الإنسان خالقاً ذاته

في مذكّراته “من نجمة إلى نجمة” يسجّل المخرج الفرنسيّ الشهير روجيه فاديم إحدى الحوادث التي تحضر فيها كاترين دونوف، ويستطرد بالإشارة إلى الأخيرة: “ولم تكن قد أصبحت شقراء بعد”!. هذه الغمزة من قناة كاترين دونوف ربّما تصيب القارئ، في زمن صدور المذكّرات، بدهشة أو خيبة ما، إذ يصعب بالنسبة إلى الكثيرين ممّن عاصروا نجوميّة كاترين دونوف أن يتخيّلوها غير شقراء. ومع أنّنا نسترجع زمناً ليس بالبعيد جدّاً إلا أنّ عمليّات التجميل لم تكن شائعة كما في أيّامنا هذه، وبالطبع لم يكن علم الجينات قد حقّق النقلات النوعيّة التي بدأت نتائجها بالظهور مع مطلع الألفيّة الثالثة. في الواقع إنّ التطوّرات التي حدثت على هذا الصعيد تغري بالقول إنّنا على مفترق بين عصرين؛ الأوّل هو عصر تجميل الجسد، والثاني هو عصر تصنيع الجسد.

أسنصبح يوماً أسلافاً بهيئات غريبة لأجيال جديدة من البشر؟ قد يبدو هذا السؤال الآن ضرباً من الخيال، لكن مع التطوّر العلميّ المطّرد ربّما يتحوّل إلى تساؤل ساذج. مع ذلك، ولكي لا نستبق الزمن، يجدر بنا التوقّف عند التحوّلات المؤكَّدة في مجال التحكّم في الجسد والسيطرة عليه.

مهما كانت التأويلات أو الأسباب فإنّ قضيّة التجميل أصبحت جزءاً من الحضارة الإنسانيّة؛ بوسعنا ردّ الحليّ أو الأصباغ في بدايتهما إلى تعاويذ وثنيّة، وبوسعنا فهم المواقف السلبيّة لبعض الديانات من التبرّج على أنّها استمرار لصراعها القديم مع ديانات سابقة، لكنّ الخلاصة هي أنّ الاهتمام بالجسد الإنسانيّ وبإبراز جماليّاته أخذ حيّزاً متصاعداً مع توسّع المراكز الحضريّة، وانفصل هذا الاهتمام عن الطقوس الدينيّة ليستقرّ كطقس اجتماعيّ مرتبط بأعراف وتقاليد بعضها يرجع إلى جذور لم تعد بارزة للعيان، وبعضها الآخر يرجع إلى حاجات وعادات مستحدثة. لم يعد الإنسان جزءاً من الطبيعة، وصار أكثر استقلالاً بجسده، في الوقت الذي بدأت فيه بوادر سيطرته على الأولى بواسطة الثاني. إنّ انفراد الإنسان عن الكائنات الأخرى بمفهومي السكن والاجتماع يؤسّس للانفصال على مستويين؛ فهو من جهة يؤكّد بدء سيادته على الظواهر الطبيعيّة، ومن جهة أخرى يخلق لجسده ذاتاً وبهذا يكتسب الجسد رمزيّة تعلو على بدائيّته.

الفكرة الأساسيّة فيما سبق، والتي تبدو ساذجة للوهلة الأولى، هي أنْ لا وجود للذات بمعزل عن جسدها، حتّى إنْ حاولت التعالي عليه، مع أنّ التاريخ الواعي للبشريّة في جزء كبير منه هو تاريخ هيمنة الذات على الجسد. بل إنّ تعريف الذات، خصوصاً من جهة الرجل، ارتبط إلى حدّ كبير باستثمار القوّة العضليّة والعداء للمتطلّبات الغريزيّة وفي مقدّمتها الجنس، بمعنى آخر؛ تقنين الجنس لحساب استغلال الجسد كقوّة سيطرة، ثمّ تحويل الجنس إلى قوّة سيطرة أخرى. لقد أثمر وعي الإنسان بجسده مقدرةً على التحكّم بالمعطى الفيزيولوجيّ، وبقدر ما ارتكزت الذات على ذلك المعطى فإنّها بدأت السعي إلى التغيير فيه، أي أنّها دشّنت فعليّاً عصراً تتشكّل فيه صورة عن الجسد. ومع أنّ صورة الجسد التبست بدايةً بالمنفعة المباشرة إلا أنّه من المتوقّع، شأن أيّة صورة، أن تدفع باتّجاه اغتراب الذات عن الجسد ما دامت الأخيرة محكومة باعتبارين غير متطابقين؛ الوجود الموضوعيّ للجسد ومحدوديّة مقدراته من جهة، ومن جهة أخرى الصورة “الأمثل” للجسد التي لا تكون في متناول الجميع.

تعني صورة الجسد في جانب مهمّ منها تراتبيّة مفروضة على الذات، وسواء تجلّت هذه الصورة بالأقوى أو بالأجمل فهي تعزّز الفجوة بين الجسد الخاصّ والجسد الاجتماعيّ، وبالتالي تستدعي المكابدة من أجل تمثّلها. أصبح الحصول على جسد مقبول اجتماعيّاً واحداً من متطلّبات إثبات الذات، خاصّة من جانب المرأة التي أُعفيت تاريخيّاً من مثال الأقوى، وبوسعنا رصد منعطف جوهريّ مع دخول الجراحة التجميليّة ميدان الاستثمار التجاريّ بعد أن كانت وقفاً على معالجة “الانحرافات” الجسديّة الحادّة، أو معالجة التشوّهات الناجمة عن الحوادث، بل إنّ أنواع العلاج السابقة لم تعد في صلب اهتمامات الجراحة التجميليّة بقدر ما أصبحت هذه الجراحة أكثر تكميليّة والتحاقاً بالنموذج الجماليّ السائد والمتغيّر. على هذا تعاظمت إمكانيّة تطويع الجسد ليقترب من المثال، وقد يبدو أنّ الذات بدأت تجد حلاً للاغتراب الذي يتسبّب به الجسد، لكنّ هذا التطوّر أيضاً يطرح كما سنرى أسئلة من نوع جديد.

{{ ذات بأنفين!}}

كيف تتدبّر الذات أمرها مع التغييرات التي تطرأ على الشكل؟ على سبيل المثال؛ كيف ترى كاترين دونوف ذاتها؟ وعلى أيّة هيئة تتذكّر طفولتها أو صباها المبكّر حين لم تكن شقراء بعد؟ لنأخذ مثلاً أصبح شائعاً هذه الأيّام، وهو عمليّات تجميل الأنف؛ فأيّ زبون يقصد عيادة تجميل يستطيع من خلال برامج الكومبيوتر أن يستعرض خيارات عديدة لأنفه المستقبليّ، وأن يختار ما يراه مناسباً لوجهه، وإن كان الاعتبار الأوّل هو ما يراه أجمل من وجهة النظر السائدة. أغلب الظنّ أنّ الزبون سيشعر بالراحة بعد تصحيح ما اعتقد أنّه خلل في جسده، وستساعده نظرات الرضا أو عبارات الإطراء من الآخرين على الاعتقاد بأنّه فعل الصواب، أي أنّ ذاته ستركن إلى أنّها أصبحت أكثر قبولاً. لكنّ الجزم بالنتيجة السابقة يعوقه أنّ الذات تكوّنت بأنف آخر، وأنّ هذا الأنف الذي لم يعد له وجود فيزيولوجيّ أو اجتماعيّ قد لا يبقى بلا أثر شخصيّ، وكأنّنا أصبحنا أمام ذات بأنفين، لكنّ المحكّ النهائيّ هنا يتّضح بالإجابة على التساؤل: عندما تنظر هذه الذات إلى نفسها بعمق، وبعيداً عن أعين الآخرين، بأيّ أنف ترى نفسها؟

مهما تكن الإجابة على التساؤل السابق فمن المستبعد الحصول على إجابة قاطعة، باستثناء تشكّل ذات مفارقة للذات الماضية، وسواء كانت الذات الجديدة أكثر “اتزاناً” أو ليست كذلك فلم يعد بالإمكان النكوص عنها، لأنّ العضو الذي خضع للجراحة أدّى وظيفة مزدوجة ولا سبيل إلى إعادته إلى ما كان عليه. نحن لا نملك إحصائيّات أو قاعدة بيانيّة واسعة عن أولئك الذين خضعوا لجراحات تجميليّة، وعن الانزياحات النفسيّة التي تعرّضوا لها جرّاء ذلك، وإذا كانت المشاكل النفسيّة القائمة على عدم التصالح مع الجسد، أو على الإحساس بوجود عوز شديد فيه، قد دُرست جيّداً فإنّ الإشكال المركّب الناجم عن الحلّ الإجرائيّ لم يُدرَس بعد بحيث يُستخلص منه سياق تحليليّ عامّ، أو يصبح قابلاً للنمذجة.

لم تصل صناعة الجسد إلى ذروتها بعد، مع أنّ التوقّعات تشير إلى دخولها حيّز الاستهلاك المعمّم قريباً مع توافرها كـ”سلعة” اقتصاديّة، ويكفي أن نتجوّل بين المحطّات التلفزيونيّة التي لا حصر لها لنشاهد إعلانات عن أجهزة أو مستحضرات لتكبير الثديين أو القضيب أو الشفاه، يتضافر ذلك مع إتاحة الجراحة التجميليّة بأسعار ملائمة لشريحة من المستهلكين تتوسّع باطّراد. لكنّ الأهمّ ممّا سبق هي التطبيقات المرتقبة لعلم الجينات، وقد لا ننتظر طويلاً كي تغادر هذه التطبيقات مجالها العلاجيّ إلى مجال ما يُعتقد أنّه “تحسين للنسل”، وحينها قد لا تبقى بمنأى عن المعايير الجماليّة السائدة. ومع أنّ الجدل الأخلاقيّ لم يتوقّف حول التطوّرات المرتقبة إلا أنّ التجارب الماضية أثبتت ضعف الممانعة الأخلاقيّة، بل ظرفيّتها وتبدّلاتها، أمام المنافع الاقتصاديّة المتوخّاة.

لقد عاشت البشريّة عصوراً طويلة على أنّ الجسد، وتالياً الذات، معطيان طبيعيّان أو حتى إلهيّان، وجُلّ ما كان يمكن تصوّره هو زحزحة ما هو معطى وتحسين شروطه. أمّا الآن فإنّ المستقبل يعد بأن يصبح الإنسان خالقاً جسده وذاته إذ لن يبقى محكوماً بحتميّة الوراثة، مع الأخذ بالحسبان أنّ التدخّلات الجينيّة الاستباقيّة ستؤثّر على الأجيال اللاحقة وفق منظور الأجيال السابقة عليها. طبعاً ليس بوسعنا التكهّن بالكيفيّة التي سينظر بها إلى ذاته الإنسانُ “المحسَّن جينيّاً”، ولا التكهّن بالكيفيّة التي سينظر بها إلى آبائه الذين تولّوا، ولو جزئيّاً، مهمّة الخلق. بوسعنا القول إنّنا الآن نصنع إنسان المستقبل بمعنى أقلّ مجازيّة، لكنّنا لا نملك المقدرة نفسها إزاء الأسئلة التي ستأتي بها الذات الجديدة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق