” الإنسان حيوان تراجيدي” حاوره : Christophe Labbé/ Olivia Recasens

 في كتابه “ما هو الكائن الحي” يسلّط عالم دراسة الخلايا والأنسجة العصبيّة (النوروبيولوجيا) آلان بروكيانتز والبروفيسور في الكوليج دو فرانس الضّوء على أسرار النّوع البشري وذلك على ضوء ما جاءت به آخر الاكتشافات العلميّة… 

 




“ما هو الكائن الحيّ”؟ هو عنوان كتابك الأخير ولكنّك تكتب “أنّنا في حالة جهل تجاه هذا الحيّ” ! 

يهدم الكائن الحي نفسه ويعيد بناءها في كلّ لحظة، ففي كلّ عام مثلا نفقد وزننا من الخلايا ثمّ نعيد استعادتها. ومن خلال الهفوات الصّغيرة التي تحدث ينفذ الانحدار التّدريجي. ولكنّنا لا نريد أن نقبل بهذا التغيّر لأنّه يحيل إلى الموت. وفي الحقيقة فالحياة هي الموت معوضة بالجديد. وذلك ما يحدث في دماغنا أيضا : حركة، موت، فولادة من جديد. نحن نتغيّر باستمرار من النّاحية الخلويّة والجزيئيّة. ولئن ضعفت هذه المرونة المورفولوجيّة مع التقدّم في السنّ، فإنّ التغيّرات المورفولوجيّة والفيزيولوجيّة تبقى مستمرّة إلى النّهاية. بل إنّ بعض الوضعيات يمكن أن تؤدّي إلى نوع من تجدّد الشّباب. لنأخذ مثلا خلايا ( اب س) 1، والتي كانت في قلب موضوع آخر نوبل في مجال الطب، فتلك خلايا بالغة معاد برمجتها لتكون لها قدرات الخلايا الجذعيّة الجنينيّة وهكذا تتم إعادة إحياء كل أنسجة الجسم. والكائن الحي غير مكمل إذ هو غير قابل للإكمال. وحتّى حينما يموت فالحيوان الانساني لا ينتهي تماما. 

والانسان في كلّ هذا؟ 

لقد خرج الانسان من الطبيعة صدفة، عن طريق طفرات مفاجئة لم تكن محتملة الحدوث. وكان من الممكن ألا يحدث هذا أبدا مثلما هو الحال بالنّسبة إلى الحياة أيضا. ولكن لا وجود لإمكانيّة العودة إلى الوراء. فالتحوّلات البيولوجيّة التي سمحت للإنسان بتطوير ذكائه قذفت به خارج الطبيعة. فلا يمكن أن نقول بأنّنا حيوانات مثل باقي الحيوانات الأخرى. فالإنسان ’ لا طبيعي’ بطبيعته. ” أكون و- لا أكون – حيوانا” : اتقبل حيوانيتي وفي نفس الوقت ما يميزني كإنسان. وترعبني النزعة الحالية التي تنفي الفرق بين الإنسان والحيوان. ولا يتعلق الأمر هنا بمسألة ’حيونة’ الإنسان – إذ العنف الحيواني مترسّخ فينا – ولكن المقصود هو رؤية في كلّ حيوان إنسان. وإن اختار الانسان حماية الحيوانات فذلك لا يعود إلى “أخويّة حيوانيّة” وإنّما لأنّه كائن عاقل أيضا ويعتقد أنّ التنوّع البيولوجي ضروريّ من أجل بقائه على قيد الحياة. فليس هناك مساواة ديمقراطيّة بين الانسان والحيوان. ولا يوجد قوانين في الطبيعة فنحن الذين نصنع القوانين. وإذا كنت في غابة أو دغل مثلا فلا قرد يضع قانونا من أجل حمايتك. 

لماذا تتمادى في رفض التّقارب بين الانسان والقرد؟ 

 تهيمن الرّغبة في”أن يكون المرء قردا” على أذهان بعض البشر. وإن كان من المؤكّد أنّنا نشترك والقرد في جدّ واحد، فإنّ أكثر من 7 ملايين سنة تفصلنا عن ذلك السّلف المشترك، وكلّ منّا قد تطور من جهته ولحسابه الخاص. وكلنا يتذكّر تلك الصّور التي نرى فيها الشمبانزي يغسل البطاطس قبل أكلها أو وهو يستعمل الأغصان لصيد النمل الابيض. ولكن تبقى تلك مجرّد حوادث مصطنعة. فهناك هوّة سحيقة تفصل بين الانسان والقرد. وعلى كل حال فأنت لم تأت إلى هنا لتحاور شمبانزيا! ولا معنى لها تلك النّسبة المقدرة بــ 1،23 بالمائة من الاختلاف الوراثي بين الانسان والقرد والتي كثيرا ما تردّد على مسامعنا. إذ تملك الحيوانات في معظمها نفس الجينات. وإذا ما اتّبعنا هذا المنطق فيمكننا القول أيضا بأنّنا فئران بمقدار 80 بالمائة أو حتّى أبناء عمومة مع الذّباب وإن كانت بعيدة لأننا اشتركنا معه في سلف واحد قبل 600 مليون سنة. ليس الجينات هي التي تصنع الفرق ولا تنظيم تعبيرها. أوضح لك ما أقول : يوجد نوعان من التسلسلات : تلك التي تحوّل البروتينات إلى رموز وتلك التي تنظم تعبيرها. فنسبة 2 بالمائة فقط من الجينوم هي التي تقوم بالتّرميز، هي التي تصنعنا، وليس الــ 98 بالمائة الباقية هي التي تقوم بالتّنظيم. فليس لكلّ الجينات نفس الأهميّة، فتبدل فجائي لجينة (مورثة) تقود تطوّر قشرة الدّماغ، يمكن أن تفقدك عقلك. 

 تقول إنّ النّجاح التطوّري للنّوع الانساني يعود إلى 900 سنتمتر مكعب زائدة عن اللزوم من المادّة الرّماديّة؟ 

هناك قاعدة تناسبٍ بين مساحة الجسد وحجم الدّماغ لدى الرئيسيات. ونظرا لمورفولوجيتنا، فقد يكفينا دماغ من حوالي 500 سنتمتر مكعب بينما يحتل دماغنا حجما يقدر بـ 1400 سنتمتر مكعب. وإذا كنّا حيوانات من نوع خاص فذلك يعود إلى هذا الفائض. خاصة وأنّ هذه الكتلة الاضافيّة ليست موزّعة في أيّ مكان من الجسم.

في الدّماغ، المساحة المخصّصة للوظائف الخاصّة للنّوع الانساني مبالغ فيها، كمجالات الكلام مثلا. لدى الشّمبانزي تفوق ذكاء الشم أو البصر،أما لدى الانسان فالوظائف المعرفية هي الغالبة. وليس المسألة مسألة تسلسل هرمي من وجهة نظر القدرة على الإدراك والمعرفة. وليس المسألة مسألة تسلسل هرمي بيولوجي ولكن من وجهة نظر القدرة على الادراك والمعرفة إذ نجد في الأعلى الإنسان العاقل. فهذا الدّماغ الضّخم هو الذي يجعل منّا كائنات متجاوزة الحدّ. دماغ حيواني ذو صلابة العصيدة الفاترة، يقول عالم الرّياضيات ألان تورينغ، دامٍ وليس ممتعا للنظر : أقراص دمويّة، أوردة صغيرة تنفجر… ولكن رغم ذلك كله، فهو الذي يأخذ إنسانا، يضعه في عربة فضائية، يرسله إلى سطح القمر ثم يعيده إلى الارض.

 ما الذي يؤدّي إلى ولادة الذكاء؟

 قبل كلّ شيء ما هو الذكاء؟ هي العلاقة التكيفيّة والتطوريّة لكائن حي مع محيطه. ذلك هو تعريف علم البيولوجيا وهو يعني أنّ البكتريات أو النباتات هي ذكيّة أيضا. ليس الفكر حكرا على العضويات المتوفرة على جهاز عصبي وإن كان امتلاك هذا الجهاز يضاعف من غنى التبادلات إلى حدّ كبير. فالفكر إذن ليس مودعا في الدّماغ كالمربى في الإناء. لقد اخترع هذا الكائن العاقل تفاعلات لا حصر لها مع بيئته المحيطة والتي زادت من قدرته التكيفيّة المرتبطة بقوّته العاقلة الخارقة للعادة. في المنافسة بين الأنواع، نحن الرّابحون لحدّ الآن بفضل ذلك الكائن العاقل السّابق ذكره، ولكن هذا لا يعني أنّ الانسانيّة لا تنتهي مسحوقة من قبل البكتريات أو عضويات أخرى بل وحتّى من طرف نفسها. 

 تقول إنّ التطوّر لدى الانسان يرتكز أكثر على الفرد ممّا يرتكز على النّوع ذاته… بالنسبة إلى نوع كنوعنا قليل التّكاثر، تقع مهمّة الطفرات الفجائيّة على عاتق الفرد. لا أقول إنّ تطوّر النوع ذاته قد توقف وإنّما أقول إنّ الفرد هو أيضا يتطوّر ويتكيف. إنها التفردية. فخلال التطور انتخِبت ميكانيزمات تطور فردية تسمح للإنسان بالتكيف مع محيطه – وتغييره – من أجل المحافظة على بقائه. النّوع الانساني هو وحده الذي يحتل 75 بالمائة من الأرض. لقد ابدع هذا ’السابينس’ الظروف التي طورت ذكاءه من خلال اللغة والثقافة والأدوات التي يطوّرها. وكل هذا يثير ويشحذ دماغه. وكثيرا ما نسمع عبارة : “يفرز الدّماغ الفكر كما يفرز الكبد المادة الصفراء ولكن الفكر أيضا يفرز الدّماغ في حدود ضغوط النّوع والفرد الوراثيّة. التفرديّة سيرورة اغتناء دائمة، إذ على الفرد أن يتغير ليضمن البقاء على قيد الحياة. 

إذن نحن لسنا نوعا “منتهيا”؟ 

  يبدي نوعنا مرونة مدهشة ولكن هذه المرونة ليست لانهائيّة على كل حال. فقدرتنا على إعادة تجديد أنفسنا أضعف من قدرة كثير من الأنواع الأخرى. لو تركت لطبيعتها، ستمسح مرونة الكائن الحي تاريخنا بقدر ما يترسّخ في بنيتنا العقليّة. ولا يستطيع أن يروي هذا التّاريخ سوى الانسان حتّى وإن أدخل في خطابه جانبا من الميثولوجيا. لذلك ففي عالم الأحياء وحده السّابينس يملك ’الوعي بالذات’. هو الوحيد القادر على النّظر إلى نفسه كفرد وملاحظة الأنواع الأخرى وجعلها مادّة للدّراسة. فالبشر هم الذين يكتبون عن الشمبانزي وليس العكس! الإنسان وحيد في الطبيعة. 


 لماذا تقول بأنّ الإنسان “حيوان تراجيدي”؟ 

لأنّه وعلى عكس الحيوانات الأخرى هو الوحيد الذي يستطيع أن يفكّر في المستقبل، وهكذا فهو واع بمحدوديته، بنهايته المحتومة. ولا يتطلب الأمر تجربة كبيرة لنفهم أنّنا فانون وكذلك نوعنا، وحتى المنظومة الشمسيّة ستنفجر بعد 3 ملايير سنة. وكي نواجه مصير كهذا، يمكن أن نتّجه نحو الدّين ولكنّه خيار ليس في متناول الجميع. وإذن ففي لحظة ما لا يبقى لك سوى “التراجيدي”. حينما تكون في قطار متّجه بك نحو الإبادة، فالتّراجيدي هو الذي يحافظ لك على كرامتك وإنسانيتك، فأنت ليس خروفا يقاد إلى المسلخ. وهذا الشّعور التراجيدي الذي يصنع الفنانين والعلماء وكذلك المنتحرين… هو ملازم للوضع الانساني وهو الذي يشكل تفرده وعظمته. الانسان ليس مرحلة وإنّما هو طريق مسدود. وعلى كلّ حال ستكون النّهاية سيئة. 

 

المصدر:

*. Le Point 01/11/2012 / Alain Prochiantz




 الهوامش:

  1.  IPS : induced pluripotent stem cells

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق