الإنسان ظاهرة ثقافية



     

 الإنسان ابن للتاريخ ومحكوم بقوانينه من جهة، وهو أيضاً فاعل ومؤثر في الصيرورة التاريخية حتى أننا لا نكاد نكون قادرين على الجزم  إن كان للتاريخ وجود مستقل عنا، أو إن كان لنا أن نستحوذ على أيّ معنى خارج هذه الصيرورة وبمعزل عنها. ذلكم هو الإنسان: إنّه كائن يتشكّل في التاريخ ويشكّل التاريخ في الوقت نفسه.


     ولو أننا أردنا أن نهبط بهذه الأفكار نحو مزيد من التحديد والتعيين، لتصبح أقرب منالاً وأيسر فهماً، لقلنا: الإنسان في حقيقته ظاهرة ثقافية لأنه أنشأ نفسه بنفسه عبر صراعه مع الطبيعة التي هو ابن لها أصلاً. والنتيجة التي ترتّبت على هذا الصراع انفصال الإنسان عن الطبيعة واستحواذه على الوعي الذاتيّ بذاته. وهذا الوعي الذاتيّ، الذي أحرزه الإنسان لنفسه في مقابل الطبيعة، شاهد على أنّ الإنسان لم يعد كائناً طبيعياً، رغم  أنّه في الأصل قد كان كذلك. هذا التحوّل الذي أصبح الإنسان بموجبه ذاتاً في مقابل الطبيعة يؤكّد أنّ الإنسان قد تحوّل من كائن طبيعيّ محض إلى كائن ثقافيّ أو حضاريّ، أي أنّ الطبيعة قد أصبحت عنصراً ثانوياً فيه، رغم أنّ البعد الطبيعيّ مازال ماثلاً فيه. غير أنّ استحواذه على الوعي الذاتيّ بذاته قد جعله قادراً على التعالي عليها، أي قادراً على أن يصوغ نفسه ويشكّلها وفقاً لمعايير من وضع ذاته ومن اختراع عقله وحريته. وليست الثقافة إلا وضع الذات لذاتها، أو ابتداع العقل للمعايير التي يتعيّن على ما تبقّى في الإنسان من طبيعة أن يتشكّل وفقاً لها أو الحرية التي هي الانفتاح الشامل للإرادة، أو المقدرة غير المحدودة على صياغة الطبيعة من جديد من جهة، وعلى صياغة المعايير، المرادفة للثقافة ذاتها، صياغة لا تكفّ عن التجدّد والتطوّر، من جهة أخرى، فتكون الثقافة بذلك قائمة في قلب الصيرورة التاريخية التي لم يعد من السهل الفصل فيها بين الثقافيّ والطبيعيّ، وإن كان الثقافيّ هو الأكثر فاعلية في إعادة  إنتاج الطبيعيّ، وفي إعادة إنتاج الثقافيّ ذاته.

      والنتيجة المترتّبة على ذلك هي أنّ حياة الإنسان -فرداً أو جماعة- قد تحوّلت إلى ما يشبه أن تكون مجموعة من الظواهر الثقافية، أو سلسلة من التصوّرات والمفاهيم الأنثروبولوجية التي تعيّن ماهية الإنسان – المؤقتة طبعاً- وتحدّد جوهره الذي هو غير جوهريّ بكلّ تأكيد.

      وهكذا أصبح الإنسان لا يعيّن وجوده داخل الطبيعة فقط، بل هو قد أضحى يعيّنها داخل المنظومات الثقافية التي أوجدها بنفسه، وأنتجها من أجل ذاته. فأصبح بذلك قادراً لا على التعرّف على ذاته في الطبيعة وحدها، بعد أن أوشكت أن تكون من صنعه ومن وضعه، وإنما هو قد أصبح قادراً أيضاً على التعرف على ذاته في جملة المنظومات الثقافية التي خلقها وطوّرها عبر تفاعله مع الطبيعة ومع البشر أفراداً وجماعات. وداخل هذه المنظومات الثقافية، التي صنعها بنفسه، صار يكمن الجزء الأكبر من وجوده، ومن كلّ ما يمكن أن يوصف في الإنسان بأنّه ماهويّ وجوهريّ بالمعنى التاريخيّ لهذين المصطلحين.

    وهكذا استولد الإنسان، أو هو قد أبدع، الفنّ والدين والعلم والعمل والحقيقة والأسطورة والتاريخ وما إلى ذلك من مفاهيم تتقاسمها المجتمعات البشرية فيما بينها. فلا مجتمع بلا فنّ أو دين أو علم أو حقيقة أو أسطورة ….إلخ. وبديهيّ أنّ دلالات هذه المفاهيم دلالات تاريخية متحوّلة متبدّلة بتحوّل الحقب التاريخية وتبدّلها. وهي أيضاً مختلفة ومتنوعة في دلالاتها من مجتمع لآخر. إذ أننا لا نجد مجتمعين بشريين متعاقبين في التاريخ أو متعاصرين في الزمن يدلّ العلم أو الدين عندهما على معنى واحد. وكذا الأمر بالنسبة لغيرهما من المفاهيم والتصورات التي أشرنا إليها.

      غير أنّ ثمّة بعداً آخر في المنظومات الثقافية قد صاغه الإنسان ليكون أكثر اقتراناً، من حيث دلالته ومفهومه بمجتمع معيّن دون سائر المجتمعات. فمفهوم كمفهوم الهوية مثلاً، رغم عموميته، قد أصبح بمثابة الخلاصة الثقافية أو الماهية المكثّفة- التاريخية بالطبع- لمجتمع أو أمّة في حقبة ما من حقب التاريخ. وبوسعنا أن نضيف إلى مفهوم الهوية مفاهيم مماثلة كالأصالة والماهية وكلّ ما من شأنه أن يقترن بما يسمى (نظرية المقوّمات) في نهاية المطاف وفي التحليل الأخير.   
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق