الإنسان مرتبة وسطى بين الحيوانات والروبوتات

اعتـُبر الكائن البشري، تقليدياً، شاغلاً لحيز وجودي يقع بين الحيوانات والآلهة. فأجسامنا تظهر بوضوح قرابتنا من الحيوانات، بينما تمتلك عقولنا على ما يبدو طاقات أخلاقية وفكرية ليست في متناول الأشياء الجسمانية. هذا ما جعل البعض يعتبرنا إما حيوانات (نحن من الثدييات) أو آلهة (نحن أرواح غير مادية خالدة). لكن التكنولوجيا اليوم حلّت محلّ المقدس، واستبدل الناس الآليون (الروبوتات robots) المبرمجون رقمياً بالآلهة، باعتبارها حدّاً من الحدود التي يمكن لنا نحن البشر أن نمثل الوسط بينها. يبدو اليوم من المعقول افتراض أننا آلات مادية من نوعية رفيعة، تطورت من أسلاف مشتركين مع الحيوانات (والنباتات) الأخرى ويمكن في النهاية أن نُدمَج مع اختراعاتنا الرقمية لكي نصبح بشراً بأجهزة كهربائية أو “عابرين للبشر”.

الاختلاف الكبير بين علاقة البشر بالآلهة وعلاقتهم بالروبوتات، هو أن الآلهة قد اعتبرت مقياساً للمقارنة (نحن خُلقنا في خيال الإله)، بينما مع الروبوتات يكون الإنسان هو المقياس. نحن نطمح لنبتكر روبوتات ذات صفات مشابهة للبشر، بالرغم من أن مقدراتها يمكن أن تتفوق علينا في بعض الجوانب (مثال: الكمبيوترات تقوم بالحسابات الرياضية بشكل أسرع وأدق من صانعيها). هذا يجعل علاقتنا بالروبوتات أكثر شبهاً بعلاقتنا بالحيوانات منها بالآلهة، لأن لدى البشر ميلاً للنظر إلى الحيوانات من خلال عدسة بشرية كذلك، يعني ما دون البشر أو بشراً أدنى (مثال: ما هي المشكلة في أنها لا تستطيع الحساب مطلقاً؟). بالطبع هذا تشويه من كلتا الوجهتين الأنثروبومترية anthropomorphic (التجسيمية) والأنثروبوسينترية anthropocentric (التبشيرية بمركزية الإنسان)، لأن الأسود والنمور والدببة ليست أقل بأي شيء، لكنها فقط نماذج مكتملة من أنفسها، تطورت لتعمل بشكل مثالي في مجالاتها البيئية الخاصة.

تبعاً لذلك، بدأنا نرى أن المحاولات المختلفة لفهم مرتبة البشر بالنسبة إلى غير البشر يمكن أن يكون لها مضامين أخلاقية عميقة. بقدر ما نقصي أنفسنا عن الكينونات البيولوجية والآلية ـ الكهربائية الأخرى، فإننا نميل إلى استثنائها من دائرة الأخلاق. في الواقع هناك دائرتان أخلاقيتان، ولهذه الحقيقة تشعبات مختلفة بالنسبة للحيوانات والروبوتات، لأنها بشكل مثير للجدل سوف تنسب إلى مجتمعين مختلفين.

إحدى الدائرتين الأخلاقيتين هي دائرة القوة أو الاقتدار الأخلاقي، أي مجموعة الكائنات التي تتحمل درجة ما من المسؤولية الأخلاقية عن سلوكها (جزئياً). الحيوانات غير البشر، خاصة في البرية، نادراً ما تعتبر مقتدرة أخلاقياً. فالصقر لا يفعل أي شيء خاطئ عندما يمزق رأس سنجاب حيّ قبل التهامه. ولكن من المعقول تماماً أن تعتبر الحيوانات محتاجة أخلاقياً، أي كائنات تستحق الاعتبار أو الاهتمام الأخلاقي من المقتدرين أخلاقياً، مثلنا نحن البشر. لقد قام بيتر سينغر Peter Singer بشكل ممتاز بإعادة تقديم نظرية و.ي. هـ. لاكي W. E. H. Lecky حول الدائرة المتمددة للأخلاق، معتبراً أنها يجب أن تشمل الحيوانات. وبالتالي، ستكون تلك دائرة للاحتياج الأخلاقي. من الواضح أن الروبوتات لا تنتمي لهذه الدائرة لأنها ليست حساسة. إذا كانت لا تشعر فيجب ألا نقلق إذا ما أذيناها. من غير المؤكد ما إذا كانت يوماً ما ستصبح حساسة، فهذا محل نقاش. ولكن ما هو غير قابل للنقاش هو أنها قادرة على نوع ما من الاقتدار، ولذلك يمكنها منطقياً أن تطالب بمكان في الدائرة المتمددة من الاقتدار الأخلاقي ـ وهي النقطة التي أكد عليها وندل والا Wendell Wallach وكولن ألين Colin Allen في كتابهما الجديد “الآلات الأخلاقية Moral Machines ” (أكسفورد 2009).

يجب أن نبقي هاتين الدائرتين الأخلاقيتين منفصلتين في تفكيرنا. إذا فشلنا في ذلك فمن الممكن أن يؤدي هذا في الواقع إلى انكماش كلتيهما، مع نتائج غير مرغوبة. يعتبر البعض أن دائرة الاقتدار الأخلاقي سوف تتقلص (أو على الأقل لن تتمدد)، إذا تطلب الاقتدار الأخلاقي احتياجاً أخلاقياً؛ وكما أكد هيوم Hume، على سبيل المثال، إذا كان التعاطف أساسياً لسرعة الاستجابة الأخلاقية، فسوف يصنع هذا إحساساً. لا تستطيع الروبوتات أن تشعر بالتعاطف بدون القدرة على الإحساس، وحسب هيوم، لن يكون هناك دوافع حقيقية للتصرف بشكل أخلاقي. لكن ذلك الاحتياج سوف يكون غير مرغوب إذا أردنا أن نؤكد على الكبح الذاتي الكافي بالأتمتة التلقائية، بغضّ النظر عن طاقاتها الفعالة، لأنّ كبحها مسؤول عن سلوكها، وربّما يمكن أن يكون التعريف أو التحديد المستقبلي للاقتدار الأخلاقي واحداً من أكثر الوسائل فعالية لذاك العمل. في غضون ذلك سوف تتقلص أيضاً دائرة الاحتياج إذا صحت مقولة منظّري التقلص ( اسم جدير بهم) مثل هوبز Hobbes، أن المحتاجين أخلاقياً ينبغي أن يكونوا مقتدرين أخلاقياً. يزعم هؤلاء المفكرون أن الأخلاق توجد فقط بين متساوين من حيث الفائدة المتبادلة، مما يعطيهم حقوقاً وواجبات متساوية فيما بينهم. وإذا كانت الحيوانات غير البشرية لا تستطيع أداء الواجبات لأنها كائنات غير عاقلة، فلا ينبغي أن تُمنح أية حقوق وبالتالي لا تكون أيضاً محتاجة أخلاقياً.

يصدمني التفكير التعاقدي بمغالطته لأنني أرى الحقوق تنبعث من خصائص أصيلة محددة لدى كائن ما، مثل الحساسية، منسوبة إلى خصائص أصيلة محددة لدى كائن آخر، مثل المنطق أو العقلانية. وبالتالي، أنا أعتقد أن الحيوانات غير البشرية هي محتاجة أخلاقياً بالرغم من أنها لا يمكن أن تمتلك نوعاً أو درجة ضرورية من الحساسية بحيث تصبح مقتدرة أخلاقياً. في نفس الوقت، هل تستطيع الروبوتات أن تصبح حساسة بما يكفي لاعتبارنا محتاجين أخلاقياً؟. فكر والا وألين في احتمالية ما يمكن أن نسميه حركة “الحقوق الذكية” المشابهة لحركة حقوق الحيوان. لكنهما لم يركزا على تلك النقطة، لأنهما رأياها مشكلة بعيدة في المستقبل. إحدى نقاط القوة في كتابهما هو مقاربتهما المقلوبة للتوقعات التكنولوجية، فقد كانا أشد تركيزاً على ما هو محتمل أكثر من تركيزهما على ما يمكن تخيله فقط. وبالتالي، يمكن أن يبدو معقولاً وضع أو ترتيب الكائنات البشرية عند نقطة تقاطع الحيوانات غير البشرية، التي هي بالتأكيد محتاجة أخلاقياً ولكن من المحتمل أنها ليست مقتدرة أخلاقياً، والروبوتات غير الحيوانية، التي يمكن بشكل معقول أن تصبح مقتدرة أخلاقياً ولكن ربما ليست محتاجة أخلاقياً. البشر فقط بشكل واضح هم الاثنان معاً.

لكن بدلاً من المغالاة في التأكيد على التحقيق في جوهر الطبيعة البشرية، ربما نجد أنفسنا في النهاية أكثر اضطراراً للسؤال بدقة عما يجعل شيئاً ما محتاجاً أو مقتدراً أخلاقياً. يجب أن يبقى في ذهننا أنه ليس للمركز أهمية خاصة في هاتين الدائرتين الأخلاقيتين. تعكس الدائرتان الأوضاع فحسب، لذلك فالسؤال هو: ما الذي يحقق العضوية في إحداهما أو في الأخرى؟ بكلمات أخرى، يمكن أن يقود التفكير حول الاحتياج والاقتدار الأخلاقيين على ضوء الروبوتات والحيوانات غير البشرية، إلى ثورة كوبرنيكية في علم الأخلاق، حيث يفقد البشر امتياز كونهم في المركز. الدائرتان تتمددان، لكن ليس بالضرورة منا إلى الخارج.

وهكذا، على سبيل المثال، كيف يمكننا أن نميز ما إذا كانت الروبوتات مقتدرة أخلاقياً؟ أعلن آيزك أسيموڤ Isaac Asimov بشكل مبسّط “قوانين” تمنع أذية الروبوتات عن البشر، لكن هل القوانين الروبوتية للسلوك هي قوانين أخلاقية؟ إذا كانت معدة وفق المخطط، فآنذاك من وجهة نظر الروبوت سوف تكون أكثر شبهاً بقوانين الطبيعة، التي لا يستطيع أحد أن يعززها بل يطيعها. هل سيسقط ذلك أهليتها الأخلاقية، ومن ثم ينحي الروبوتات كمقتدرة أخلاقياً؟ إذا كنت ترى حرية الاختيار شيئاً أساسياً للأخلاق، فالجواب يجب أن يكون نعم. لكننا، مواجهين بروبوت كامل البرمجة، تصرّف بدون كلل كما سيفعل كائن بشري أخلاقي مكتمل، ربما لن نبدو ببساطة ميالين (أو “إنسانيين” humanist) لإنكار حالتها كمقتدرة أخلاقياً. القول: “هنا أنا أشك: أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً آخر”، ليس واضحاً أنه احتقار لموقف أخلاقي أصيل.

يمكننا كذلك أن نسأل أسيموڤ: كيف تكون قوانين الروبوتات التي تحكم سلوكها تجاه البشر ذات علاقة بالأخلاق ؟ ألا يجب أن يكون السؤال الأول كيف ستتواصل الروبوتات مع بعضها البعض؟. فكرة مراقبة أو اختبار روبوت من أجل الاقتدار الأخلاقي يمكن أن تكون متحيزة إذا قصرنا معاييرها على معاملة الكائنات البشرية. سوف يُطبق هذا أيضاً على الصقر والسنجاب، وأشياء أخرى مماثلة. في الواقع ربما ينبغي علينا أن نتحقق من تفاعل الصقر مع الصقور الأخرى، لكي نرى ما إذا كانت، بالنتيجة، تظهر اقتداراً أخلاقياً.

يمكننا آنذاك أن نفكر أيضاً ما إذا كانت هناك درجات للاقتدار الأخلاقي بدلاً من كون الأمر فقط عضوية كاملة أو لا عضوية في المجموعة المقتدرة أخلاقياً. ويمكن أن يكون أحد مقاييس التدرج بشكل دقيق مدى اتساع وجود العضوية في دائرتها الخاصة في الاحتياج الأخلاقي. هل يصبح البشر أكثر أخلاقية إلى الدرجة التي يعطون فيها اعتباراً أخلاقياً للروبوتات والصقور؟

تتضاعف الأسئلة من هذا النمط. والعثور على أجوبة ربما سيستعمل كلاً من التقصي التجريبي والشرح النظري، ما دمنا نغيّر نظريتنا عن الأخلاق على ضوء المشاهدات الشاملة والأكثر دقة والبدء في وجود الكينونات الجديدة. سيتعرض القسم التجريبي لعراقيل تتعلق بالاعتبار الأخلاقي المفترض نحو الحيوانات والروبوتات، ليس فقط بخصوص كيف وما إذا كان ينبغي أن نختبرها أو نراقبها ولكن كذلك ما إذا كان يتوجب علينا إحضار نماذج جديدة إلى الوجود، مثل الآلات التي يمكن أن تشعر بالألم. تبعاً لذلك، هناك الكثير من الأسباب الجيدة للتعاون بين علماء الأعراق البشرية (الإثنيات) وخبراء الروبوتات roboticists وعلماء الأخلاقيات ـ يا للعجب! .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق