الإيقاع… المصطلح الأجنبيّ ونشأة المفهوم

يعاني مصطلح “إيقاع” وهو المقابل الـعربيّ للكلمة الفرنسيّة Rythme قدرا من قلق العبارة، غـير يسـير، شأنه في ذلـك شأن الكلمة الأجنــبيّة نفسها، فقد تقلّبـت هذه الكـلمةـ قبل أن تتحـدّر إلى الفرنسية وتستقرّ بها ـ في طورين لغويّين كبيرين: يونـانيّ ثمّ لاتينيّ، وكان معناها الأصليّ تجريدا للمصدر Couler “سال سـيلا وسيلانا وسيولة أو جرى جريا وجـريانا”. وهو معنى مستـعار من الحـركات “المنتظمة”، حركات الأمواج التي قد تكون قدحت في الإنسان القديم فكرة “الإيقاع” وليس ذلك بالمستغرب، فقـد تعـلّم الإنـسان من الطـّبيعة الكـثير من مـبادئ الأشيـاء وقوانينها ووضّبه في أنماط معيشه وسلوكه وسائر منظوماته الثّقافيّة الرّمزيّة.

غير أنّ ما يعنينا في هذا السّياق أنّ الصّلة المعنويّة المعقودة بين Couler وRythme على أساس من حركة المياه أو الأمواج “المنتظمة” تبدو للوهلة الأولى عصّية بعيدة المأخذ، مثلها في ذلك مثل الصّلة التي نعقدها في العربيّة بين الوزن الشّعريّ والبحر الشّعريّ من جهة، وبين “إيقاع” ومقابلها الفرنسيّ من أخرى.

إنّ الأصل اللاّتينيّ / اليونانيّ الذي اشتقت منه الكلمة يدّل دلالة صريحة على معنى السّيل أو السّيلان والسّيولة والجري والجريان وكذلك الانسياب. وتتظافر مشتقّات الأصل الإسميّة في حدّ هذا المعنى وضبطه دون أيّ لبس، برغم أنّ البحر “لا يسيل” و” لا يجري ” و”لا ينساب”. فهذه أفعال لا تستعمل أبدا للبحر. وكذلك كلمة”إيقاع” فهذا هو المطّرد في الاستعمال اللّغويّ. وعليه يكون من الصّعوبة بمكان أن نقف على الكيفيّة التي انتقلت بها كلمة “إيقاع” في أصلها اليونانيّ، من دلالة مطابقة يفترض أنّها وضعت لمعاني مثل الجريان والسّيلان وحركة المدّ، إلى دلالة اصطلاحيّة. فثمّة اختلاف بين معنى “جرى وسال وانساب “ومعنى “إيقاع” في أصليهما اليونانيّ، يبلغ حدّ التناقض والتّباين. بل أنّ كلمة “إيقاع” في استعمالاتها الأقدم عند الإغريق واللاّتين،لم توضح للماء الذي “يجري” أو “يسيل “أو “ينساب”، ولا هي كانت تعني الدّلالة الاصطلاحية الذّائعة لكلمة “إيقاع” في العصور الحديثة. وبسبب من هذا اللّبس الذي يحفّ كلمة “إيقاع” في أصلها اليونانيّ، مطابقة واصطلاحا، يرى بنفينيست أنّه لا بّد من إعادة بناء تاريخها، عسى أن تتوضّح مختلف تقليباتها ودلالاتها. وهو يستهلّ بحثه بحدّ الدّلالة الأصلية دلالة “إيقاع” ثمّ يتدرج إلى وصف استعمالاتها التي ترجع إلى زمن سحيق.

أمّا القصائد المعروفة بـ”الهوميريّة” فلا نقف فيها على أيّ أثر لكلمة “إيقاع” بمعناها الاصطلاحيّ. إنّما نقف على هذا المعنى عند الكتّاب “الأيونيّين” وفي الشّعر الغنائيّ والشّعر التّراجيديّ، ثمّ في النّثر “الأتيكي” عند الفلاسفة خاصة. ففي معجم الفلسفة”الأيونيّة” نظفر بما يسمّيه بنفنيست القيمة النّوعيّة المخصوصة بكلمة “إيقاع” في أصلها اليونانيّ الأقدم وبخاصّة عند واضعي “نظيرية الذّرّة “مثل ديمقريطس ولوسيب، فهم الذين اتخذوا من الكلمة الأصليّة مصطلحا وجعلوا منها مفتاحا من مفاتيح مذهبهم. من ذلك أنّ أرسطو ـ وهو الذي حفظ لنا أكثر مقولات ديمقريطس ـ يثبت حدّ كلمة “إيقاع” القاطع أي “الصورة” وهو يشرح كيف تقوم العلائق الأساسيّة بين الأجساد على اختلافاتها المتبادلة التي ترجع إلى”النّظام” و”الصّورة” و”الوضع”، فالأشياء، في منظوره، إنّما تتمايز أو تتخالف بإيقاعها أي بصورتها. والإيقاع عند ديمقريطس هو “الصّورة” الخاصّة والتّرتيب الممّيز ترتيب الأجزاء في الكلّ. ويرد عنده أيضا بمعنى” صورة” الحروف في الأبجديّة، كما هو الشّأن عند لوسيب. ويرى بنفنيست في هذا المفهوم دليلا على تقليد جدّ قديم استعملت فيه كلمة إيقاع من حيث هي “شكل” مخصوص بعلامات الكتابة.

أمّا إذا صرفنا نظرنا إلى الشّعراء الغنائيّين فنتبيّن أنّ كلمة “إيقاع” أخذت تظهر بدءا من القرن السّابع في أفق الشّعر الغنائيّ، لتعني “الصّورة” ممتزجة بالطّبيعة الإنسانية امتزاجا تامّا. فالإيقاع هو “الصّورة” الفرديّة الممّيزة للطّبيعة الإنسانية. ونقف على ذات المفهوم عند شعراء التّراجيديا، فكلمة “إيقاع” والأفعال المشتقّة منها، لا تنفكّ عن هذه “الطّبيعة”، بل هي متّصلة بها اتّصالا محكما وثيقا. وهو المفهوم الذي يعزّزه النّثر “الأتيكي” الأقدم أي نثر القرن الخامس ويخلص بنفنيست من تأثّره الكلمة كلمة “إيقاع” اليونانيّة في عصور مختلفة وأزمنة متفاوتة أرصد لها معرفته اللّغويّة العميقة، إلى ثلاثة استنتاجات تجعل الحكم بكفاية “الإيقاع” اصطلاحا ـ وقد تفرّد كلّ عصر بإظهار جانب من جوانبه وجلّى صفة خاصّة من صفاته على أظهر وجوهها ـ يقتضي مراجعة علميّة دقيقة.

وأوّل هذه الاستنتاجات أنّ كلمة “إيقاع” اليونانيّة، لا تعني منذ بداياتها الأقدم إلى الحقبة “الأتيكيّة”:
“الإيقاع” بدلالته الاصطلاحيّة الذّائعة في العصور الحديثة.
وثانيها أنّ هذه الكلمة لم تستعمل قطّ للدّلالة على حركة الأمواج المنتظمة.
وثالثها أنّها لم تنفكّ قطّ في أيّ طور من أطوارها سالفة الذكر، عن معنى”الشّكل” المميّز، و”الغريزة ” أو “الطّبع” و”الصّورة” المتعادلة، حتى ضمن شروط الاستعمال اللّغويّ الأكثر تنوّعا.

إنّ كلّ مشتقّات “إيقاع ” اليونانيّة، سواء أكانت إسمية أم فعليّة، ترجع إلى مفهوم “الصّورة” وتصدر عنها، رغم توافر كلمات أخرى في اليونانيّة تؤدّي عن هذا المفهوم، كما يقول بنفنيست. ولكنّ دلالة “إيقاع” اليونانيّة الأظهر ـ وهي القاطعة في نظره ـ هي التي أثبتناها أي “الصّورة”. فلهذه الدّلالة تنهض كلّ أجناس الكتابة اليونانيّة من بداياتها المعروفة إلى الحقبة التي توقّفنا عندها، وتسلم إليها.

إذن ما المسوّغ في انتقال كلمة ” إيقاع” اليونانيّة من مفهوم” الصّورة” الذي لازمها قرونا طوالا، إلى مفهوم “الإيقاع” بدلالته الحديثة الموصولة بـ”الحركة” و”الجريان” و”السّيولة” و”الانسياب”، برغم أنّ أصل الكلمة ومشتقّاتها تندّ بنا عن هذه المعاني؟

الحقّ أنّ محاولة الوقوف على أصول كلمة مثل كلمة “إيقاع” داثرة، وعلى صورها التي عفاها البلى وطواها الزّمان، هي التي تدفع بنا إلى عقد مقارنة “مورفولوجية” مغرية بين مفهومين للإيقاع: قديم “داثر” في الظّاهر، وحديث أو “مستحدث” في حقيقته. فالآصرة المفترضة تشقيقا أو تفريعا بين كلمة “إيقاع” وكلمات مثل “الجريان” و”السّيولة” و”الانسياب” في أصولها اليونانيّة لا تثير في ذاتها أيّ تحفظّ أو اعتراض عليها. بل لعلّ الأصوب أن نقول إنّها “المصادرة” التي نلتمس فيها شتىّ المسوّغات لما نحن فيه من أمر الإيقاع، ومن دلالته الاصطلاحيّة الحديثة وملابسات مناشئها. فليس من مآخذنا هذا التّشقيق ولا هذا التّفريع، كما يقول بنفنيست وإنّما المعنى المتهافت لكلمة “إيقاع” اليونانيّة، فقد استنبطه البعض وقطعوا به متعجّلين غير متريّثين.

على ضوء هذه “المصادرة ” يمكن أن ندفع بالتحليل قدما فنلاحظ أنّ كلمة “إيقاع” لم تبرح في أيّ طور من أطوارها معنى “الصّورة”. لكن أيّة صورة؟

إنّها الصورة المرتجلة الحاليّة القابلة للتّغيّر والتبدّل والتّعديل، لحظة تتحقّق بواسطة ما هو متحركّ أو متنقل أو سلس. فهي، من ثمّة، شكل ما ليس له تكوّن عضويّ، يتوافق مع نموذج عنصر سائب سلس أو مع حرف مشكّل اعتباطا أو تواطؤا.

وفي سياق كهذا فإنّ الصّلة اللّطيفة المعقودة بين الإيقاع من حيث هو “صورة” والإيقاع من حيث هو “جريان” أو “سيلان” أو “انسياب”، ليست تلفيق خيال ولا هي توشية وهم وظنّ. بل هي في الفلسفة “الإيونيّة” التي تردّ الأشياء إلى مبدأ بسيط هو الماء في نظر طالس، و الهواء في نظر أنكسيمنوس، “حقيقة” قد تُلمح بالبداهة وتدرك بالبصيرة الواعية. فـ”السّيلان” أو “الجريان” أو “الانسياب” هو محمول الطبيعة والأشياء الجوهريّ، في المنظور الفلسفيّ “الإيوني” حيث كلّ شيء مؤلّف من ذرّات يختلف ترتيبها باختلاف الشّيء. وهذا التّرتيب المختلف هو الذي ينتج اختلاف الصّور والأشياء. وعليه فإنّ التّقدير الدّقيق لكلمة “إيقاع” في أصولها اليونانيّة، يجري على الطّريقة “الإيونيّة” ويفئ إليها. فليس الإيقاع إلاّ “طريقة خاصّة في الجريان” أي جريان الأشياء وتغيّرها وتبدّلها.

فما الإيقاع أذن؟

خلصنا إلى أنّ الإيقاع من حيث هو اصطلاح دقيق أخصّ ما يكون بوصف هيئات وأشكال تتحصّل من ترتيب أو تنظيم أو تنسيق هو أبدا موضوع للتّبديل والتّغيير، ولا ثبات لها ولا ضرورة طبيعيّة تقتضيها.

وعليه يرى بنفنيست أنّ تخيّر مشتق لغويّ من “سال” لمحاصرة هذا “الوضع” المخصوص بـ”صورة ” الأشياء هو ميزة الفلسفة “الإيونيّة”. فهو ناجم عن تصّور للكون حيث الأشكال الخاصّة أشكال المتحركّ المتقلّب تتحدّد من حيث هي أشياء سائبة منساحة متحوّلة متبدلّة. ولا يساوره شكّ في هذه الآصرة اللّطيفة المعقودة بين كلمة “إيقاع” اليونانيّة، والفلسفة التي اتخذته مفهوما لعلّه من أكثر المفاهيم أصالة.

لكنّ هذا التّحليل على ما به من حقّ عميق وبرغم صلاحه لتفسير كلمة “إيقاع” في أصولها اليونانيّة، لا يحول بيننا وبين طرح أسئلة شائكة عساها تبدّد ما علق بمفهوم “الإيقاع” في قليل أو كثير من البحوث والدّراسات العربيّة الحديثة، من ضلالات وأوهام وأحكام متهافتة.

إذا كان الإيقاع في أصوله الأولى هو “الصّورة” على النّحو الذي شرحه بنفنيست. فمن أيّ جهة من جهات هذه الدّلالة المتناغمة يداخله مفهوم “الإيقاع” الحديث؟

أهي مداخلة معقودة على التّضمّن كأن يداخل “الحديث” “القديم” ويواصله على نحو من الأنحاء أو يكرهه على أن يقول نقيضه أم هي مداخلة معقودة على المفارقة، فهي نفسها وغير نفسها في آن، ما دام الاختلاف يشقّها في صميمها؟

وسواء علينا أسوّغنا هذه أم تلك، فإنّّ السؤال الذي لا فكاك منه هو: فيم تكمن صلة “الإيقاع” بمفهوماته الحديثة، بـ”الإيقاع” في أصوله الأولى ؟

لعلّ بوادر الجواب أن تلوح متى وقفنا على الأسباب التي جعلت من كلمة “إيقاع” القديمة، الكلمة الأنسب لأداء الدّلالة الاصطلاحيّة المخصوصة بالإيقاع في العصور الحديثة، فقد تكون هذه الأسباب أنمّ على الدّلالة من الكلمة نفسها وربّما تعذّر علينا ـ ما لم نستشفّ كنهها ونخلص إلى سرّها ـ أن نفهم “الإيقاع” على حقيقته، ولم تغن عنّا جولتنا في نواحي الماضي ولا هذه المعلومات والأسانيد التي نستأنس بها.

إنّ حدّ “الإيقاع” الذي أثبتناه سلفا يحمل هذه الأسباب في مطاويه. وعلى أساس منه يمكن أن نبني رأيا في نقد الإيقاع وتقديره. ذلك أنّ معنى “الإيقاع” الحديث ـ على ما يبيّنه بنفنيست ـ قائم في اليونانيّة القديمة أيضا. فثمّة مفهوم آخر للإيقاع يتعدّى مفهوم الصّورة الذي ظلّ متداولا إلى منتصف القرن الخامس ق. م. ولقد أوضحه أفلاطون في تقدير جديد يحصر مدلول “الإيقاع” التقليديّ ويضع له حدودا. ولنا في النّصوص الآتي ذكرها أكثر من سند يوضّح الكيفيّة التي يلوي بها المفهوم الأفلاطوني على المفهوم القديم ويخترقه في ذات الآن.

ففي Plitèbe يصرّ سقراط على قيمة الفواصل في مدارسة الموسيقى مدارسة جادّة، فلا بدّ من معرفة خصائصها وفروقها وتوفيقاتها.يقول: ” إنّ أسلافنا علّمونا أن نسمّي هذه التّوفيقات” تناغمات” ويضيف أنّهم أفادونا أيضا بصفات أخرى شبيهة ملازمة لحركات الجسد خاضعة للأعداد وينبغي أن نسمّيها إيقاعات وأوزانا. وفي” المأدبة ” يحدّ أفلاطون “التّناغم” من حيث هو توافق أنغام، ويبيّن كيف يتحصّل الإيقاع بذات الطريقة من السّريع البطئ، متقابلين في البداية ثم متوافقين. وفي”القوانين” يستظهر بطبائع الفتيان، فهم متهوّرون صاخبون في الظاهر؛ ولكنّ نظاما ما، هو مزيّة إنسانية خالصة، يلوح في حركاتهم. وهذا النّظام هو الذي نسمّيه إيقاعا، على حين أنّ ما نسميّه تناغما هو نسق الصّوت حيث يتمازج المرتفع والمنخفض ويرقّان. واتّحادهما هو ما نسمّيه فنّا جوقيّا.

على أنّ أفلاطون يستعمل أيضا كلمة “إيقاع” الأصليّة بمعنى”الصّورة الممّيزة والهيئة والتّناسب”. ولكن في سياق مبتكر، إذ يطابق بين الإيقاع وصورة الحركة التي يؤدّيها الجسد خلال الرّقص، وهيئة الصّور حيث تنحلّ هذه الحركة. وهذا التّوافق إنّما مردّه إلى مفهوم “الإيقاع” في أصوله الأولى أي الإيقاع الجسديّ المنضوي إلى الصّورة المحتكم إلى قانون الأعداد. ومنذ تلك اللّحظة فصاعدا، أصبحت “الصّورة” محدّدة بوزن خاضعة لقانون أو نظام، وهذا هو المعنى الجديد للـ”إيقاع” أي “الهيئة” بالمعنى الحصريّ الدّقيق للكلمة. وهي تتكّون في منظور أفلاطون من متتالية مرتّبة هي مزدوجة معيّنة من حركات بطيئة وسريعة.

وعلى ذلك يمكن أن نقيس أيضا التّناغم الحاصل من تعاقب الصّوت المرتفع والصّوت المنخفض.

ويخلص بنفيست إلى أنّ “الإيقاع” أصبح منذ تلك اللّحظة الأفلاطونيّة يعني النّظام في الحركة، وإجراء التّرتيب كلّه أي ترتيب الهيئات الجسديّة المتناغم المؤلّف من وزن. وعليه يتسنى لنا أن نتكلّم على”إيقاع” رقصة ومشية ونشيد ونطق وعمل أي إيقاع أيّ نشاط متواصل متعاقب يمكن تحليله بواسطة الوزن.

لقد تحدّد إذن مفهوم الإيقاع، على أساس من الكلمة في أصولها الأولى. فمن تصوّر للإيقاع يحصره في هيئة فضائيّة يحدّها ترتيب العناصر وتناسبها المميّزين، إلى تصّور يجعل منه هيئة الحركات المؤلّفة المنسّقة في الزّمان. يقول أرسطو: “إن كلّ إيقاع ليقاس بحركة محدّدة”.

فعسى أن تكون هذه النّبذة التاريخيّة قد وطّأت السّبيل إلى تفهّم بعض مشكلات الإيقاع لغة واصطلاحا في ثقافة “الآخر”، وألقت شيئا من الضّوء على نشأة مفهوم لعلّه من أدقّ المفهومات وأشدّها استعصاء على التّحديد. ولكن لا يذهبنّ في الظّنّ ـ وبعض الظنّ ليس إثما ـ أنّه لون من لطيف الحقائق التي لا تحتمل قسوة العلم ولا هي تصبر على جفائه، فلعلّ الحاجة إلى إخضاع مفهوم مثل “الإيقاع “، هو من دخائل الخطاب والنّفس والجسد؛ لأسلوب العلم وقضايا المنطق، أن تكون أشدّ وأقوى في عالم الفنّ والشّعر، منها في غيرهما من العلوم والصّناعات. ونخال أنّ تحّري شتّى الملابسات التي اكتنفت نشأة مفهوم الإيقاع ممّا يمهّد السّبيل لقراءة مجدية تبعدنا عن التّصّورات والتّقديرات المتهافتة كتلك التي تزعم أنّ الإغريقيّ القديم اكتشف “الإيقاع” وهو يتأمّل لعبة الأمواج على ساحل البحر، أو أنّ الخليل بن أحمد استنبط أوزان الشّعر العربيّ وإيقاعاته، من ممرّ له بالصّفّارين، من وقع مطرقة على طست. فمثل هذا الزّعم أو ذاك يجعل مفهوم “الإيقاع” نهبا للصّدف والأهواء العارضة وثمرة الأوهام المتخيّلة، وليس محصّلة تدبّر معرفيّ متأنّ وجهد فكريّ دؤوب. بل ليس ثمّة أقلّ “فطرة” و”سجيّة” من تدبّر مفهوم مثل مفهوم “الإيقاع” يتبدّى لنا ملازما كأشدّ ما يكون التّلازم لصور الحركة المبينة بشتّى تجلّياتها جسدا أو جسما (أي نصّا أو خطابا أو موسيقى)، مرتبطا بها كأوثق ما يكون الارتباط، شأنه في ذلك شأن كلّ محمول لا ينفكّ أبدا عن موضوعه.

ويشقّ علينا أن نصدّق أنّ قدامانا وقداماهم ـ ونحن نحاول أن نراقب نشوء أفكارهم في “الإيقاع” ومولدها ونموّها وترعرعها، ونتقصّى آثارها ونتتبّع أدوارها ـ وضعوا هذا المفهوم أو ذاك في تسمية الحركة المنظّمة دون أن ينعموا النّظر في بنية الأشياء أو دون أن يستأنسوا بنظرية في “الوزن” أجروها على صور الرّقص أو تموّجات النّشيد، أو من طرائق الشّعراء في إنشاد شعرهم.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This