوعي واهتزت المنظومات الثقافية التقليدية الراسخة في أذهان الشباب دون العثور على بديل من داخل مجتمعهم وبيئتهم مما خلق جيلا مهزوزا يتطلع في كل شيء مذهولا مسحورا مخدرا… وهذا يرافقه “تراخي المعايير الاجتماعية المتزايد بسبب الانفتاح الكوني والخليط الثقافي الذي يحمل فرصا للإثراء النفسي والفكري والاجتماعي، وشكل سببا للتسيب في آن معاً. ويرجع قسط لا يستهان به من أسباب هذا التراخي إلى تراجع قيام الأسرة بوظائفها المعتادة في الرعاية والتوجيه…الخ” (ص 206).
في هذه الظروف ستنشأ فئات من الشباب عاطلة عن العمل والفكر والمبادرة ضائعة الملامح مهدورة الكيان والإمكانيات… لا سيما تلك الشريحة التي يسميها الكاتب شريحة “شباب الظل”، ويصفها بأنها الشريحة الفائضة “التي لا تدخل في حساب السلطة ومخططاتها الا في مجال الحذر منها وقمعها” (ص 209).

وفي فصل خاص بـ”الهدر الوجودي في الحياة اليومية”، يتحدث د. حجازي عن الهدر الخاص في حياتنا اليومية ويرى في كثير من أشكال الهدر الخاص تجسيدا للهدر العام. أي أنها ترجمة مباشرة للهدر الذي يصيب المجتمع برمته ويضع في هذا الإطار تفشي الجريمة والمخدرات والدعارة والبطالة والتصدع الأسري والعنف ضد المرأة والأطفال… كحالات واضحة من أشكال تأثير الهدر العام على الحياة اليومية والخاصة للأفراد الذين يعيدون إنتاج فكرة الهدر العام في شؤونهم الخاصة والضيقة، حتى يصل الأمر الى أن تصبح الشكوى مما هو وجودي “إلى أوجاع جسدية تتعدد مواضعها وألوانها، كلما سنحت الفرصة للتعبير، حيث يصبح الجسد حمال الأسية باعتباره مجال التعبير الوحيد الممكن والمقبول اجتماعيا عن المعاناة الوجودية الدائمة” (ص 249).

وفي الفصل الثامن، “الديناميات النفسية للإنسان المهدور ودفاعاته”، يحلل الباحث هذه الديناميات على مستويين يتناول الأول كيف يعيش الإنسان المهدور شرطه الإنساني ذاتيا والثاني يستعرض الآليات الدفاعية بإزاء الحالة التي تعصف بكيان الإنسان. وذلك من خلال شهادات معينة يرسم من خلالها ملامح المناخ العام الذي تعكسه.

وفي فصله التاسع والأخير يختم الباحث تحليله العلمي لموضوع الهدر بفكرة كيفية مجابهة الهدر والتواطؤ ضده من خلال التركيز على كفاءات يتمتع بها الإنسان لكنه بحاجة لعلم نفس إيجابي يحرضها ويحفزها، بالاعتماد على نشر الوعي في المجتمع بمخاطر الهدر من الخاص إلى العام وحث الأفراد على مجابهة الهدر بكل وسائلهم وبكل إمكانياتهم بالاستناد إلى العلم والمعرفة.

——–
الكتاب: الإنسان المهدور – دراسة تحليلية نفسية اجتماعية
المؤلف: د. مصطفى حجازي
عدد الصفحات: 252 قطع كبير
الناشر: المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء
سنة النشر 2006 طبعة ثانية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق